الكلب بتاع جارنا العجوز بقلم صابرين محمد
كلنا استغربنا.
قال: بصوا على هدوم الراجل.
بصينا ولقينا آثار شعر الكلب على الجلابية كلها وركبته كانت عليها آثار طين.
قال: ده حاول يرفعه.
كلنا سكتنا. كمل كلامه وهو بيبص للحاج عبد الرحمن:
بصوا عند كتفه. لقينا آثار خفيفة جدًا من مخالب الكلب على القماش.
قال: واضح إنه كان بيحاول يزقه أو يسنده أو يصحيه.
بعدها بص على طبق الأكل اللي جنب الحيطة.
الأكل كان زي ما هو.
قال: واضح كمان إنه مأكلش من ساعة ما الراجل وقع.
الكلمات دي نزلت علينا كأنها جبل. يعني من وقت ما صاحبه وقع.. هو لا أكل ولا شرب ولا خرج.
فضل يحاول يصحيه ولما فشل خرج يدور على أي بني آدم ينقذه.
ساعتها أحمد حكى لهم اللي حصل برا.
إزاي الكلب فضل ينبح قدام البيوت وإزاي الناس افتكرته مجرد كلب مزعج وإزاي هو بنفسه كان نازل يهشه وإزاي الكلب مسك طرف جلابيته ورفض يسيبه.
المسعف ابتسم وقال:
لو كنت زعقتله ومشيت الراجل ده كان ممكن يموت.
الكلمة
ولما بدأوا ينقلوا الحاج عبد الرحمن على النقالة حصل الموقف اللي خلّى حتى رجال الإسعاف يسكتوا.
الكلب مشي جنب النقالة.
ولما خرجوا بيها من الباب وقف قدام العربية.ولما حاولوا يقفلوا الباب بدأ يأن بصوت واطي.
مش نباح ولا عواء ده صوت حزين، كأنه طفل خايف يتساب لوحده.
المسعف بص لزميله وقال: سيبه يطمن.
فتح الباب تاني. فجأة الكلب نط برجليه الأماميتين على حافة العربية ومد رقبته ناحية الحاج عبد الرحمن ولحس إيده لحسة واحدة وبعدين نزل بنفسه وقعد على الأرض في هدوء.
كأنه كان بيودعه أو يمكن بيطمن إنه لسه عايش.
حتى المسعف نفسه دمعت عينه.
قال: والله عمري ما شوفت وفا بالشكل ده.
العربية اتحركت والكلب جري وراها كام متر وبعدين وقف وقعد في نص الشارع.
يبص للعربية وهي بتبعد ولا مرة نبح
وقعد. كأنه متأكد إن صاحبه هيرجع.
الشارع كله كان واقف ساكت.. نفس الناس اللي من نص ساعة كانوا بيتضايقوا من صوته بقوا دلوقتي بيبصوا له وهم مكسوفين من نفسهم.
الراجل اللي كان هيقفل الباب في وشه
قرب منه وربت على راسه وقال بصوت مكسور:
سامحني يا صاحبي أنا مكنتش فاهم.
وأنا رجعت بيتي وأنا مش قادرة أنسى المشهد.
فضلت طول الليل أفكر. إحنا البشر ساعات بنعيش سنين مع بعض وأول ما المصلحة تخلص، كل واحد يدير ضهره للتاني.
وساعات حد يمرض أو يقع أو يحتاج كلمة وميلقاش حد يسأل عليه.
لكن الحيوان ده اللي ناس كتير بتعتبره مجرد كلب. فضل يحاول ينقذ صاحبه لحد آخر نفس.
لا كان مستني شكر.. ولا مكافأة ولا تصوير.. كل اللي كان يعرفه إن الإنسان اللي عاش معاه سنين محتاج مساعدته
بعد يومين عرفنا إن الحاج عبد الرحمن فاق في المستشفى والدكتور قال إن وصول الإسعاف
أول سؤال سأله بعد ما فتح عينيه كان:
فين رفيق؟
وده كان اسم الكلب.
ولما أحمد راح يطمن عليه قال له:
رفيق مستنيك قدام البيت من يوم ما خرجت وهو كل شوية يبص في أول الشارع وكأنه مستني يشوفك راجع.
الحاج عبد الرحمن بكى ووقال وهو بيبتسم وسط دموعه كنت فاكر إني أنا سنده طلع ربنا مخليه هو سندي يوم ما وقعت ومحدش حس بيا.
ويوم ما رجع البيت كانت أول مرة أشوف كلب يفرح بالطريقة دي. جري عليه كأنه رجعتله روحه من تاني، فضل يلف حواليه بلهفة وبعدها حط راسه على رجله وقفل عينيه في هدوء، كأنه أخيرًا اطمن إن صاحبه بخير.
وقفنا كلنا بنتفرج على المنظر ومحدش قدر ينطق بكلمة لأن أي كلام كان هيبقى صغير قدام وفا قدر يهزم الوقت ويهزم الوحدة وينقذ إنسان كان بينه وبين الموت مجرد دقايق.
ومن اليوم ده، كل ما أسمع كلب بينبح في الشارع، مبقتش أقول إنه عامل دوشة