جوزي كان بيبعت فلوس

لمحة نيوز


"ها... وصل التليفون؟"
قلت بسرعة: "آه... بس نادية راحت البلد عند قرايبها كام يوم."
قال: "ولا يهمك، أول ما ترجع علميها عليه."
قفلت وأنا حاسة إني كذبت الكذبة اللي بعدها أكبر منها.
عدى أسبوع...
وبعدين أسبوع تاني...
كل يوم أطلع حجة جديدة.
مرة العيال تعبانين.
مرة الكهرباء قاطعة.
مرة التليفون محتاج شريحة.
ومصطفى بدأ يشك.
قال لي: "غريبة... بقالها شهر ومش عرفت تكلمها؟"
قلت وأنا ببلع ريقي: "هي مبتحبش التكنولوجيا."
سكت شوية...
وقال جملة خلت قلبي يقع.
"طيب خلاص... أنا نازل مصر بعد أسبوعين."
إيدي سابت التليفون.
"إيه؟"
"وحشتوني... وكمان عاوز أطمن على نادية بنفسي."
أول مرة أحس إن الدنيا ضاقت بيا بالشكل ده.
قعدت طول الليل أفكر.
أهرب؟
أقول الحقيقة؟
ولا أكمل الكدب؟
لكن كل طريق نهايته مصيبة.
وفي اليوم اللي بعده، وأنا قاعدة لوحدي، سمعت

خبط على الباب.
فتحت...
لقيت موظف البريد.
قال: "حضرتك صباح؟"
"أيوة."
"اتفضلي... حوالة باسمك."
استغربت.
فتحتها.
كان فيها جواب صغير من مصطفى.
"صباح... أنا بقيت بحوش كام ألف زيادة كل شهر علشان أعمل مشروع صغير لنادية لما أنزل. أختي تعبت كتير في حياتها، وعاوز أشوفها مرتاحة."
الجواب وقع من إيدي.
أنا مش بس خبيت عنها الفلوس...
ده أنا كنت بسرق حلم كان أخوها بيرسمه لها.
من ساعتها بقيت مش بعرف أنام.
كل ما أنام، أشوف نادية وهي بتنضف الأرض، وإيديها متشققة، وتقول: "الحمد لله... أكل عيالي من تعبي."
وأنا عارفة إن تعبها كان المفروض مايبقاش موجود أصلاً.
جاء يوم وصول مصطفى.
البيت كله كان مقلوب.
نادية لبست أحسن عباية عندها وجاية تسلم على أخوها بعد غياب سنين.
أما أنا...
كنت واقفة ورجليا مش شايلاني.
أول ما دخل البيت، حضن أولاده، وبعدها قال:
"
فين نادية؟"
دخلت وهي دموعها في عينيها.
حضنها حضنة طويلة، وبعدين ابتسم وقال:
"الحمد لله... واضح إن الفلوس كانت مكفياكي."
نادية بصت له باستغراب.
"فلوس إيه يا مصطفى؟"
الصمت ملأ البيت.
بص لي...
وبص لها...
وقال:
"الستة آلاف اللي ببعتهملك كل شهر من تلت سنين."
نادية هزت راسها.
"أنا والله ماخدتش منك جنيه واحد."
ساعتها حسيت إن روحي خرجت مني.
مصطفى لف ناحيتي ببطء.
وشه كان هادي...
هادئ بشكل أخوف من الصريخ.
قال:
"صباح... أختي بتقول إنها ماخدتش الفلوس."
لساني اتربط.
حاولت أتكلم.
ولا كلمة خرجت.
ساعتها نادية، وهي لسه مش فاهمة، قالت بعفوية:
"أنا كنت بروح أنضف عند صباح كل أسبوع، وكانت بتديني أجري... ربنا يجازيها خير."
بص لها مصطفى، وبعدين بصلي تاني.
وفجأة قال:
"يعني... كنتِ بتشغلي أختي بفلوسي؟"
انفجرت في العياط.
وقعت تحت رجليه.
وحكيت كل
حاجة.
إني كنت فاكرة إني بحميها من الكسل والطمع.
وإني كنت باحتفظ بباقي الفلوس.
وإني عمري ما صرفتها على نفسي.
طلعت دفتر توفير من الدولاب.
وحطيته قدامه.
كان فيه كل الألفين جنيه اللي كنت بشيلهم كل شهر، ومعاهم فوائدهم.
فتحه...
وسكت.
ونادية كانت واقفة بتعيط هي كمان.
قالت:
"أنا زعلانة منك يا صباح... مش علشان الفلوس... علشان خليتيني أحس إني وحيدة، وأخويا فاكر إنه واقف جنبي وأنا معرفش."
فضل البيت ساكت دقائق طويلة.
وبعدين مصطفى قال:
"الغلط غلط... لكن الحمد لله إن الفلوس موجودة."
قرر يقفل دفتر التوفير باسم نادية، ويزود عليه من جيبه علشان يحقق المشروع اللي كان بيحلم بيه لها.
أما أنا...
سامحني بعد شهور طويلة، لكن قال لي جملة عمرها ما فارقت ودني:
"الثقة لما تتكسر... بتتصلح، لكن عمرها ما بترجع زي الأول."
ومن يومها عرفت إن الكذبة مهما
طال عمرها... لازم ييجي يوم وتقف قدام الحقيقة، وإن حسن النية لا يبرر إخفاء الأمانة عن أصحابها.

 

تم نسخ الرابط