طلقها لأنها لم تُنجب... وبعد سبعة أشهر وجدها على طاولة العمليات تُنجب طفله
دخل غرفة العمليات مسرعًا بعد أن سمع نداء الممرضة
دكتور ماجد! لدينا حالة طارئة وصلت عبر الإسعاف. سيدة تعاني من مخاض مبكر في بداية الشهر التاسع، جاءت برفقة جارتها فقط، ولا توجد لها أي متابعة سابقة للحمل لدينا.
أسرع إلى غرفة العمليات، غسل يديه، وارتدى ثوب الجراحة. كانت المريضة قد خضعت للتخدير النصفي، وستارة خضراء تحجب وجهها، بينما كان جهاز مراقبة نبض الجنين يملأ المكان بإيقاعه المنتظم.
قال بهدوء مطمئن
مساء الخير سيدتي، أنا الدكتور ماجد. لا داعي للخوف، سنُخرج الطفل بإذن الله وهو بخير.
وبينما كان يبدأ الفحص، سمع صوتًا خافتًا من خلف الستارة...
صوتًا يعرفه جيدًا، صوتًا اعتاد سماعه كل يوم طوال عامين.
ماجد؟
توقّف الزمن.
رفع الستارة بيدٍ مرتجفة.
كانت ولاء...
ابنة عمه... وزوجته السابقة التي طلّقها قبل سبعة أشهر.
كان وجهها شاحبًا، يغطيه العرق، وخصلات شعرها ملتصقة بخدها، وعيناها اللتان طالما نظرتا إليه بحب، تمتلئان الآن بالخوف والدموع.
كانت آخر مرة رآها فيها قبل سبعة أشهر، يوم احتدم الخلاف بينهما في منزل عمه بسبب تأخر الإنجاب.
قال لها آنذاك بقسوة
أنتِ لا تنجبين، ولن تنجبي أبدًا.
لم تجبه بكلمة، بل غادرت بصمت.
ثم سافر إلى مؤتمر في القاهرة، وعندما عاد وجدها قد جمعت أغراضها ورحلت. وبعدها طلّقها غيابيًا، من دون أن يحاول السؤال عنها أو معرفة أحوالها.
والآن...
ها هي ترقد أمامه على طاولة العمليات، وبطنها المنتفخ يتحرك بحياة جديدة.
سبعة أشهر...
لقد طلّقها قبل سبعة أشهر.
أما الطفل الذي تحمله، فهو في شهره التاسع.
ارتطمت الحقيقة بعقله كصافرة إنذار مدوية. لم يكن بحاجة إلى طبيب ليحسب المدة.
قاطعت الممرضة أفكاره وهي تقول بقلق
دكتور، ضغطها ينخفض! ثمانون على خمسين.
أمسكت ولاء بيده المغطاة بالقفاز، وغرزت أظافرها فيها وهي تهمس بصوت
أرجوك يا ماجد... أنقذ طفلي... لا أريده أن يموت.
ابتلع ماجد ريقه، ولم يعد يسمع في الغرفة سوى صوت جهاز مراقبة نبض القلب.
نظر في عينيها، ثم التفت إلى الممرضة وقال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا
المشرط.
خرجت الكلمة جافة، وكأنه كان يحاول أن يفصل بين ماجد الطبيب الذي يجب أن يؤدي واجبه، وماجد الرجل الذي تجمد أمام طليقته.
وضعت الممرضة المشرط في يده.
تلك اليد التي أجرت مئات عمليات الولادة من قبل، لكنها للمرة الأولى كانت ترتجف.
قالت الممرضة
دكتور ماجد، الضغط أصبح خمسة وسبعين على خمسة وأربعين.
أجاب بسرعة
زيدوا سرعة المحلول الوريدي، وجهزوا حقنة نضج الرئتين للطفل.
ثم نظر إلى ولاء مرة أخرى.
كانت عيناها نصف مغمضتين تحت تأثير التخدير، لكنها ما زالت تقبض على يده.
همست بصوت واهن
ماجد... إن حدث لي شيء...
قاطعها بصوت خافت
اصمتي... لن يحدث لك شيء.
ثم أضاف، وهو يبدأ شق الجراحة
توقفي عن المبالغة.
كانت تلك العبارة نفسها التي اعتاد أن يقولها لها قديمًا عندما كانت تبكي لأنه تأخر في العودة من العيادة.
أما الآن، فقد شعر أن الكلمات نفسها تخنقه.
وما إن فتح الرحم، حتى لاحظ أن السائل الأمنيوسي المحيط بالجنين كان ذا لون غير طبيعي...
حدّق ماجد في السائل الأمنيوسي للحظات، ثم قال بحزم
هناك علامات على معاناة الجنين... أسرعوا.
تحرك الفريق الطبي في صمت منظم، وكل فرد يعرف مهمته. أما هو، فكان يقاوم عاصفةً تضرب داخله. لم يعد يرى أمامه مجرد مريضة، بل امرأة حمل في قلبه تجاهها من الندم ما لم يعترف به يومًا.
بعد دقائق بدت أطول من عمر كامل، أخرج الطفل بحذر.
ساد الغرفة صمت ثقيل.
لم يسمع أحد بكاءً.
تناول طبيب الأطفال المولود بسرعة، وبدأ فريق الإنعاش عمله. كانت الثواني تمر ببطء قاتل.
واحدة...
اثنتان...
ثلاث...
ثم انطلق صوت بكاء صغير، ضعيف في البداية،
تنفس الجميع الصعداء.
أغمض ماجد عينيه للحظة، وكأن ذلك الصوت انتشله من هاوية كان يسقط فيها.
قال طبيب الأطفال مبتسمًا
بخير... يحتاج إلى المراقبة فقط.
لكن ولاء لم تكن قد سمعت شيئًا.
كان ضغطها لا يزال منخفضًا، والنزيف لم يتوقف.
قال ماجد بثبات
ركزوا معي... أوقفوا النزيف.
استغرقت العملية وقتًا أطول مما توقع الجميع، حتى نجح الفريق في السيطرة على حالتها.
وحين انتهى كل شيء، خلع قفازيه ببطء، وجلس للحظة على المقعد المجاور، يشعر لأول مرة منذ سنوات بأن قدميه لم تعودا تحملانه.
بعد يومين، فتحت ولاء عينيها في غرفة الإقامة.
وجدت الطفل نائمًا بجوارها، والتفتت نحوه بابتسامة امتزجت بالدموع.
ثم رفعت رأسها، فرأت ماجد يقف عند الباب.
لم يدخل مباشرة، وكأنه لا يملك الحق في ذلك.
قال بهدوء
الحمد لله على سلامتك.
أجابته بصوت خافت
شكرًا... يا دكتور.
توقف عند كلمة يا دكتور. كانت المسافة بينهما قد اختُصرت في لقب، بعدما كانت يومًا تُختصر في اسمه.
سأل بعد صمت
هل... تسمحين لي أن أعرف الحقيقة؟
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت
حين طلقتني، كنت حاملاً منذ أسابيع قليلة. لم أكن أعلم. وبعد الطلاق بأيام شعرت بالإرهاق، فذهبت إلى الطبيبة... وهناك عرفت.
انعقد حاجباه.
ولماذا لم تخبريني؟
تنهدت وقالت
حاولت الاتصال بك مرات كثيرة. كنت مسافرًا، ثم غيّرت رقمك. وأرسلت رسالة مع عمك، لكنه قال لي بالحرف ماجد أغلق هذا الباب، ولا يريد العودة إليه.
أطرق رأسه.
لم يكن يعلم أن عمه أخفى عنه الرسالة، ولم يكن يعلم أن كبرياءه أغلق كل الأبواب قبل أن يسمع الحقيقة.
قال بصوت مكسور
أنا ظلمتك.
هزت رأسها في هدوء.
الظلم لم يكن في الطلاق وحده... بل في أنك حكمت عليّ قبل أن تمنحني فرصة للدفاع عن نفسي.
لم يجد ما يقوله.
لأول مرة في حياته،
اقترب من سرير الطفل، وتأمل ملامحه الصغيرة.
ابتسمت ولاء ابتسامة باهتة وقالت
يشبهك.
مدّ إصبعه، فتشبث الطفل بخنصره بقوة.
في تلك اللحظة شعر ماجد أن أصغر يد في العالم وضعت على كتفيه أكبر مسؤولية عرفها في حياته.
رفع رأسه نحو ولاء وقال
لا أطلب منك أن تنسي ما حدث... ولا أن تسامحيني اليوم. لكنني أعدك بشيء واحد.
سألته بهدوء
وما هو؟
قال
سأكون أبًا صالحًا لهذا الطفل... حتى لو لم أغفر لنفسي أبدًا.
ابتسمت ابتسامة امتزج فيها الألم بالأمل.
وأدرك كلاهما أن بعض العلاقات لا يمنحها القدر فرصة ثانية لتعود كما كانت، لكنه يمنحها فرصة لتصبح أفضل مما كانت عليه... إذا امتلك أصحابها شجاعة الاعتراف بالخطأ، والبدء من جديد.
مرّت ثلاثة أشهر.
اعتاد ماجد أن يأتي كل مساء بعد انتهاء عمله. لم يكن يطرق الباب كما كان يفعل قديمًا، بل يرسل رسالة قصيرة
هل أستطيع رؤية الصغير؟
وكانت ولاء تجيب دائمًا بجملة مقتضبة
تفضل.
لم تعد بينهما خصومة، لكن الطريق إلى الصفح كان لا يزال طويلًا.
حمل الطفل بين ذراعيه، وهو يتأمل ملامحه يومًا بعد يوم. كان يبتسم كلما قبض الصغير على إصبعه، ويشعر بوخزة في قلبه كلما تذكر أنه كاد يخسر تلك اللحظات كلها بسبب كلمة قالها في لحظة غضب.
في إحدى الأمسيات، دخل يحمل كيسًا صغيرًا.
قالت ولاء
ما هذا؟
ابتسم وهو يخرجه.
أول لعبة اشتريتها لابني.
أخذتها منها بصمت، ثم وضعتها بجوار المهد.
قالت بعد لحظة
تعرف؟
رفع رأسه.
في كل مرة تأتي فيها، أرى الندم في عينيك أكثر من الكلمات التي تقولها.
تنهد وقال
لأن الكلمات لا تكفي.
ساد الصمت.
ثم قالت
هناك شيء لم أخبرك به.
انعقد حاجباه.
بعد الطلاق... جاء أكثر من شخص يطلب الزواج مني.
نظر إليها دون أن يتكلم.
رفضت الجميع.
شعر بشيء ينقبض في صدره، لكنه لم يكن يملك حق السؤال.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
ليس انتظارًا لك... بل لأنني كنت أريد أن أولد طفلي وأبدأ حياتي من جديد دون أن أظلم أحدًا.
أومأ برأسه.
وأنا...