٨٠ فدان انجي الخطيب

لمحة نيوز

بعبايتها المتربة، بس نظرتها كانت أقوى من أي وقت فات.
الآنسة مريم؟
سألها المأمور وهو بيبص للمخزن اللي صوت الخبط فيه بقى مكتوم.
أيوه يا فندم، أنا مريم. التليفون اللي بلغتم عليه هو اللي فيه كل التسجيلات اللي بتثبت محاولة الخطف والتزوير، ومفاتيح البيت والتوكيلات المضروبة كلها في الدرج اللي جوه المكتب، خدوا بالكم، أيمن عنده نسخة تانية في الخزنة.
مريم قالت كلماتها وهي بتطلع دلاية ورقة الشجر من رقبتها، بتبص لها وكأنها بتودع جدها وبتقوله أنا قدرت. المأمور شاور للعساكر، ودخلوا البيت اللي كان يوم من الأيام بيتها. وشافت ريهام خارجة من عربية تانية، وشها أبيض كالموت، عينيها جت في عين مريم، فبصت في الأرض بسرعة، ريهام كانت هي الخيط اللي مريم استخدمته عشان تكشف اللعبة؛ عرفت إن طموح ريهام في ابن أيمن هو اللي هيخليها تبيع أي حد، فكانت هي أول واحدة اتواصلت معاها وهي جوه بيت الحارس، وفهمتها إن أيمن هيسيبها تواجه المصير لوحدها لو مراته اتنزلت عن الأرض.
ريهام بدموع تماسيح قربت منها
مريم.. أنا كنت مضطرة.. هو اللي ضغط عليا..
مريم بصتلها بقرف، ومن غير ولا كلمة، لفت وشها للمأمور وقالت
يا فندم، الأرض دي كان جدي شقيان فيها عشان يورثني أنا، مش عشان تتسرق مني. أنا عايزة حقي بالقانون، وعايزة أخرج من البيت ده النهاردة، ومحدش فيهم يقرب مني تاني.
شافت أيمن بيطلع متكلبش، وشه كان ملامحه ممسوحة، أول ما شافها، حاول يصرخ أو يشتم، بس عساكر الأمن المركزي كتفوه بسرعة ودخلوه عربية الترحيلات. طنط إحسان كانت ماشية وراهم بتندب وتصرخ، بس مريم كانت خلاص، صوتهم بقى زي دوشة عربيات معدية، مش مأثر في هدوئها.
ركبت مريم عربية الشرطة عشان
تروح القسم تكمل الإجراءات، ومن الشباك، فضلت باصة للأرض اللي بدأت الشمس تطلع عليها، بتلمع كأنها بترحّب بصاحبتها اللي رجعتلها. مريم غمضت عينيها، ولأول مرة من 7 أيام، حست إن جسمها خفيف، وإن السلاسل اللي كانت خانقاها اتفكت للابد. الطريق قدامها طويل، ومعاركها القانونية لسه هتبدأ، بس هي دلوقت بقت عارفة إنها مهما اتحبست في ضلمة، جوه قلبها فيه نور، وجوه إيدها مفتاح يفتح أي باب مقفول.
.
عدت الشهور كأنها سنين، مريم بقت شخصية تانية، ملامحها اللي كان بيغطيها الخوف اتغيرت وبقت بتبص للحياة بتحدي. القضية أخدت وقت طويل في المحاكم، أيمن وحماتها حاولوا بكل الطرق يلفقوا تهم تانية أو يضغطوا عليها بصلاتهم، بس مريم كانت واقفة زي الجبل، ورقة الشجر الفضة اللي ورثتها عن جدها بقت تميمة حظها، في كل جلسة كانت بتمسكها في إيدها بتفتكر ريحة الأرض والوعد اللي قطعته لنفسها.
في جلسة الحكم النهائية، القاعة كانت هادية بشكل يرعب. القاضي نطق بالحكم سجن مشدد لأيمن وإحسان بتهمة الخطف، الشروع في القتل، والتزوير في أوراق رسمية.
صوت الصريخ والعياط في القاعة كان بيتردد، إحسان كانت بتبص لمريم بعيون كلها غل وكره، وأيمن كان وشه ميت، بيبص للفراغ، كأن حياته كلها اتبخرت في لحظة. مريم طلعت من قاعة المحكمة، الهوا بره كان مختلف، شمت فيه ريحة الحرية اللي بجد.
ما وقفتش عند ده وبس، مريم رجعت للأرض، العزبة اللي كانت مهددة بالإفلاس بقت مشروع حياتها. نزلت السوق بنفسها، اتعلمت زراعة أصناف جديدة، وخلت الأرض اللي أيمن كان عايز يبيعها عشان يسدد ديون شركته، بقت بتنتج دهب. شركة مجموعة إحسان اللي كانت بتنهار، مريم اشترت أصولها بعد ما أعلنت إفلاسها بشكل
قانوني، وحولتها لمؤسسة خيرية تحمل اسم جدها الحاج سيد، بتدعم الفلاحين اللي كانوا بيشتغلوا عنده.
في يوم من الأيام، وهي ماشية في الغيط بتطمن على المحصول، شافت طفل صغير بيجري وسط الزرع، ضحكته كانت صافية زي ضحكة جدها. وقفت مريم، وطلعت الدلاية الفضة من رقبتها، بصت للزرع الأخضر اللي بيتحرك مع الهوا، وحست إن كل اللي حصل كان مجرد فصل في رواية طويلة، هي اللي كتبت نهايته بإيديها.
تليفونها رن، كان المحامي بيبلغها إنهم خلصوا إجراءات بيع بيت العيلة القديم اللي كانت ساكنة فيه مع أيمن، مريم خدت نفس عميق وقالت ببرود وهدوء بيعه، مش عايزة منه ولا مليم، اتبرع بتمنه للملجأ، أنا مش محتاجة من الماضي ده غير ذكرياتي اللي طهرتها بالعدل.
قفلت التليفون، وبصت للسما، كانت الشمس بتغرب، واللون البرتقالي غطى الأرض، مريم سابت الدلاية في إيدها وغمضت عينيها، مفيش سجون تانية، مفيش خوف، مفيش مفاتيح مقفولة. مريم بقت هي صاحبة الأرض، وصاحبة حياتها، والدرس اللي اتعلمته كان بسيط بس تقيل الخوف هو القفل، والشجاعة هي المفتاح اللي بيفتح أبواب كان الكل فاكر إنها اتسدت للأبد.
حكايات انجى الخطيب
بعد مرور سنتين، مريم بقت معروفة في المحافظة ب ست الكل، الاسم اللي خلى الفلاحين والعاملين في الأرض يحترموها مش بس لأنها صاحبة العزبة، لكن لأنها بقت سند ليهم. الشركة اللي كانت مجموعة إحسان وبقت مؤسسة الحاج سيد، بقت بتصدر محاصيلها لأوروبا، ومريم ما بقتش بس مزارعة، بقت سيدة أعمال بتدير إمبراطورية زراعية بأيد من حديد وقلب رحيم.
في يوم، وهي في مكتبها اللي بيطل على العزبة، دخل عليها المحامي بملف جديد. بصلها بتردد وقال مريم هانم، أيمن بيبعت جوابات من جوه
السجن.. طالب يقابل حضرتك.
مريم سابت القلم من إيدها، وبصت للشباك بهدوء. أيمن اللي كان ببدلته وشياكته، بقى دلوقت رقم في سجلات السجون، بيعيش على أمل إنها ممكن تسامح. ضحكت مريم ضحكة خفيفة، مش سخرية، لكن استيعاب لمدى عبثية اللي فات.
ردت بهدوء ارجع قوله إن مريم اللي كان بيعرفها ماتت يوم ما اتقفل عليها باب المخزن. وال 50 فدان اللي كان عايزهم عشان يستر شركته، دلوقت هما اللي بيصرفوا على آلاف الأسر. هو كان فاكر إنه بيسرق أرض، بس هو في الحقيقة كان بيسرق لنفسه مصيره، وأنا استرديت حياتي.
المحامي مشي، ومريم قامت وقفت قدام مرايتها. شافت ست ملامحها قوية، فيها ندبات التجربة بس مفيش فيها انكسار. حطت إيدها على رقبتها، الدلاية الفضة لسه موجودة، بس بقت جزء منها، مش مجرد حتة معدن.
خرجت للبلكونة، شافت العمال بيحصدوا المحصول الجديد، أصواتهم كانت مليانة حيوية. مريم شافت في وسطهم راجل عجوز، كان بيشتغل مع جدها زمان، رفع إيده وبصلها بابتسامة فخر، إشارة منه إنها فعلاً بقت حفيدة الحاج سيد اللي الكل بيتشرف بيها.
مريم أخدت نفس عميق، الجو كان جميل، الشمس كانت بتغيب كالعادة، بس المرة دي كانت بداية مش نهاية. مشيت ناحية العربية، قررت تروح تزور تربة جدها. وصلت هناك، قعدت قدام القبر، وطلعت الدلاية الفضة وفتحتها، وحطت جوه تجويفها صورة صغيرة للأرض وهي خضراء ومزدهرة.
قالت بصوت واطي ومسموع ليها هي بس أنا عملت اللي قولت عليه يا جدي، لا خنت الأرض، ولا سمحت لحد يكسرني.
قامت مريم، مسحت دموعها اللي نزلت من غير ما تحس، وركبت عربيتها. الطريق كان مفتوح، مفيش وراها أي سجون، ومفيش قدامها غير طريقها اللي هي اختارته بنفسها، طريق منور بالعدل
والشغل، طريق مفيش فيه مفاتيح
تم نسخ الرابط