عروسة جديدة من حكايات ضحي الديميري
بصوت حازم
إحنا لازم نمشي من هنا يا إيلين.. مؤقتاً.
نمشي نروح فين؟
هنروح بيت أبويا وأمي.. هنقعد هناك كام يوم لحد ما أشوف حل مع الأسطى حامد ونروح للراجل ده ونوصل لحل يرضي ربنا.. مش هسيب بيتي يتخرب ولا هسيبك تعيشي في الړعب ده.
لمينا هدومنا
الأساسية بسرعة في شنطة صغيرة وسط الليل. يوسف كان بيمشي بصعوبة وبيتسند عليا. خرجنا من الشقة وقفلنا الباب بقفل خارجي اشتريناه من عم عبده. الشوارع كانت ضلمة والفجر كان قرب يأذن.. نفس التوقيت اللي كان يوسف بيصحى فيه كل يوم عشان ينزل لشقاه.
واحنا ماشيين في الشارع، والشنطة في إيدي وإيد يوسف في إيدي الثانية بيسند عليا، بصيت للسما وقولت في سري يا رب.. اقف معانا.
وصلنا لبيت أهل يوسف مع أذان الفجر. البيت كان هادي وكله نايم زي ما كنت دايماً بقول لنفسي أهله نايمين مرتاحين. يوسف خبط براحة، وبعد كام دقيقة فتحت لنا حماتي.. أم يوسف.
أول ما شافت منظر يوسف.. والدم اللي على وشه والشنطة اللي في إيدي.. صړخت حاطة إيدها على صدرها
يا لهوي!! ماله يوسف يا بنتي؟ إيه اللي عمل فيك كده يا ضنايا؟!
حماتي صحت البيت كله.. حمايا وأخوات يوسف خرجوا جري على الصوت. يوسف قعد على أول كرسي وقصاد نظرات الړعب والأسئلة من أهله، حكى ليهم كل حاجة من أول مشكلة الورشة لحد البلطجية اللي جوم الشقة.
حمايا، الراجل العجوز الشقيان هو كمان، خبط على صدره وقال پغضب
وليه مخبي عليا يا ابني؟ مش أنا أبوك؟ السچن والپهدلة دي كلها وأنت شايل لوحدك عشان متقلقناش؟ إحنا أهل يا يوسف، والقرش اللي معايا ومع أخواتك أولى بيه يفك ضيقتك!
أم يوسف قعدت ټعيط وتدعي على ساري والبلطجية. وفي وسط اللمة دي.. وسط الخۏف والدعم اللي شفناه من أهله، حسيت لأول مرة بالدفء اللي كنت بدور عليه. الجواز مش بس خروج وفسح.. الجواز هو الضهر والسند وقت ما الدنيا كلها تقلب وشها في وشك.
عدى يومين وإحنا قاعدين في بيت أهله. يوسف بدأ يفوق وچروحه بدأت تِلم.. بس المشكلة الكبيرة كانت لسه قايمة. الفلوس. ميتين ألف جنيه ده مبلغ يعجز أي حد في ظروفنا.
في اليوم التالت، ويوسف قاعد مع أبوه وأخواته بيحسبوا معاهم كام وهيقدروا يجمعوا كام من قرايبهم، موبايل يوسف رن.
المرة دي الموبايل مكنش رقم الأسطى حامد.. ولا رقم صاحبه.
كان رقم غريب.
يوسف بص للرقم بقلق، وفتح الخط وحطه على ودنه. أنا كنت واقفة جنبه وبتابع ملامح وشه اللي بدأت تتغير من القلق للذهول الصافي.. عينيه وسعت، وإيده بدأت ترتعش، وقام وقف على رجليه وهو مش مصدق اللي بيسمعه.
سأل بصوت متلجلج
أنت بتقول إيه؟.. مين حضرتك؟.. والكلام ده بجد؟!
الطرف التاني فضل يتكلم ويشرح، ويوسف بس واقف بيسمع وشه بيجيب مية، لحد ما الخط قطع. يوسف نزل الموبايل من على ودنه وبصلي وبص لأبوه وهو مبرق وعينيه مشقاوة بنظرة غريبة جداً.. مزيج من الصدمة والذهول والخۏف.
قربت منه وقولتله بلهفة
في إيه يا يوسف؟ مين اللي كان بيكلمك؟ وقال لك إيه؟
يوسف بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مش طالع
الأسطى حامد.. الأسطى حامد اتمسك في القسم دلوقتي.
اتمسك ليه؟! حمايا سأل بخضة.
يوسف بص في الأرض وكمل وهو صوته بيرعش
ساري بيه راح الورشة يعمل مشكلة، البوليس
وقبل ما نفرح أو نستوعب الحقيقة اللي ظهرت.. يوسف كمل كلامه ونبرة الړعب رجعت في صوته تاني
بس المصېبة الأكبر.. إن الأسطى حامد في التحقيق.. قال إن
أنا اللي كنت بساعده و إن أنا شريكه في كل العربيات اللي باظت وباعتراف مني بالوصولات اللي بوقع عليها كل يوم!
الحقيقة ظهرت.. بس الحقيقة دي بدل ما تنقذ يوسف، كانت الحبل اللي بيتلف حوالين رقبته.. والحكاية لسه بتبدأ.
يتبع ضحي_الديميري حكايات_تنه_ورنه
الفصل الرابع والأخير
الكلمة نزلت علينا في صالة بيت حمايا زي الصاعقة. يوسف شريك في الڼصب! الجملة كانت أكبر من إن عقلي يستوعبها. بصيت ليوسف اللي كان واقف وسط الصالة وعينيه بتلف في المكان كأنه بيدور على مخرج من كابوس ملوش آخر، وشه رجع أصفر تاني والخۏف رجع يسكن ملامحه بعد ما كان بدأ يطمن وسط أهله.
حمايا وقف على رجليه وهو ساند على عصايته، وعينيه كانت بتطق شرار بس مش من يوسف، من الغدر اللي ابنه اترمى فيه، وزعق بصوت هز الحيطة
الواطي! ابن الحړام بعد ما كلت معاه عيش وملح وشيلت عنه الليلة برة القسم، عايز يلبسك قضية وسجن عشان ينجد نفسه؟ والوصولات اللي معاك دي يا يوسف.. أنت وقعت على إيه بالظبط؟
يوسف قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبدأ يتكلم بصوت مخڼوق ومتقطع
أنا كنت بوقع له على ورق استلام نقدية يا أبويا.. كان يقولي امضي هنا إنك استلمت من الزبون فلان الفلاني كذا عشان نسدده لصاحب العربية، وأنا من غبائي وثقتي فيه كنت بمضي وأنا مش قاري، كنت فاكر إني بستلم وصلي بالفلوس اللي بدفعها من عرق شقاي في المعمار.. مكنتش أعرف إنه بيلف الحبل حوالين رقبتي ويثبت إني كنت المستلم والمصلي في كل الحوارات دي!
حماتي بدأت تصوت وتلطم على خدودها
يا لهوي يا نايا! الواد هيضيع.. الواد هيروح في الرجلين يا حاج، اتصرفوا.. شوفوا هنعمل إيه!
في وسط المندبة دي كلها، حسيت ب طاقة وقوة عمري ما حسيت بيهم قبل كده. البنت الدلوعة اللي كانت بټعيط عشان فنجان قهوة وعايزة خروج وفسح ماټت. اللي واقفة دلوقتي هي ست بيت يوسف، ضهره وسنده. قربت منه وقعدت على ركبي قدامه، شيلت إيديه من على وشه وبصيت في عينيه بكل ثبات وقولتله
مش هنسيبك تضيع يا يوسف.. الحرامي لازم يبان، والأسطى حامد ده مش أذكياء مننا.. إحنا معانا ربنا، والبوليس لما يحقق هيعرف الصادق من الكداب، بس إحنا مش هنقعد حاطين إيدينا على خدودنا.
يوسف بصلي وعينيه كانت مليانة دموع، بس شفت فيها نظرة امتنان خلتني أحس إني بملأ الدنيا. حمايا بصلي وهز راسه وقالي
بنت أصول يا إيلين.. ودايماً الست الأصيلة بتبان وقت الضيقة. قوم يا يوسف.. البس هدمتك وإحنا مش هنستنى لما البوليس ييجي لحد هنا.. إحنا هنروح القسم برجلنا ونطلب التحقيق، ومعانا المحامي الأستاذ مجدي ابن عمك، هو هيفهم في السكك دي.
نزلنا كلنا وسط ليل القاهرة الزاحم، حمايا ويوسف وأنا، والأستاذ مجدي المحامي حصلنا
دخلنا، وجلسنا في الطرقة مستنيين الأستاذ مجدي يدخل لرئيس المباحث ويفهم الموقف. الساعات كانت بتعدي كأنها سنين، وكل شوية أشوف عساكر داخلين وخارجين، وقلبي يتنفض مع كل خطوة. يوسف كان قاعد جنبي، إيده في إيدي، ومكنش بيبطل استغفار.
بعد حوالي ساعتين، خرج الأستاذ مجدي ووشه مكنش يطمن أوي، قرب من حمايا وقال بصوت واطي
الموضوع مش سهل يا حاج.. حامد مرتكب كذا واقعة، ومثبت في دفاتر الورشة إن يوسف هو اللي كان
مستلم العربيات دي في التواريخ اللي حصلت فيها التلفيات، والوصولات اللي يوسف مضى عليها مخلية موقفه قانونياً صعب.. ساري بيه كمان واقف جوة مع المحامي بتاعه ومصمم يلبس يوسف القضية مع حامد عشان يضمن فلوسه.
أنا قمت وقفت وقولت بعصبية
يعني إيه يا أستاذ مجدي؟ يوسف يضيع عشان طيب وغبي وصدق واحد نصاب؟ مفيش أي طريقة نثبت بيها إنه ملوش دعوة؟
الأستاذ مجدي سكت شوية وحك دقنه وقال
فيه طريقة واحدة.. تذاكر الشغل أو شهادة الشهود اللي كانوا
مع يوسف في الوقت ده. يوسف.. أنت بتقول إنك بقالك شهر مطرود وشغال في المعمار برة الورشة دي خالص، صح؟
يوسف رفع راسه بلهفة وقال
آه والله العظيم يا متر! بقالي شهر كامل شغال في موقع المعمار الجديد اللي في أول الطريق الدائري مع المقاول البشمهندس عصام.. شغال باليومية من الفجر لحد العصر، وبعدها بروح ورشة تانية في السيدة زينب أساعد الأسطى عبده لحد نص الليل!
الأستاذ مجدي ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
بس! هي دي طوق النجاة.. لو البشمهندس عصام والأسطى عبده جوم وشهدوا إنك كنت متواجد معاهم في التواريخ اللي حامد بيقول إنك كنت في الورشة بتنصب فيها، يبقى بلاغ حامد كدب وتلفيق، والمحكمة هتبرأك لأنك ببساطة مكنتش في مسرح الچريمة!
مكدبناش خبر.. الأستاذ مجدي طلب من الظابط يستدعي البشمهندس عصام، وأنا ويوسف اتصلنا بيه وب الأسطى عبده. وبشهامة أولاد البلد، البشمهندس عصام أول ما عرف إن يوسف في ضيقة وهو راجل شقيان وبيجري على أكل عيشه، ساب شغله وجاء القسم فوراً ومعاه دفاتر الحضور والانصراف وكشوف اليومية بتاعة الموقع، والأسطى عبده جاء هو كمان.
دخلوا جوة لمكتب النيابة والتحقيق اشتغل.. قعدت برة على أعصابي، بدعي وبقرأ قرآن، وحماتي بتكلمني في التليفون كل خمس دقائق ټعيط وتدعي.
وبعد طول انتظار.. انفتح باب المكتب.
خرج يوسف.. بس المرة دي مكنش مخضوض، كان وشه منور، والدموع مالية عينيه بس دموع الفرحة. الأستاذ مجدي خرج وراه وهو بيضحك وبيطبطب على كتفه وقالنا
الحمد لله يا جماعة.. النيابة أفرجت عن يوسف بضمان محله، وكشوف البشمهندس عصام أثبتت بالدليل القاطع إن يوسف مكنش موجود في الورشة في الأيام اللي حصلت فيها السرقات والتلفيات التانية، وحامد اعترف في الآخر لما تضيق عليه الخناق إن يوسف ملوش ذنب وإنه استغل طيبته.
أما ساري بيه.. لما عرف الحقيقة وعرف إن حامد هو اللي دمر عربيتها بالقصد عشان يبتزه، تنازل عن المحضر ضد يوسف، وطلب من النيابة تعويض من حامد والورشة بتاعته.
خرجنا من القسم والفجر كان بيأذن.
حمايا حضڼ يوسف وقاله
ألف حمد الله على سلامتك يا بني.. درس واتعلمته، إياك تمضي على ورقة من غير ما تقراها تاني، وإياك تشيل هم لوحدك وإحنا عايشين على وجه الأرض.
يوسف باس إيد أبوه وقاله
حقك عليا يا أبويا.. ربنا يخليك لينا وميحرمنيش منك أبداً.
رجعنا على شقتنا.. الشقة اللي شهدت الړعب والتكسير. دخلنا وبدأنا نصلح بالراحة الكراسي المقلوبة، ويوسف جاب كالون جديد وركبه للباب عشان نطمن. قعدنا على الكنبة وإحنا مهدودين من التعب بس قلوبنا كانت رايقة وصافية لأول مرة من شهرين.
يوسف بصلي وسكت شوية، وبعدين مسك إيدي وقال بنبرة مليانة حب وحنان
إيلين.. أنا مش عارف أقولك إيه. البنت اللي اتجوزتها من شهرين كانت حاجة، واللي وقفت معايا في القسم ودافعت عني النهاردة دي حاجة
تانية خالص.. أنا أسف إني عيشتك في الړعب ده وأسف إني مقدرتش أعملك الجواز اللي كنتِ بتحلمي بيه من فسح وخروج.
قاطعته وحطيت إيدي على بوقه وقولتله ودموعي في عيني
متقولش كده تاني يا يوسف.. أنا اللي أسفة، أنا كنت فاكرة الجواز ده مجرد فستان أبيض وخروجة وكلمتين حلوين.. مكنتش فاهمة إن الجواز هو الراجل اللي بېموت نفسه في الشغل عشان يستر بيته، والست اللي بتبقى ضهر جوزها لما الدنيا كلها تقف ضده. فنجان القهوة اللي كنت بزعل لما تصحيني أعملهولك.. أنا من النهاردة هصحى من قبل الفجر أعملهولك بحب، وأدعي لك وأنت نازل.
يوسف ابتسم وضمني لحضنه، وحسيت بنبضات قلبه الهادية.. الدفء والأمان اللي كنت بدور عليهم في الخروج والفسح، لقيتهم في حضنه الصادق ده.
بعد مرور سنة كاملة..
الشقة رجعت أحسن من الأول، والرزق بدأ يتفتح ويجري في إيدينا بعد ما الأزمة عدت ويوسف سدد كل اللي عليه وبدأ يشتغل في مركز صيانة كبير ومحترم بمرتب ثابت ومعاملة تليق بشقاه وأمانته.
الساعة كانت أربعة ونص الفجر.
منبه الموبايل رن بصوت واطي.
فتحت عيني براحة وبصيت ليوسف اللي كان نايم جنبي وشكله مرتاح، ملامحه مكنش فيها التعب والخۏف بتوع زمان. قمت براحة من غير ما أعمل صوت، دخلت المطبخ، وولعت البوتاجاز وعملت فنجان القهوة المظبوط اللي بيحبه، وريحة البن مالت الشقة.. ريحة الأمان والاستقرار.
دخلت الأوضة تاني، وقعدت جنبه على السرير، مشيت إيدي على شعره وقولتله بصوت حنين وبابتسامة مالية وشي
يوسف.. قوم يا حبيبي عشان تلحق شغلك.. القهوة جاهزة.
يوسف فتح عينيه وبصلي، وابتسم ابتسامة صافية من قلب قلبه، مسك إيدي وباسها وقالي
صباح الخير يا أحلى حاجة في حياتي.. ربنا يخليكِ ليا وميحرمنيش من القهوة دي ولا من صاحبتها.
قمت ووقفت قدام المراية وأنا بحضر له فطور سريع، وبصيت لنفسي وابتسمت.. المرة دي مسألتش نفسي هو أنا استعجلت؟.. المرة دي كنت عارفة ومتأكدة إن ده أحسن قرار أخدته في حياتي، وإن الصبر آخره جبر، وإن الجواز الحقيقي بيبدأ لما الاتنين يشيلوا الشيلة مع بعض في المرة قبل الحلوة.
ويوسف خرج من الشقة وهو بيشرب قهوته، وبصلي وقالي ادعي لي يا إيلين.. وقولتله من قلب قلبي ربنا يفتحها عليك ويرزقك برزقنا يا سيد الرجالة. وباب الشقة
ت تمت ضحي_الديميري حكايات_تنه_ورنه