زوجتي اقترضت المال لتفتح لي مشروعًا... وبعد نجاحه كتبتُ المحل باسم أمي فطردتها منه!

لمحة نيوز

على مضض.
دخلت الصحفية، وجلست أمامي، ثم وضعت على الطاولة صورة قديمة جدًا.
كانت الصورة لمنى... وأنا أقف بجانبها أمام أول محل لنا.
سألتني
هل تسمح أن نكتب القصة كاملة؟
صمتُّ طويلًا.
ثم قلت
إذا كُتبت، فأريدها أن تُكتب كما حدثت تمامًا، لا كما تجعلني بطلًا.
ابتسمت وقالت
ولماذا هذا الشرط؟
نظرت إلى الصورة وقلت
لأن البطل الحقيقي مات منذ سنوات.
نُشرت المقابلة بعد أسبوع بعنوان
الرجل الذي خسر زوجته... فحوّل خسارته إلى فرصة لآلاف الناس
وانتشرت القصة بشكل لم أتوقعه.
لكن أكثر رسالة أثّرت فيّ وصلت بعد النشر بيومين.
كانت من امرأة لا أعرفها.
كتبت
أنا ابنة السيدة التي اشترت ذهب منى يوم باعته للبنك. أمي احتفظت بالفاتورة طوال هذه السنين، وكانت تقول دائمًا إن صاحبة هذا الذهب امرأة استثنائية.
وأرفقت صورة الفاتورة.
تحتها توقيع منى.
وفي خانة السبب مكتوب
توسعة مشروع زوجي
بكيت مرة أخرى.
ليس لأنني اكتشفت تضحية جديدة، بل لأنني أدركت أن كل ورقة أجدها كانت تحمل اسمي... بينما أنا في ذلك الوقت كنت أكتب المحل باسم شخص آخر.
في تلك الليلة لم أستطع النوم.
وقبل الفجر بقليل، خرجت إلى حديقة المركز.
كانت الأشجار التي زرعها المتدربون تتحرك مع الهواء.
مشيت بينها حتى وصلت إلى أقدم شجرة في الحديقة.
كانت الشجرة الأولى التي زُرعت يوم افتتاح المركز.
وعلّقت عليها لوحة صغيرة كتب عليها
هذه أول شجرة زُرعت باسم منى.
جلست تحتها طويلًا.
ثم قلت بصوت لم يسمعه أحد
أخيرًا فهمت لماذا كنتِ تقولين دائمًا لا تقلق يا كريم... سيكرمنا الله.
لقد أكرمنا الله فعلًا... لكنكِ كنتِ أنتِ الكرم كله.
وفي صباح اليوم التالي، جمعت فريق الإدارة وأعلنت قرارًا أخيرًا.
سيُنشأ صندوق دائم باسم وقف منى، تُخصص أرباحه لتعليم أبناء الأسر المتعثرة مجانًا مدى الحياة.
وعندما سألني أحدهم
ولماذا مدى الحياة؟
أجبته بابتسامة هادئة
لأن بعض الناس يعطونك فرصة
واحدة فتغيّر عمرك كله... وأقل ما يمكن أن تفعله هو أن تجعل تلك الفرصة لا تنتهي أبدًا.
مرت السنوات بعد ذلك بسرعة.
وشاب شعري تمامًا.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
كل صباح، قبل أن أبدأ عملي، كنت أمرّ على صورة منى عند المدخل، وأقول الجملة نفسها التي قالتها لي أول مرة عندما كنت عاطلًا ويائسًا
لا تقلق يا كريم... سيكرمنا الله.
ثم أبتسم وأدخل إلى يوم جديد، وأنا أعلم أن بعض البشر لا يموتون عندما تتوقف قلوبهم...
بل يبقون أحياء ما دام هناك شخص واحد في هذا العالم تغيّرت حياته بسبب حبهم.
بعد مرور عشرين عامًا على تأسيس المؤسسة، تلقيت دعوة من وزارة التعليم لحضور احتفال خاص.
لم أعرف السبب.
وعندما وصلت، وجدت القاعة مليئة بالشباب والفتيات.
كان بعضهم أطباء.
وبعضهم مهندسين.
وبعضهم أصحاب شركات.
صعد مقدم الحفل إلى المنصة وقال
اليوم لا نكرّم رجل أعمال، ولا مؤسسة خيرية... بل نكرّم فكرة غيّرت حياة آلاف الأسر.
ثم دعا اسمي للصعود.
وقفت أمام الحضور، وأنا لا أفهم ما يحدث.
وفجأة بدأت شاشة كبيرة تعرض صورًا.
الصورة الأولى...
أول محل صغير استأجرناه أنا ومنى.
ثم صورة المركز.
ثم صور مئات الشباب الذين تخرجوا منه.
ثم آلاف الصور لأشخاص تغيرت حياتهم بسببه.
بعد انتهاء العرض، صعد شاب في الثلاثين من عمره.
وقال
أنا أول متدرب دخل هذا المركز.
ثم بكى وهو يتابع
كنت أنام في الشارع، واليوم أملك شركة توظف أكثر من مائتي شاب.
وصعدت بعده فتاة.
قالت
كنت سأترك الدراسة لأن والدي لم يكن يستطيع دفع الرسوم، ومنحة منى جعلتني أكمل تعليمي، واليوم أنا طبيبة.
ثم صعد رجل مسن.
وقال
أنا والد أحد المتدربين، ولم أكن أملك ثمن علاج زوجتي، لكن ابني تعلم مهنة هنا، وأنقذ أسرته كلها.
كنت أسمع القصص، وأشعر أن كل كلمة تعيد منى إلى الحياة من جديد.
وفي نهاية الحفل، قدموا لي درعًا ذهبيًا كبيرًا.
أمسكته، ثم قلت
أعتذر... لا أستطيع الاحتفاظ بهذا.
تعجب
الجميع.
فنزلت من المنصة، واتجهت نحو صورة كبيرة لمنى كانت معروضة في طرف القاعة.
وضعت الدرع تحت الصورة، وقلت
هذا مكانه الحقيقي.
ساد الصمت.
ثم وقف جميع الحاضرين يصفقون لدقائق طويلة.
وفي أثناء خروجي من القاعة، اقترب مني طفل صغير، لا يتجاوز العاشرة.
أعطاني ورقة مطوية، ثم ركض قبل أن أسأله عن اسمه.
فتحت الورقة.
وكان فيها بخط طفولي
أنا لا أعرف من هي منى، لكن أبي يقول إنني أعيش حياة جميلة بسببها.
لذلك... شكرًا لها.
أغلقت الورقة، وابتسمت وسط دموعي.
وفي تلك اللحظة فقط...
أدركت أن الإنسان لا يُقاس بما جمعه من مال، ولا بما امتلكه من عقارات.
بل بعدد الأشخاص الذين أصبحت حياتهم أفضل لأنه مرَّ في حياتهم.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سألني أحد عن أعظم إنجاز حققته في حياتي، كنت أجيبه بجملة واحدة
أعظم إنجاز لم أصنعه أنا...
بل صنعته امرأة اسمها منى، آمنت بإنسانٍ كان الجميع يظن أنه انتهى، ثم رحلت قبل أن ترى كم امتد أثر خيرها في الدنيا.
وهكذا انتهت الحكاية...
لكن أثر منى لم ينتهِ.
ففي كل يوم، كان باب المؤسسة يُفتح لشاب جديد يحمل حلمًا صغيرًا...
وفي كل مرة كان يخرج منها وهو يؤمن بنفسه، كانت منى تولد من جديد في قلب إنسان آخر.
مرَّت سنوات أخرى.
وأصبحتُ رجلاً عجوزًا.
أمشي ببطء، وأحتاج إلى عصا أستند إليها، لكنني لم أنقطع يومًا عن زيارة المؤسسة.
وفي كل مرة أدخل من الباب، كان العاملون يبتسمون ويقولون
صباح الخير يا عم كريم.
لم يعد أحد يناديني الأستاذ كريم.
كنت أحب كلمة عم.
لأنها كانت تشعرني أنني أصبحت جزءًا من حياة هؤلاء الشباب، لا مجرد مؤسس للمكان.
وفي صباح أحد الأيام، شعرت بتعب شديد.
طلب مني الطبيب أن أرتاح، وألا أذهب إلى العمل عدة أسابيع.
لكنني لم أستطع.
قلت للسائق
خذني إلى المؤسسة... ربما تكون هذه آخر زيارة.
ابتسم وقال
لا تقل هذا يا حاج.
لكنني كنت أشعر بشيء غريب في داخلي.
عندما وصلت، وجدت القاعة الرئيسية
مليئة بالشباب.
وقفوا جميعًا عندما دخلت.
ثم تقدم أحدهم، وقال
اليوم ليس لدينا تدريب... اليوم نحن الذين سنشكرك.
بدأ واحد تلو الآخر يروي قصته.
هذا كان يعمل في جمع القمامة، فأصبح مهندس صيانة.
وهذا كان سجينًا سابقًا، فتعلم مهنة وبدأ حياة جديدة.
وهذه كانت أرملة تعيل ثلاثة أطفال، فافتتحت مشروعها الخاص.
لم أستطع أن أمنع دموعي.
ثم تقدم شاب يحمل صندوقًا خشبيًا كبيرًا.
قال
هذا ليس هدية... بل أمانة.
فتح الصندوق.
فوجدت بداخله آلاف الرسائل.
قال
هذه رسائل كتبها كل من تخرج في المؤسسة خلال السنوات الماضية.
أخذت أول رسالة.
كان مكتوبًا فيها
أنا لا أعرف منى...
ولا أعرف كريم...
لكنني أعرف أن حياتي تغيرت بسبب قرار اتخذه شخص ندم على خطأ ارتكبه، فحوّل ندمه إلى خير.
ثم فتحت رسالة ثانية.
وثالثة.
وعاشرة.
وكلها كانت تحمل المعنى نفسه.
رفعت رأسي، وقلت للشباب
هل تعرفون ما أكثر شيء كنت أخاف منه؟
قالوا
ماذا؟
قلت
أن أموت قبل أن أصلح ما أفسدته.
ابتسم أحدهم، وقال
اطمئن يا عم كريم...
لقد أصلحت أكثر مما أفسدت.
ساد الصمت.
ثم نظرت إلى صورة منى المعلقة على الجدار.
وابتسمت.
ولأول مرة منذ عشرات السنين...
شعرت أنني أستطيع النظر إلى صورتها دون أن أخجل من نفسي.
وفي تلك الليلة، عدت إلى منزلي.
جلست أكتب وصيتي.
لكنها لم تكن وصية عن المال.
كتبت فيها
إذا رحلت يومًا، فلا تسموا أي شارع باسمي، ولا تبنوا تمثالًا لي.
وإن أردتم أن تكرموني، فاستمروا في تعليم شاب لا يملك ثمن بداية جديدة.
وإذا سأل أحدكم لماذا تحمل هذه المؤسسة اسم منى؟
فاحكوا له الحقيقة كاملة...
قولوا إن امرأة آمنت بزوجها، فضحت بمالها وذهبها وعمرها من أجله.
وقولوا إن الرجل الذي خذلها، قضى بقية حياته يحاول أن يجعل تضحيتها لا تُنسى.
ولا تخفوا أخطائي...
لأن الناس تتعلم من الحقيقة أكثر مما تتعلم من القصص المثالية.
وضعت القلم.
وأغلقت الدفتر.
ونظرت من نافذة غرفتي
إلى السماء.
وابتسمت.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
شعرت أنني إذا التقيت بمنى يومًا عند الله، سأستطيع أن أقول لها
تأخرت كثيرًا...
لكنني حاولت أن أكون الرجل الذي آمنتِ به.
تمت.

تم نسخ الرابط