اقرب صاحب ليا

لمحة نيوز


مرحلة، لكنها لسه في العناية المركزة، وممنوع أي حد يشوفها دلوقتي.
كريم سجد على الأرض من شدة الحمد.
وأنا دموعي نزلت من غير ما أحس.
بعد دقائق، وإحنا لسه واقفين قدام العناية...
بص كريم للمفتاح اللي في إيدي وقال
أول ما نطمن عليها... هنروح البيت القديم.
سألته
ليه مستعجل؟
رد وهو بيبص للدفتر
لأن والدك كتب آخر جملة قبل وفاته بيوم واحد.
فتحت آخر صفحة بسرعة.
وكان مكتوب فيها
لو وصلتم لحد هنا... اعرفوا إن الحقيقة الكاملة مش في الأوراق... الحقيقة موجودة في الدرج المقفول، ومعاها دليل هيبرئ شخص اتظلم سنين، وهيكشف اسم الشخص اللي حاول يدمر عيلتنا من البداية.
نظرت إلى كريم، ثم إلى المفتاح في يدي.
كل الأسرار اللي عرفناها كانت مجرد بداية...
أما ما ينتظرنا داخل الدرج المغلق، فكان كفيلًا بأن يقلب حياة كل فرد في العائلة رأسًا على عقب تاني يوم، بعد ما الدكتور طمنا إن حالة مريم مستقرة، خرجنا من المستشفى.
ولا واحد فينا كان بيتكلم.
كأن كل واحد خايف من اللي مستنينا.
ركبنا العربية واتجهنا للبيت القديم.
البيت كان مقفول من يوم وفاة بابا.
أول ما فتحت الباب، ريحة المكان رجعتلي ذكريات سنين.
كل حاجة كانت زي ما هي.
الساعة المعلقة على الحيطة.
المكتبة الخشب.
والمكتب اللي كان بابا يقعد عليه كل ليلة.
كريم وقف قدامه وقال
هو ده.
طلعت المفتاح من جيبي.
ولما قربته من الدرج السفلي...
لف مع أول محاولة.
سمعنا صوت تك.
والدرج اتفتح ببطء.
كان جواه صندوق خشب صغير.
عليه ورقة مكتوب فيها
لو فتحت الصندوق، متقراش أي ورقة لوحدك... لازم كريم وعم سعيد يكونوا موجودين.
بصينا لبعض.
فتحنا الصندوق.
كان جواه ملف سميك، وكاسيت تسجيل قديم،

ومظروف أبيض.
عم سعيد أول ما شاف الكاسيت، اتنهد وقال
لسه محتفظ بيه...
قلت باستغراب
إيه التسجيل ده؟
رد
آخر مقابلة حصلت بين والدك والشخص اللي كان بيحاول يضغط عليه.
قلبي دق بسرعة.
كريم فتح المظروف الأبيض.
كان جواه ورقة واحدة.
قرأ أول سطر... وفجأة وشه اتغير.
مد الورقة ناحيتي من غير ما يتكلم.
كان مكتوب
إذا وصلتم إلى هذه المرحلة، فلا تتهموا أحدًا قبل سماع التسجيل كاملًا، لأن الحقيقة ليست كما تبدو.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت باب البيت بيتفتح.
اتلفتنا بسرعة.
مع إننا كنا متأكدين إن مفيش حد معاه مفتاح غيرنا.
خطوات بطيئة بدأت تقرب من أوضة المكتب.
وكأن حد كان عارف إننا هنفتح الدرج النهارده.
كريم وقف قدامي تلقائيًا.
عم سعيد بص ناحية الباب وقال بصوت منخفض
مستحيل...
ثم ظهر ظل شخص واقف عند مدخل الأوضة.
ولأول مرة من سنين...
نطق عم سعيد اسمه بصوت مرتعش
إنت...!الكل اتجمد مكانه.
الراجل أخد خطوة لجوه المكتب، وشال الكاب اللي على راسه.
اتسعت عيون عم سعيد وقال
حسن؟!
بصيت للراجل باستغراب.
افتكرته بصعوبة... كان جارنا زمان، وكان بيشتغل مع بابا في الشركة قبل ما يسيب الشغل ويسافر.
قال بهدوء
عرفت إنكم فتحتوا الدرج.
كريم ضيق عينيه وقال
عرفت منين؟
رد حسن وهو بيبص للصندوق
لأن والدكم طلب مني قبل ما يتوفى أعدي على البيت كل فترة... ولو لقيت حد فتح الدرج، أديله الحاجة الأخيرة.
طلع من جيبه ظرف صغير.
كان عليه نفس خط إيد بابا.
ناولني الظرف وقال
قالي بالحرف لو سارة وصلت للمرحلة دي، يبقى خلاص بقت مستعدة تعرف كل حاجة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
جواه مفتاح فلاشة صغيرة، ومعاها ورقة مكتوب فيها
التسجيل الموجود على الكاسيت
نسخة احتياطية، أما التفاصيل الكاملة فهي على الفلاشة.
قلت بسرعة
طيب نشوفها.
هز حسن رأسه وقال
استنوا... فيه حاجة أهم.
سكت لحظة، ثم قال
قبل وفاة والدكم بأسبوع، راح بنفسه لمكتب محاميه، وسلمه نسخة من كل المستندات، وقال له مايسلمهاش لحد إلا لو مريم احتاجتها يوم من الأيام.
كريم سأله
يعني في مستندات تانية؟
أيوه... ومحدش فتحها لحد النهارده.
في اللحظة دي، رن هاتف حسن.
رد، وسكت ثواني.
ثم بص لنا وقال
المحامي عرف إنكم فتحتوا الصندوق... وطلب يشوفكم النهارده قبل نهاية اليوم.
أنا حسيت إن كل ما نكتشف سر، يطلع وراه سر أكبر.
بصيت للصندوق مرة تانية.
كان فاضي... إلا من ظرف صغير جدًا كان لازق في القاع.
لولا إن كريم مرر إيده جواه، ماكنّاش هنلاحظه.
نزعه بحذر.
كان مكتوب عليه بخط صغير
لا يُفتح إلا بعد مقابلة المحامي.
ابتسم حسن ابتسامة خفيفة وقال
واضح إن والدكم كان مرتب كل خطوة.
خرجنا من البيت، وكل واحد فينا ماسك جزء من الحقيقة...
لكن الحقيقة الكاملة كانت لسه عند شخص واحد فقط...
المحامي الذي لم ينطق بكلمة طوال أكثر من عشرين عامًا بعد ما قابلنا المحامي، دخل مكتبه من غير أي مقدمات، وفتح خزنة حديدية قديمة.
طلع منها ملف عليه اسم بابا.
وقال
والدكم كان بييجي هنا كل سنة تقريبًا يضيف ورقة جديدة للملف... وآخر مرة جه، قالي لو حصل لمريم أي خطر، سلّم الملف ده لأولادي.
فتح الملف قدامنا.
كان فيه وصية، وعدة خطابات، وآخر خطاب كان موجه لكريم.
فتحه بإيد مرتعشة، وبدأ يقرأ بصوت عالي
يا كريم... لو بتقرأ الرسالة دي، فأنا غالبًا مبقتش موجود. أنا عمري ما طلبت منك تتجوز مريم. أنا قلتلك حاجة واحدة بس... لو في يوم حبيتها بصدق،
ماتخفش من كلام الناس، واتقدم لها. ولو قلبك ما اختارش الطريق ده، انسَ كلامي وكمل حياتك.
بصيت لكريم بصدمة.
قال وهو بيبكي
أنا أول مرة أعرف باقي الرسالة... والدك كان قرا أول سطر وساب الباقي مقفول.
المحامي ابتسم وقال
لأنه كان عايز القرار يطلع من قلبك، مش من إحساسك بالواجب.
سكت كريم لحظة، وبعدين بصلي وقال
أنا حبيت مريم من سنين... من غير شفقة، ومن غير وعد، ومن غير أي سبب غير إنها كانت أصدق إنسانة عرفتها.
دموعي نزلت.
افتكرت كل موقف، وكل ضحكة، وكل مرة كان واقف جنبها.
فهمت أخيرًا إن كل اللي الناس افتكروه تضحية... كان في الحقيقة حب واحترام.
في اللحظة دي دخل الدكتور مكتب المحامي وهو مبتسم.
قال
كنت بدور عليكم في كل مكان.
جرينا عليه.
ابتسم وقال
أطمنكم... مريم فاقت.
وصلنا المستشفى.
دخلنا العناية بعد ما سمحوا لنا.
مريم كانت تعبانة، لكنها أول ما شافت كريم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
مسك إيدها وقال
الحمد لله إنك رجعتي.
ابتسمت بصعوبة، وبعدين بصتلي.
وقالت
فتحتي الرسائل؟
هززت راسي وأنا بعيط.
قالت بابتسامة هادئة
يبقى عرفتي... إنه عمره ما اتجوزني علشان حد غيري.
في اللحظة دي، دخلت الممرضة وهي شايلة طفلين صغيرين ملفوفين في بطاطين بيضا.
قالت وهي بتبتسم
اتفضلوا... دول التوأم.
كريم حضن ولاده وهو بيبكي، وأنا حضنت أختي.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن البيت اللي كنا فاكرين إنه اتكسر... رجع اتبنى من جديد.
بعد شهور، خرجت مريم مع طفليها إلى البيت، وكل أفراد العائلة كانوا حواليها.
أما الرسائل والملفات، فاحتفظنا بيها في صندوق واحد، ليس لأنها تحمل أسرارًا... بل لأنها كانت تذكرنا بدرس لن ننساه أبدًا
لا تحكم على نوايا
الناس من كلام الآخرين، فبعض قصص الحب لا تبدأ بكلمة بحبك... وإنما تبدأ بوعدٍ صادق، وتكبر بالرحمة والوفاء حتى تصبح أجمل من أي حكاية.
النهاية.

 

تم نسخ الرابط