وعد الصعيدي بقلم مايا خالد

لمحة نيوز

إني جثة ماشية على الأرض.
الكلمات نزلت على عاصم زي الصاعقة. قام وقف فجأة، الكرسي وقع وراه، ملامحه اتحولت لشيء مرعب، العروق في رقبته برزت وصدره بقى بيطلع وينزل زي البركان.
مايان كملت بانهيار
كنت عايزة أقولك.. والله كنت عايزة، بس كنت بخاف من اللحظة دي.. كنت بخاف أشوف في عينك إني رخيصة أو إني دنس غصب عني.. أنا مش ذنبي يا عاصم، والله ما ذنبي!
عاصم ملمسهاش، ولا نطق بكلمة حنية واحدة زي ما كانت متوقعة. سابها واقفة بتبكي، ومشي بخطوات سريعة ناحية السلا..ح اللي متعلق على الحيطة. خده، وحمرق في عينه شر ملوش آخر، وخرج من الدوار وهو بيصرخ في رجاله
يا هوارية!! السلا..ح يطول.. النهاردة مفيش صلح.. النهاردة فيه دم هيغسل العار!
مايان وقعت على الأرض بتصرخ، كانت فاكرة إنه ، بس عاصم الصعيدي، الكبير اللي جواه غلب العاشق. خرج ومبصش وراه، وهي فضلت في مكانها، حاسة إنها خسرت كل حاجة.. خسرت نفسها، وخسرت الراجل الوحيد اللي حست معاه بالأمان.
عاصم راح لبيت رعد، والبلد كلها صحيت على ضرب النار. عاصم مقتلوش بطلقة وخلاص، عاصم ذله قدام الكل، جابه تحت رجله وخلاه ينطق بالحقيقة قدام كبار البلد وهو بيموت من الضرب، وبعدها سلمه للبوليس بعد أعترف على كل أعماله الغير شرعية واخرهم خطف الضيفة واعتداءها عليها
ده حق اللي استجارت بيا.. وده حق الغدر.
رجوع عاصم الدوار كان أصعب من خروجه. دخل ووشه متغرق دم، لقى مايان قاعدة مكانها زي ما سابها. بص لها نظرة وجعت قلبها أكتر من رصاص رعد.. نظرة فيها حب ميت، ووجع كبير.
حقك جه يا مايان..
قالتله وهي بتمسح دموعها بكسرة
وحقي عندك يا عاصم؟
بص لها
بجمود وقال
إنتِ في حمايا يا بنت الناس، وهتفضلي هنا معززة مكرمة.. بس اللي انكسر بيني وبينك، الجبل نفسه ميعرفش يلمه.. قومي ادخلي أوضتك، والصبح هو اللي هيقرر طريقنا فين أسبوع كامل مرّ وكأن الدوار اتقلب لمقبرة، عاصم اللي كان جبل بيحميها، بقى هو الجبل اللي كاتم على نفسها. الجفا في الصعيد ملوش صوت، بس ليه نغزة في القلب أوعر من نغزة السلا..ح.
كانت مايان بتتحرك في الدار زي الخيال، كل ما تحاول تقرب خطوة، تلاقي منه صدة تخليها ترجع عشرة. في يوم نزلت وراه المندرة، شايلة القهوة اللي كانت بتعملها بيديها وتشوف في عينه لمعة الرضا، بس المرة دي، أول ما دخلت، عاصم محركش عينه من على الورق اللي قدامه، وقال بنبرة خشنة ومن غير ما يبصلها سيبيها عندك يا بت الناس، وخلي سعدية هي اللي تعاود تاخد الفنجان.. مش عايز أشغل وقتك بخدمتي واصل.
مايان وقفت والدمعة فرت من عينها إنت مابقتش تطيق تبص في وشي يا عاصم؟ أنا ذنبي إيه في اللي حصل؟.
عاصم قام وقف فجأة، وشه كان محقون بالوجع والغضب، وصوته طلع مبحوح كأنه بيطلع من تحت الأنقاض ذنبي وذنبك إننا اتقابلنا والوجع تالتنا! كل ما أبص في وشك بفتكر رعد.. بفتكر إني جيبت حقي بالدم بس مبردتش ناري.. إنتِ ضحية يا مايان، بس أنا صعيدي، والصعيدي لو لقى في أرضه نبتة داس عليها الغريب، مبيعرفش يرويها تاني بقلب صافي!.
طول الأسبوع كان بيلف من طريق لو شافها ماشية فيه، ولو قعدت على سفرة، يسيب أكله ويقوم بحجة إنه شبعان. حتى الشال اللي كان بيدفيها بيه، بقى يرميه على الكرسي لو لمسته يدها غصب عنها، كأنه بيخاف من عدوى الوجع اللي ساكنها لحد اليوم اللي
عاصم كان قاعد في المندرة والظلمة واكلة نص وشه. دخلت مايان بخطوات زي الهمس، مكنتش محتاجة تحكي، وشنطتها اللي في يدها كانت هي الحكاية كلها لكن خرج صوتها ببطئ أنا مسافرة يا عاصم أشوف وشك بخير وشكرا على كل حاجة عملتهالي ورجعت لي حقي وقفت قدامه والمسافة بينهم كانت كأنها بلاد.
بصت له بصه طويلة، كانت عايزة تلمح في عينه أي رجاء، أي حركة تقولها خليكي. لكن عاصم فضل زي التمثال، عينه مثبتة على السجادة اللي تحت رجله، وإيده ضاغطة على طرف الكرسي بقوة خلت الخشب يزيق. الصمت كان تقيل، تقيل لدرجة إن نهج صدورهم كان مسموع.
مايان حطت مفتاح أوضتها على التربيزة اللي جنبه، الرنة بتاعة المفتاح كانت كأنها حكم إعدام في ودن عاصم. هو مغمضش عينه، ولا اتحرك، بس ملامحه اتشنجت وكأنه بيبلع جمرة نار.
مايان لفت ضهرها ومشت ناحية الباب، وفي كل خطوة كانت بتستنى إيده تمسك كفتها، أو صوته ينادي اسمها. لكن عاصم فضل مكانه، صامت صمت القبور.. صمت صعيدي مبيعرفش يسامح الوجع، حتى لو كان بيعشق صاحبه.
أول ما رجليها خطت عتبة الدار، عاصم غمض عينه بقوة، ونزلت دمعة واحدة وحيدة، تاهت وسط تجاعيد وشه الناشفة. مايا خالد بيدج قصص الحياة
الصبح طلع، والبيوت كانت لسه نايمة لما وصلها للمحطة. مشي وراها بمسافة، شايل شنطتها بجمود. القطر صفر، ووقف بضجيجه اللي غطى على أنفاسهم المخنوقة. حط الشنطة على الرصيف، وبص في الفراغ.. مايان طلعت القطر، وقعدت ورا الشباك، بصلته بصه أخيرة وهي بتمسح دموعها، وهو فضل واقف زي النخلة، رافع راسه للسما، وإيده في جيبه ضاغطة على منديل كانت هي سيباه في المندرة.
القطر تحرك، وعاصم
ملوحش بيده، ولا نطق بكلمة.. فضل واقف مكانه لحد ما القطر بقى نقطة في الأفق، ولف ضهره ورجع للدوار اللي مابقاش فيه غير ريحة وجعهم.
دخل عاصم الدوار والسكوت فيه بقى ليه صدى، كأن الحيطان نفسها بتلومه. رمى شاله على الكنبة وقعد، حاطط راسه بين يديه، والدار اللي كانت بتشيل مية راجل، بقت في عينه أضيق من خرم الإبرة.
أبوه الحاج هواري كان قاعد في ركن المندرة، بيراقب ابنه من تحت لتحت، وكأنه شايف جبل بينهار قدامه. الحاجة آمنة دخلت بقلب الأم المحروق، بصت لمكان مايان الفاضي وقعدت قدام عاصم ونطقت بصوت كله عتاب
هانت عليك يا ولدي؟ هانت عليك العصفورة اللي لقت في دارك الأمان، تطردها في وش الفجر وكأنها عملت مِعيرة؟
عاصم مرفعش راسه، ورد بصوت مخنوق ومكتوم
محدش طرد حد يا أما.. هي اللي اختارت، والبعد أستر ليها ولينا.
الحاج هواري خبط بعصايته الأرض خبطة رنت في الدوار كله، وقال بصوته الجهوري
أستر لمين يا عاصم؟ للناس اللي هتلوك في سيرتها وتقول سابها ليه بعد ما جاب حقها؟ ولا لقلبك اللي إنت كاسره بيدك؟ البنية يتيمة يا ولدي، واليتم مكنش في موتها أهلها بس.. اليتم الحقيقي لما اللي عشقته يرميها لغدر الطريق وهي مكسورة الجناح.
عاصم قام وقف، والنار قادت في عينه
يا بوي أنا صعيدي! أنا اللي لمس طرف توبها رعد! رعد اللي بينا وبينه دم وغدر.. كل ما أبص لها بشوفه هو، بشوف مده يده عليها، بشوف عجزي إني مكنتش موجود في اللحظة دي.. ناري مش راضية تبرد واصل!
أبوه بص له نظرة حكمة وقال ببرود
نارك مش راضية تبرد عشان إنت ظالم.. رعد أخد حقيرة من جسمها وغسلته إنت بالدم، لكن إنت يا عاصم بتاخد حقيرة
من روحها وجاي تغسلها بالجفا. رعد كان
تم نسخ الرابط