صرخه امل

لمحة نيوز

الملحمة الكاملة صړخة الرحمة وعهد الدموع
في مدينة ساحلية صغيرة يغلفها الضباب وشديدة البرودة في الشتاء، كان خالد شاباً في التاسعة والعشرين من عمره، يعيش حياة بسيطة وهادئة، يعمل في ورشة صغيرة للميكانيكا والخراطة ورثها عن والديه المتوفيين. لم يكن خالد يملك قادماً سهلاً، ولم يكن ثرياً بالمعنى المادي، لكنه كان يملك نفساً هادئة وعيناً تحمل حزناً غامضاً يجهل أسبابه كل من حوله. كان يعيش بمفرده في ملحق قديماً ملحق بالورشة، ولم تفلح محاولات أصدقائه في إقناعه بالزواج أو تغيير نمط حياته. بالنسبة لجميع سكان المنطقة، كان خالد هو ذلك الرجل الأعزب البسيط، الخدوم، الصامت، الذي يتجنب الحديث عن ماضيه أو عن طفولته، ويفضل أن يقضي ليله بين أصوات المحركات وتفكيك المعادن.
ولكن قبل ثلاثة أسابيع من الوقوف في قاعة المحكمة، تغيرت حياة خالد إلى الأبد. كان في مكتب أحد موظفي الشؤون الاجتماعية ليوقع على إيصال استلام بعض قطع الغيار للسيارات التابعة للمصلحة، وأثناء انتظاره، وقعت عيناه على ملف أسود موضوع على جانب المكتب، محاطاً بشريط أحمر يُشير إلى حالة طوارئ قصوى. في الصفحة الأولى من الملف، كانت هناك صورة شمسية واحدة تجمع خمسة أطفال؛ أكبرهم طفل لم يتجاوز السادسة من عمره، وجهه متسخ بالتراب وعيناه تحملان

رعباً لا يليق بسنه، يضم بين ذراعيه أخته ذات الأربع سنوات، وبجانبهما طفلان توأم في الثالثة من العمر، بينما تجلس أصغرهمطفلة لم تكمل عامها الأولعلى حجر أخيها الأكبر.
شعر خالد بقشعريرة تجري في جسده بالكامل، وكأن صدمة كهربائية أصابت قلبه. سأل الموظف بعفوية عن هؤلاء الأطفال، فأجابه الموظف بلهجة جافة وروتينية هؤلاء خمسة أشقاء ماټ والداهم في حاډث سير مروع على الطريق السريع منذ أسبوعين. لا يوجد لهم أي قارب، ونظراً لعدم وجود عائلة واحدة مستعدة لاستقبال خمسة أطفال دفعة واحدة، فإن القرار صدر بفرقهم. سيتم توزيعهم صباح الخميس القادم على أربعة بيوت رعاية مختلفة في أربع مدن متباعدة لعدم استيعاب دار واحدة لهم جميعاً.
في تلك اللحظة، توقفت الحياة في عيني خالد. لم يَرَ مجرد أطفال في صورة؛ بل رأى كابوساً ينبعث من ركام الماضي ليخنق أنفاسه. تخيل أولئك الأطفال الخمسة وهم يُسحبون من أيدي بعضهم البعض، كل طفل يُوضع في سيارة مختلفة ليذهب إلى مدينة لا يعرف فيها أحداً، يُحرمون من الصوت الوحيد الذي يربطهم بأمهم وأبيهم الراحلينصوت إخوتهم. في تلك الليلة، لم يذق خالد طعم النوم. كان يغمض عينيه فيرى عينَي الطفل الأكبر وهي تصرخ طلباً للمساعدة، ويتخيل الطفلة الرضيعة وهي تبكي في منتصف الليل في بيت غريب فلا
تجد دفء أخيها أو أختها.
صباح اليوم التالي، اتصل خالد بمديرية الرعاية الاجتماعية، وأخبرهم برغبته في كفالة الأطفال الخمسة جميعاً وإبقائهم معاً. جاءه الرد كصڤعة مؤلمة على الوجه؛ قالت له الموظفة بنبرة حازمة وسخرية مبطنة سيدي، أنت رجل أعزب في التاسعة والعشرين، تعيش في ورشة، ولست متزوجاً ولا تملك دخلاً ثابتاً مرتفعاً يؤهلك لكفالة طفل واحد، فكيف بتسليمك خمسة أطفال أحدهم رضيع؟ هذا طرح غير واقعي ومستحيل قانوناً، الأوراق حُسمت وسيتم توزيعهم على الأسر البديلة والبيوت المحددة خلال أيام.
لكن الرفض لم يزد خالد إلا إصراراً يستغرب هو نفسه مصدره. اتخذ في تلك اللحظة أقسى وأخطر قرار في حياته. دخل إلى حجرة نومه القديمة، فتح الصندوق الحديدي المخبأ تحت السرير، وسحب كل تحويشة عمره التي جمعها على مدار عشر سنوات من العمل الشاق والعرق. خرج كالمچنون إلى
الأسواق؛ اشترى سيارة نقل صغيرة مستعملة تتسع للجميع، واشترى خمسة كراسي أطفال مخصصة للسيارات لضمان سلامتهم. ثم عاد إلى الورشة، وقضى أربعة أيام بلياليها دون أن ينام إلا ساعات قليلة؛ هدم الجدران الفاصلة بين الورشة والمجلس القديم، حوّل المكان إلى غرفة نوم واسعة، دهن الجدران بألوان مبهجة، وركب سراير دورين جديدة وآمنة، ملأ المكان بالألعاب، ووفر كل ما يلزم
لرضيعة من حليب ومستلزمات.
ولم يكتفِ بذلك، بل صرف ما تبقى من مدخراته بالكامل لتوكيل محامي أسرة شهير ومخضرم، يخشاه الجميع في قضايا الحضانة والرعاية. وعندما سأله المحامي في أول لقاء هل أنت متأكد يا خالد؟ أنت تضحي بكل ما تملك، بحريتك، بشبابك، وبمالك من أجل أطفال لا تربطك بهم أي صلة قرابة!، رد عليه خالد بنبرة هزت أركان المكتب إذا لم أنقذهم من التفريق، فلن تكون لحياتي أي قيمة بعد اليوم. أفعل ما يلزم لنقف أمام القاضي قبل صدور قرار التوزيع النهائي.
وجاء يوم الجلسة الحاسمة. كانت قاعة المحكمة مزدحمة ومخيفة. جلس الأطفال الخمسة على مقعد خشبي عريض خارج القاعة، وكان المشهد مفجعاً؛ الطفل الأكبر يتشبث بأيدي إخوته بكل قوته، ينظر إلى الموظفين بړعب، كأنه يعلم أن هذه الدقائق هي الأخيرة لهم معاً. وحين دخل خالد القاعة، كان محامي الدولة بالمرصاد، مجهزاً دفاعاً نادراً لمنع هذه الكفالة.
بدأت الجلسة، وقف محامي الدولة وقال بصوت عالٍ أمام القاضي سيدي القاضي، نحن أمام حالة إندفاع طفولية وساذجة. هذا الشاب أعزب، يبلغ من العمر 29 عاماً فقط، يعمل في ورشة صيانة، لا يملك الخبرة، ولا يملك المال الكافي، ولا يملك عائلة تساعده. كيف نسلمه خمسة أطفال صغار؟ إنه لا يفهم معنى المسؤولية، وسيستيقظ بعد شهر ليكتشف
أنه
 

تم نسخ الرابط