صرخه امل
تورط في كابوس، وسيعيدهم إلينا وهو محطم. هذا القرار خطړ على مستقبله وعلى مستقبل الأطفال. التوزيع على البيوت والأسر البديلة هو القرار العقلاني الوحيد.
كان خالد يقف في مكان المتهم، ورأسه منكس إلى الأسفل. كان يشعر بالخۏف والشك يتسللان إلى قلبه؛ هل بالفعل هو غير مؤهل؟ هل يظلمهم معه؟ لكنه عندما نظر من شباك القاعة الزجاجي ورأى الطفل الأكبر يقبل رأس أخته الرضيعة ويمسح دموعها، استعاد ثباته.
وفجأة، سكتت القاعة تماماً. رفع القاضي نظارته، ونظر إلى خالد لعدة ثمانٍ، ثم أزاح الأوراق من أمامه، وقال بنبرة هادئة ولكنها عميقة ونافذة يا خالد... أنفق الناس أموالهم للحصول على الرفاهية، وتضحيات البشر تكون دائماً لأسرتهم وأبنائهم. لكنك سحبت كل مدخرات حياتك، وغيرت بيتك، وتحديت النظام القانوني بأكمله... من أجل أطفال لم ترَهم في حياتك من قبل. الناس لا تضحي بكل هذا بدون سبب قاهر ينبع من الأعماق. قول الحقيقة يا بني... ليه راجل في سنك يضحي بحريته، وفلوسه، ومستقبله... علشان 5 أطفال عمره ما قابلهم؟
انخفص صوت المحامين، وعم السكون قاعة المحكمة حتى أصبحت دقات الساعة على الحائط مشمولة بالصمت. أخذ خالد نفساً طويلاً وموجعاً، كأنه يسترجع نفساً كان محبوساً في صدره منذ أربع وعشرين سنة. خطى خطوتين بطيئتين
قال خالد وهو ينظر في عيني القاضي مباشرة والدموع تتجمع في عينيه سيدي القاضي... قبل خمس وعشرين سنة، كان هناك طفل في الرابعة من عمره، وكان لديه شقيق أكبر وشقيقة أصغر. ماټ والداهما في
حاډث. وقف ذلك الطفل في نفس هذه المحكمة، وعلى نفس هذه الدقائق، وصدر قرار تاريخي ورسمي من الرعاية الاجتماعية بعزلهم وتوزيعهم على ثلاثة بيوت أيتام في مدن مختلفة، لأن القانون وقتها قال إن استضافتهم معاً غير واقعية.
تلك اللحظة، سيدي القاضي... عندما سُحبت يد أخي الأكبر من يدي، وعندما صړخت أختي الصغرى وهي تُحمل إلى سيارة أخرى... كانت اللحظة التي ماټت فيها طفولتي. قضيت باقي حياتي في بيت أيتام غريب، كبرت وأنا أحاول البحث عن إخوتي بكل ما أوتيت من قوة. وعندما وصلت إلى سن العشرين وجمعت القليل من المال لأبحث عنهم... وجدت أن أخي الأكبر قد ټوفي في حاډث حريق في الدار التي وضعوه فيها، وأن أختي الصغرى تم تبنيها وسافرت خارج البلاد وانقطعت أخبارها للأبد ولم أجد لها أثراً.
أنا ذلك الطفل، سيدي القاضي! أنا الشقيق الباقي على قيد الحياة من عائلة دُمرت
أنا لا أمتلك ملايين في البنك، ولا أملك قصراً، ولكنني أملك قلباً يعرف معنى الألم الذي سيعيشه هؤلاء الأطفال طوال حياتهم إذا تفرقوا اليوم. أملك يداً ستعمل أربع عشرة ساعة يومياً في الورشة لإطعامهم، وأملك روهاً لن تسمح لأي يد بأن تسحب أحدهم من يد الآخر. أنا لا أتبناهم لأكون أباهُم فقط... أنا أتبناهم لأمنحهم ما حُرِمت منه طوال حياتي أن يكبروا وهم يسمعون أنفاس بعضهم البعض تحت سقف واحد. فلا تحكموا عليهم بالمۏت البطين الذي حُكم به عليّ قبل ربع قرن.
أنهى خالد كلماته وهو ينشج في الصمت، وانهمرت الدموع من عينيه بلا توقف. في تلك اللحظة، خيم ذهول مطبق على القاعة. كان محامي الدولة يقف مذهولاً، وقد أُنزلت الأوراق من يده وتراجعت نبرته الھجومية كلياً. تنحنح الحراس، وبكت إحدى الموظفات في الجلسة بصوت مسموع. أما القاضي، فقد أخرج منديله ومسح دمعه طافرة من عينيه، ثم ضړب بمطرقته الخشبية على الطاولة ضړبة قوية هزت القاعة، ونطق بحكمه الذي أحدث زلزالاً من المشاعر
باسم
خرج خالد من قاعة المحكمة والدموع تملأ وجهه، وركض نحو المقعد الخشبي. جثى على ركبتيه أمام الأطفال الخمسة، ومد يديه ل يضمهم جميعاً في حضڼ واحد دافئ وأزلي. ضم الطفل الأكبر رأس خالد وهو يبكي دون أن يفهم كل ما حدث، لكنه شعر ولأول مرة منذ أسايع بالأمان.
وعاد خالد إلى بيته ليس بمفرده، بل وهو يحمل في سيارته عائلة كاملة أُنقذت من الشتات. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الورشة مجرد مكان لتصليح المحركات، بل أصبحت حصناً دافئاً يتعالى فيه ضحك الأطفال وصراخهم المبهج، وأثبت ذلك الشاب الأعزب للعالم أجمع أن العائلة لا تبنيها الأموال ولا الأوراق الرسمية، بل تبنيها قلوب صدقت في المحبة وتحدت الدنيا من أجل الرحمة.
الجزء الثاني..
مرّت ستة أشهر...
وكان البيت اللي كان زمان مجرد ورشة صغيرة مليانة صوت الحديد والمطارق، بقى مليان ضحك أطفال، وخناقات على الألعاب، ورسومات ملونة على الحيطان، وريحة أكل بتطلع كل يوم قبل المغرب.
خالد كان بيصحى كل
يوم قبل الفجر.
يصلي.
ويحضر