أختي التؤام حكايات حماده

لمحة نيوز

كانتا مغطاتين بالكدمات. بعضها أصفر قديم. وبعضها بنفسجي حديث. آثار أصابع. وآثار حزام. طبقات من العنف فوق طبقات أخرى، وكأن أحدهم كان يكتب الألم على جسدها منذ سنوات.
كان زوجي يقول لي ابتداءً من الغد ستتقدمين باستقالتك من عملك... أمي لن تبقى تخدم نفسها، وأختي وأطفالها أولى بوقتك. وحين رفضت... نظر إليّ ببرود وقال إذن استعدي للطلاق! لكنه لم يكن يعلم أن تلك الكلمة ستكون بداية نهايته... 
لن أنسى ذلك اليوم ما حييت.
كان يوم خميس. عدت من عملي مرهقة بعد مناوبة طويلة في الصيدلية. كانت قدماي تؤلمانني من طول الوقوف، وكل ما كنت أتمناه هو أن أشرب كوبًا من الشاي، وأجلس عشر دقائق مع ابنتيّ قبل أن أبدأ بإعداد الغداء.
ما إن فتحت باب الشقة حتى استغربت من الهدوء.
فعادةً، كانت لينا تركض نحوي وتلقي بنفسها في حضني، بينما تبدأ مريم في سرد تفاصيل يومها الدراسي دون أن تتركني ألتقط أنفاسي.
أما في ذلك اليوم...
فكانتا تجلسان
في غرفة الجلوس بصمت.
تنظر كل واحدة منهما إلى الأخرى.
وحين رأتاني، ابتسمتا ابتسامة باهتة.
شعرت أن هناك أمرًا غير طبيعي.
دخلت غرفة النوم لأبدل ملابسي، فوجدت زوجي، أحمد، جالسًا على السرير، ممسكًا بهاتفه، وملامحه متجهمة.
قلت وأنا أنزع حجابي
ما الأمر؟ ماذا حدث؟
أجاب دون أن يرفع عينيه
اجلسي... أريد أن أتحدث معك.
انقبض قلبي.
فغالبًا، لم تكن هذه الجملة تبشر بخير.
جلست أمامه، وما إن هممت بسؤاله عما يحدث، حتى خرجت حماتي من المطبخ!
تجمدت في مكاني بدهشة.
أمي؟! متى جئتِ؟
قالت وهي ترمقني بنظرة باردة
منذ وقت... وانتظرتك.
وبعد لحظات، دخلت شقيقة أحمد، نجلاء، وبرفقتها طفلاها، عمر ومالك، اللذان ما إن دخلا حتى أخذا يركضان في أنحاء المنزل ويعبثان بكل شيء كأنهما في ساحة لعب.
نظرت إلى أحمد باستغراب.
ما الذي يحدث؟
أغلق هاتفه، ووضعه على الطاولة، ثم قال
هناك قرار اتخذناه.
رفعت حاجبي متعجبة.
قرار من؟
قال بثبات
أنا وأمي.
أزعجتني
تلك الجملة.
فأي قرار يخص بيتي، كان ينبغي أن يُتخذ بيني وبينه... لا بينه وبين والدته.
قلت بهدوء
خيرًا إن شاء الله.
لكن حماتي سبقت أحمد إلى الكلام.
لقد تعبت يا ابنتي.
نظرت إليها باهتمام.
سلامتك.
فقالت سريعًا
الطبيب أخبرني أنني لم أعد أستطيع القيام بأي مجهود.
هززت رأسي قائلة
أسأل الله أن يشفيك.
عندها قال أحمد وهو يستند إلى ظهره
ولهذا... ابتداءً من الغد ستأتين كل يوم لتبقَي مع أمي.
ظننت في البداية أنه يمزح.
فضحكت وقلت
بعد انتهاء دوامي؟
أجاب ببرود
لا.
سألته
إذن متى؟
قال
ستتركين عملك.
اختفت الابتسامة من على وجهي.
ماذا؟
كررها بلهجة حاسمة
ستتقدمين باستقالتك.
ظللت أحدق فيه لثوانٍ.
كنت أنتظر أن يبتسم ويخبرني أنه يمزح.
لكنه لم يفعل.
كان وجهه جامدًا.
وحماتي أيضًا كانت تجلس في هدوء وكأن الأمر طبيعي تمامًا.
قلت
ولماذا أترك عملي؟
أجاب
من أجل أمي.
نظرت إليه وقلت
يمكننا الاستعانة بممرضة.
فسارعت حماتي قائلة
ومن أين آتي
بأجرها؟
قلت بهدوء
أحمد يتكفل بذلك.
فصرخ لأول مرة
لن أدفع أجر ممرضة ما دامت زوجتي موجودة.
ابتلعت ريقي.
لكنني أعمل.
قال بحسم
إذن لن تعملي بعد اليوم.
ابتسمت من شدة الصدمة.
بهذه البساطة؟
قال باستخفاف
راتبك أصلًا لا يصنع فرقًا.
كانت تلك الجملة أشد إيلامًا من أي شيء آخر.
فراتبي كان يسد عجز ميزانية المنزل في نهاية كل شهر.
أنا من كنت أدفع أقساط مدرسة البنتين.
وأنا من اشتريت الثلاجة الجديدة.
وسددت أقساط الغسالة.
بل وحتى شبكة زواجنا...
كنت قد شاركت في ثمنها.
قلت وأنا أحاول السيطرة على أعصابي
حسنًا... وإذا وافقت على رعاية والدتك، فما سبب وجود أختك هنا؟
تحدثت نجلاء لأول مرة وقالت
لأنني أنا أيضًا أحتاج إليك.
ضحكت رغمًا عني.
تحتاجينني في ماذا؟
قالت بمنتهى البساطة
سأترك لك الولدين كل يوم.
ظننت أنها تمزح.
لكن عندما رأيت الجميع صامتين...
أدركت أنها تتحدث بكل جدية.
قلت
ماذا تعنين بأن تتركيهما؟
أجاب أحمد
كل صباح ستذهبين
إلى منزل أمي، وستترك نجلاء طفليها هناك، وتبقين معهما حتى تعود.
نظرت إليه غير مصدقة.
وأولادي؟
قال بلامبالاة
وما
تم نسخ الرابط