ورثتُ أشجارًا مېتة فسخروا مني وبعد شهورٍ قليلة تحوّلت إلى المعجزة التي غيّرت مصير العائلة كلها
تلك الليلة جلست إلينا أمام الطاولة وبسطت البطاقات والعروض الجامعة الشركة البنك وكل طريق يحمل وعدا وخطړا. وعند منتصف الليل سمعت طرقا على الباب. كانت لوسيا أمينة المكتبة تحمل ظرفا قديما.
قالت اعذريني على الوقت. وجدت هذا في أرشيف المكتبة. أظن أنه يخصك.
فتحت إلينا الظرف فوجدت أوراقا مصفرة وصورة بلون بني قديم شاب يبتسم إلى جانب شجرة فاكهة. تعرفت إلينا إلى وجه أبيها شابا.
سألت بدهشة من أين هذا
قالت لوسيا كان ضمن معرض زراعي في الخمسينيات. انظري النص خلف الصورة إغناسيو ميندوثا مع أول تطعيم ناجح. جائزة إقليمية في البستنة 1953.
انقلب قلب إلينا. قرأت الوثائق قصاصات صحف محلية تتحدث عن الشاب ميندوثا وطريقته الثورية في تكييف أشجار الفاكهة صور له وهو يتلقى التكريم مسودة كتيب عن التطعيم لم ينشر.
همست إلينا لا أفهم إن كان هكذا شغوفا لماذا ترك البستان لماذا لم يخبرني
قالت لوسيا الحياة تغير الناس. ربما خذل ربما فقد الثقة. لكنك الآن تفهمين من أين جاء ميلك أليس كذلك
بعد أن غادرت لوسيا بقيت إلينا حتى الفجر تقرأ كل ورقة وتنظر في كل صورة. اكتشفت أبا لم تعرفه شابا مثاليا يؤمن بالزراعة المستدامة يحلم بحفظ الأصناف القديمة تماما كما تفعل هي الآن.
ومع أول ضوء اتخذت إلينا قرارها لن تكون كما يريد إخوتها ولا كما يفضل المستثمرون. ستكون كما يليق بها وبحلم قديم تهاوى في قلب أبيها ثم عاد يتوهج في قلبها.
ذهبت إلى البستان وهي تحمل
يقينا جديدا أن العصي اليابسة ليست أشجارا فقط بل أحلاما منقطعة تنتظر من يلتقط الشعلة.
وبعد أسبوع من المعرض دعت إلينا إلى اجتماع عند الغروب في البستان. حضر سباستيان بعصاه ومارتين بعينيه المتسائلتين ولوسيا بوثائق إضافية وحضر راؤول وخافيير بوجوه حذرة وجاء ممثل البنك وجاء الأستاذ الجامعي أيضا. كانت إلينا قد أعدت طاولة صغيرة تحت شجرة التفاح الأولى عليها عصائر وفواكه مما نضج.
وقفت إلينا ممسكة بملف بهدوء أدهش الجميع.
قالت شكرا لحضوركم. ما سأقوله يمس كل واحد منكم بطريقة ما. خلال هذه الأشهر تعلمت أن البستان ليس أرضا وشجرا فقط بل تاريخ ومعرفة ومستقبل. وقد اكتشفت شيئا غير نظرتي.
أخرجت الصورة القديمة ومررتها بينهم هذا أبي إغناسيو ميندوثا في الثانية والعشرين. كان رائدا في التطعيم فاز بجوائز وكان يحلم بحفظ أصناف منطقتنا.
ظهر الذهول على وجه راؤول وخافيير.
تابعت إلينا لا نعرف لماذا تخلى عن حلمه. لكنه غرس هذه الأشجار ثم تركها.
تنفست ثم قالت بوضوح قررت أن أرفض عرض دمج الأراضي الذي اقترحه البنك وأن أرفض العرض التجاري للشركة الزراعية.
تحرك ممثل البنك في مقعده بقلق وتبادلت عينا الأخوين نظرات مضطربة.
قالت إلينا بدلا من ذلك وضعت خطتي الخاصة مستوحاة من مشروع وجدته في أوراق أبي مركز لحفظ الأصناف القديمة في وادي الدويرو. كان حلمه الأصلي مركزا للحفظ والبحث والمشاركة لا مشروعا للإثراء.
أومأ الأستاذ الجامعي بإعجاب.
قالت إلينا وقعت اتفاق تعاون مع الجامعة لإنشاء مركز بحث وبنك جيني للأصناف المھددة هنا. سنحصل على تمويل للبنية التحتية والكوادر ونحافظ على استقلالنا ورؤيتنا.
ثم نظرت إلى إخوتها لن أدمج أرضي مع أرضكما. لكنني أعرض شيئا مختلفا الجامعة تريد دراسة طرق الزراعة المستدامة لمواجهة الجفاف. يمكن لأراضيكما أن تكون حقولا تجريبية. ستحصلان على تمويل لتطبيق أنظمة ري وتقنيات زراعة مستدامة تحت إشراف المركز. تظل الملكية لكما ونعمل معا في مشروع أكبر منا جميعا.
سأل راؤول وماذا عن ديوننا
قالت إلينا التمويل الأولي سيغطي جزءا منها. وللباقي تفاوضت مع البنك على إعادة جدولة بناء على القيمة المضافة التي سيجلبها المشروع لأراضيكما.
تنحنح ممثل البنك أود أن أوضح أن الموافقة لم تصدر بعد من لجنة المخاطر.
قالت إلينا بثبات بارد ستصدر إلا إذا فضل البنك أن يحجز على أراض يمكن أن تصبح جزءا من مشروع دولي مدعوم بتمويل أوروبي.
سكت الرجل.
تابعت إلينا هذا المركز لن يكون ملكي وحدي. أقترح إنشاء مؤسسة غير ربحية لإدارته مع مجلس أمناء يضم الجامعة والبلدة ومن كانوا أساسيين في إنشائه.
نظرت إلى سباستيان ومارتين ولوسيا معرفتكم ودعمكم ورؤيتكم كانت بقدر عملي. أنتم تستحقون أن تكونوا
جزءا من القصة.
اغرورقت عينا سباستيان لقد كرمت إرث أبيك الحقيقي لا وصيته بل ما كان في قلبه وهو شاب.
تدخل خافيير متشككا لكن كيف سنعيش من هذا مركز بحث لا يدر دخلا كالزيتون.
ابتسمت إلينا وهنا الجزء الثاني سنطور خط منتجات فاخرة مبنية على الأصناف التي أنقذناها. لا نبحث عن الكثرة بل الجودة والحكاية. كل مرطبان مربى كل زجاجة عصير كل ثمرة ستحمل قصة صنف أنقذ من الانقراض.
أخرجت مرطبانات عليها ملصقات يدوية مربى تفاح صنف المرتفع مستعاد 2025 وعلى الملصق رسم للبستان ورمز استجابة سريع.
قالت لن نبيع طعاما فقط سنبيع معرفة ووعيا وصلة بالأرض. لدينا طلبات
بدا الذهول على الوجوه. اعترفت إلينا بابتسامة متعبة لم أنم كثيرا. لكن حين تتضح الرؤية تلتئم القطع أسرع مما تتوقعون.
كان الغروب يسكب ضوءا ذهبيا على الأوراق كأنه يبارك القرار.
سألت إلينا فما قولكم أترافقونني في هذا الحلم
قال سباستيان عظامي لا تسعفني للعمل الكثير لكن معرفتي وبذوري لك دائما.
قال الأستاذ الجامعة تدعم هذا النهج بالكامل. هذا ما نحتاجه علم بجذور في التراث وعينين على المستقبل.
اقترب مارتين وأمسك يد إلينا بعفوية رفعت حاجبا هنا وهناك أنا معك. معرفتي وكل ما أنا عليه معك.
قالت لوسيا
بحماس والمكتبة يمكن أن تكون مركز التوثيق للمشروع. لدينا مساحة وموارد لإنشاء أرشيف متخصص.
ثم جاء دور راؤول وخافيير. تبادلا نظرات طويلة ثم قال راؤول خطة محفوفة بالخطړ لكنها محكمة إن كان التمويل حقيقيا والجامعة وراءها. نحن معك.
قال خافيير على أن يكون لنا صوت في القرارات.
قالت إلينا لكما صوت كما للجميع لكن القرار يكون لمصلحة المشروع لا لمصلحة فرد. هذا شرط غير قابل للتفاوض.
أومأ الاثنان.
أما ممثل البنك فغير نبرته بسرعة البنك سعيد بالتعاون مع مشروع بهذه الرؤية. وربما ندرس خط ائتمان خاص للبنية التحتية.
قالت إلينا بلباقة سندرس ذلك بعد أن نرى الموافقة على إعادة الجدولة أولا.
وبينما تفرق الجمع في أحاديث وخطط أولية ابتعدت إلينا لحظة تتأمل البستان. الأشجار التي كانت هياكل بلا أمل صارت حية فيها ثمار صغيرة تتشكل وأوراق تلمع في النسيم.
اقترب سباستيان ببطء وقال حين رأيتك أول مرة تبكين تحت تلك الشجرة عرفت أنك لست كغيرك. أكثر الناس كانوا سيبيعون الأرض أو يتركونها كما تركها أبوك لكنك رأيت ما لم يره أحد.
قالت إلينا بحنان لدي معلمون جيدون.
أجاب سباستيان المعلمون يفتحون الأبواب فقط أنت التي اخترت أن تعبرين.
على بعد كان مارتين يتحدث بحماس مع الأستاذ الجامعي يشير إلى الأشجار وكأنه يرسم المستقبل بيديه. وفي زاوية أخرى كان راؤول وخافيير يتجادلان لكن وجهيهما لم يعودا يحملان القسۏة القديمة.
سألت إلينا هل تظن أنه سينجح أن نعمل معا بعد كل شيء
ابتسم سباستيان في الزراعة كما في الحياة لا ضمانات. نزرع بعناية نسقي بثبات ونرجو الخير. هذه الأشجار صمدت أمام ما هو أقسى وأنت أيضا.
جاء مارتين متحمسا الأستاذ يقول إننا نستطيع بدء أعمال
ابتسمت إلينا شيئا فشيئا. أولا نثبت ما لدينا.
أمسك مارتين يدها بين يديه وقال بصوت منخفض أتعلمين أنه ليس المشروع وحده هذه الأشهر معك تعني لي الكثير.
ابتعد سباستيان بتكتم وتركهما وحدهما. رفعت إلينا عينيها إلى مارتين ووجدت في قلبها مشاعر كانت تؤجلها تحت ثقل العمل.
قالت بصراحة خاڤتة ولي أيضا لكن البستان يحتاجني الآن.
ابتسم مارتين أفهم. وسأنتظر. الثمار تحتاج وقتها.
ضحكت إلينا لصدق الاستعارة.
حين حل الليل غادر الجميع. أما إلينا فقررت أن تبقى. نصبت خيمتها وأشعلت فانوسا صغيرا. وبينما تستعد للنوم سمعت خطوات تقترب. كان راؤول.
قال بصوت ألين مما اعتادت هل تسمحين بدقيقة
أشارت إلى مقعد خشبي قرب الشجرة. جلس وقال بعد تردد ما فعلته هنا مذهل. لم أتخيل أن تعود هذه الأشجار للحياة.
قالت إلينا بهدوء ولا أنا في البداية.
ساد صمت لم يقطعه إلا صرير الجنادب وهمس الأوراق.
سأل راؤول أخيرا لماذا تفعلين هذا لنا بعد كل ما فعلناه بك كان يمكنك أن تتركينا نخسر كل شيء. كان ذلك عدلا.
نظرت إلينا إلى النجوم ربما. لكنني تعلمت من الأشجار شيئا حين تقطع غصنا مريضا لا تفعل ذلك اڼتقاما بل كي يشفى الشجر كله. أنا لا أساعدكم لتنجوا أنتم بل لأنقذ شيئا أكبر. إرث عائلتنا وحلم أبي الذي تخلى عنه.
أومأ راؤول ببطء كأنه يفهم لأول مرة. ثم قال فجأة كنت دائما أقوى منا. أبي كان يعلم. لذلك ترك لك أصعب امتحان.
رفعت إلينا رأسها ماذا تقصد
قال راؤول يوم غير وصيته قال لي شيئا غريبا لأختك أترك الشيء الوحيد الذي يستحق فرصة ثانية. لم أفهمه حينها.
اختنق صوت إلينا. هل كان أبوها يعرف في زاوية بعيدة من روحه المتعبة أنها ستستعيد حلمه الذي أسقطه
نهض راؤول وقال سنعمل معا. لن يكون الأمر سهلا لكننا سنحاول. من أجل أبي ومن أجلك ومن أجل الجميع.
ومضى في الظلام تاركا في عقل إلينا أفكارا تنبت كالبذور بعد مطر رحيم.
تلك الليلة مستلقية تحت شجرة التفاح الأولى حلمت إلينا ببساتين مزهرة وبثمار قديمة تعود إلى العالم وبناس يتعلمون من جديد قيمة الجذور التي تصلهم بالأرض. وفي حلمها كان شاب بوجه أبيها يبتسم بين الأشجار كما في الصورة القديمة بنفس الشغف الذي يسكن قلبها الآن.
فهمت إلينا أخيرا معنى ميراث أبيها الحقيقي لم يكن الأشجار اليابسة ولا الأرض الحجرية بل فرصة إعادة بناء ما دمره الزمن والمرارة وإثبات أن