المواجهه الصامته

لمحة نيوز

كان جوزي بيديني كل أسبوع فلوس علشان أدفعها للشغالة... وهو ميعرفش إن الشغالة دي كنت أنا!
في الأول، لما قال لي الجملة دي، افتكرت إن ربنا أخيرًا حنّ عليّا وبص في وشي. تخيلت نفسي، ولأول مرة من سنين طويلة، قاعدة بشرب قهوتي بهدوء الصبح، والبيت حواليا بيتنظف، بتفرج على مسلسلي المفضل، وحاسة بكرامتي كست بيت مرتاحة وليها قيمة.
كنت فاكرة إن تعب السنين هيهون... لكن أول ما مسكت الظرف في إيدي ولمحت النظرة اللي في عينيه، فهمت إن جوزي مش بيحاول يريحني... محمود كان بيعمل لي اختبار، فخ مسموم مرسوم بالمليم.
الحكاية بدأت يوم الاتنين.. محمود رجع من الشغل بوش قاسي ومتجهم، نفس الملامح الرخمة اللي بيلبسها لما يكون ناوي يرمي كلمة مستفزة، ويبقى مستني مني أقف أشكره وأبوس إيده عليها! رمى مفاتيحه على طرابيزة الصالون بعنف، وعينه بتلف في زوايا الشقة بتدوير على أي غلطة، وقال بنبرة فيها تعالٍ بصي يا هناء.. أنا فكرت ولقيت إن الشقة دي كبيرة عليكي، وإنتي
بقيتي بتشتكي وتتأوهي كتير من التعب. إحنا محتاجين نجيب واحدة تساعدك في التنظيف والمسح، مش عاوز أشوف كركبة تاني.
في اللحظة دي، أنا كنت هطير من الفرحة! بعد سنين كحت وقهر وسط المسح والغسيل، وتنظيف الحمامات، ولمّ الهدوم اللي مبيخلصش،
وكسرة الضهر اللي كانت بتنتهي كل يوم بالكلمة المستفزة بتاعته هو إنتي بتعملي إيه طول النهار؟ قاعدة بتتمنجهي؟.. حسيت إن باب السما اتفتح لي أخيرًا، وإن حقي رجع لي. بصيت له بابتسامة صافية وقلت له يا ريت يا محمود، فكرة حلوة أوي وهتريحني بجد.
تاني يوم الصبح، قبل ما ينزل، سحب من جيبه ظرف أبيض مقفول وحطه في إيدي بكبرياء. قال لي دي فلوس الشغالة.. هتجيلك

كل أسبوع، والقرش ده مدفوع من قوتي عشان راحتك، فاهمة؟
فتحت الظرف بعد ما نزل.. المبلغ مكانش خزينة قارون،
بس كان معقول ويكفي واحدة تيجي يومين في الأسبوع تعمل الشغل الثقيل. بالليل ولما رجع، سألته بلهفة تسلم إيدك يا حبيبي.. طيب هي الشغالة دي
هتيجي إمتى؟ وكلمت مين؟
هنا.. لمحت على وشه ابتسامة غريبة، ابتسامة خبيثة صفرا عمري ما هنساها. قرب مني وقال ببرود الموضوع ده يرجع لك إنتي.. شوفي هتيجي إمتى وبراحتك.. المهم عندي إن البيت يفضل نظيف وعلى سنجة عشرة، وأرجع ألاقيه بيبرق.
مفهمتش لغز كلامه وقتها، وقولت يمكن سايب لي حرية الاختيار أدور على معرفتي.. لحد ما جه يوم الجمعة الصدمة!
كنت راجعة من السوق، شايلة الشنط الثقيلة وإيديا وجعاني. وأنا بقرب من باب الشقة، لقيت الباب موارب سنة، وسامعة صوته عالي في الصالة. محمود كان بيتكلم مع أمه حماتي فيديو كول ومشغل السبيكر.
وقفت مكاني متجمدة لما سمعته بيقول بضحكة لئيمة أيوه يا أمي.. نفذت الخطة بالظبط وإديتلها فلوس الشغالة أول الأسبوع.. سايبها بقى عايشة في الوهم، ونشوف الهانم هتعرف قيمة تعب البيت والقرش اللي بيتدفع، ولا هتاخد الفلوس لجيوبها!
ردت حماتي بضحكة عالية رنت في ودني زي السكينة يا ابني دي عمرها ما عرفت تدبر ولا تفهم في
الأصول! أنا عارفاها، أكيد هتطمع في الفلوس وتصرفها على لبس ومكياج وتضحك عليك بالكلمتين بتوعها، وتقولك إنها نظفت بنفسها عشان تلهف القرشين!
حسيت إن الدم اتجمد في عروقي، ونفسي اتقطع وأنا واقفة ورا الباب. بس الصدمة الأكبر كانت رد جوزي اللي كسر جوايا كل حاجة نظيفة..
ضحك وقال بأعلى صوته ولو نظفت بنفسها ولهفت الفلوس يبقى كسبت برضه يا أمي! أهو على
الأقل توفر عليا فلوس الشغالة الحقيقية، وتتحرك وتعمل الشغل وهي ساكتة وبنفس راضية فاكرة إنها بتغفلني! أنا عامل لها الفخ ده عشان أعرف آخرها إيه!
في اللحظة دي.. الدنيا لفت بيا. فهمت كل حاجة.. السنين اللي ضاعت من عمري مع الراجل ده اتلخصت في لقطة واحدة. هو مكنش بيحاول يساعدني ولا شاري راحتي..
ده كان عامل لي مصيدة، بيبتز تيت وحرقتي بفلوسه، وبيتريق عليا مع أمه في ضهري.. كان بيدفع لي تمن عرق جبيني وكسرة ضهري في بيتي، وفاكر إنه بيكسر عيني.
ليلتها.. محمود رجع ولقى العشا جاهز، والبيت بيبرق.
بص لي وابتسم بثقة وهو فاكر إنه انتصر.
وأنا؟ ماقولتش ولا كلمة.. بصيت له بنظرة هادية وباردة جداً.. نظرة الشخص اللي بيخطط لرد القلم بميت قلم!
الاثنين اللي بعده صحيت من النجمة، قلبي شغال ندب بس عقلي كان صاحي ومخطط لكل خطوة. لمّيت شعري، ولبست الجوانتي الأصفر وكأني داخلة حرب، ونضفت الشقة حتة حتة كأنها أوضة عمليات مِعقمة. دعكت الأرض لغاية ما ضهري اتقوس،
غسلت الشبابيك من التراب اللي كان كاتم على نفسي، عقمت الحمامات، ولمّعت خشب المطبخ ورخامه لدرجة إنه بقى يبرق ويعكس وشي المصدوم. كنت بطلع غلي وحسرتي في كل مسحة ونفضة.
ولما محمود رجع من الشغل بالليل، حط رجله من الباب وبص حواليه بانبهار وذهول، ورجع خطوتين ورا وصَفّر بإعجاب. بص لي وقال بنبرة فيها لؤم وفرحة مكتومة لا واضح إن الشغالة الجديدة دي إيدها تتلف في حرير وشاطرة أوي.. البيت ريحته تفتح النفس.
بلعت غصتي، ورسمت على وشي ابتسمت هادية وباردة وقلت
أيوه.. شغلها ممتاز ومبتسبش ففوتة، مكنتش متخيلة إنها هتريحني كدة. طلع المحفظة بثقة، وسحب ظرف جديد وحطه على الترابيزة وقال بغرور
امسكي.. ابقي اديهولها
لما تيجي الأسبوع الجاي، الست دي متفرطيش فيها. أخدت الظرف ببرود وقلت أكيد.. من عينيا.
ومن يومها الموضوع بقى روتين مريب.. روتين أسود. كل أسبوع كان يرمي لي الظرف بفلوس لست مش موجودة في الدنيا أصلًا، وأنا أنزل على ركبي أنضف البيت بنفسي وأموت من التعب، وأروح أخبّي الفلوس زي ما هي بظروفها في علبة جزم قديمة تحت السرير
بعد تلات شهور، كنت مجمعة مبلغ محترم، عمر محمود ما كان يتخيل في أحلامه إني أملك ذكاء أو قدرة إني أوفر قرش واحد منه! كنت بحس بالانتصار كل ما بفتح العلبة.. بس الانتصار ده كان قشرة، والضربة الحقيقية كانت مستنياني ورا الباب.
في يوم، كنت واقفة بمسح طرقة الشقة والهدوء مغطي المكان، وفجأة سمعت حس حركته وصوت همس مريب. المرة دي ماكنتش مكالمة فيديو مع أمه عشان يتريقوا عليا..
الصوت كان واطي، ناعم، وطالع من جوه الحمام الماستر. قربت بخطوات بطيئة زي الشبح، كتمت نفسي وسندت ودني على خشب الباب.. ومحمود كان بيتكلم بلهفة وعشق مقرف مع واحدة ست!
كان بيقولها يا حبيبتي ما تقلقيش.. الصبر.. أول ما هناء الهبلة دي تمضي
على ورق التنازل بتاع الشقة، هرمي لها حاجتها في الشارع وهسيبها وآجي أعيش معاكي في عشك الجديد.. الشقة دي بتاعتي وتعب عمري ومش هسيبهالها.
في اللحظة دي، جردل الممسحة وإزازة المنظف وقعت من إيدي على الأرض.. عملت صوت، بس هو مندمج ومسمعش. قربت أكتر، وضوافري غرزت في حلق الباب وأنا بسمع الجملة اللي جمدت الدم في عروقي وشلت حركتي وبعدين الهبلة أصلًا ما تعرفش إن الشغالة شافت الورق كله وعرفت بوجوده.. أنا خايف الشغالة تفتش في المكتب وتاخده وتلوي دراعي بيه!
وقفت مكاني، نبضات قلبي
بقت زي دقات طبول الحرب اللي بتهز
تم نسخ الرابط