ابن ينتظر موت امه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

كنت فيه كان يرعب. بصيت لطارق وابتسمت ابتسامة خلت جسمه يقشعر، وقلتله أنا فعلاً بقيت بنسى يا طارق.. لدرجة إني نسيت أقولكم على حاجة مهمة قوي.
طارق استغرب وقال حاجة إيه؟
طلعت من جنبي المحمول، ودست على زرار التشغيل.. وصوت مروة وصوته هما بيتآمروا عليا عشان يحجروا عليا ملى الصالة!
الحادثة دي جت في مصلحتنا.. القاضي هيدي لطارق الوصاية..
أمي طول عمرها طيبة واحنا محتاجين نزقها الزقة الصح..
الأكل وقف في زور طارق، ووش مروة اتقلب ألوان، وبقوا يبصوا لبعض برعب وصدمة.. الغرفة اتملت بسكوت قاتل، ومحدش فيهم كان قادر ينطق ولا كلمة.
قمت وقفت على رجلي، وبكل قوة وفي منتهى الثبات، بصيت في عين ابني وقلتله عمتك إجلال ماسابتليش بيت في إسكندرية يا طارق.. عمتك سابتلي 33 مليون جنيه كاش وعقارات وأراضي! وأنا كنت جاية لغاية بيتك عشان أتنازل لك عن نصهم وأشيل عنك همومك.. بس أنت استعجلت.. استعجلت وقررت تدفنّي صاحية.
طارق قام وقف، وشه جايب دم، وحاول يمسك إيدي وهو بيترعش أمي.. أنا.. أنا كنت بهزر.. مروة هي اللي..
قاطعته بإشارة من إيدي السليمة، وقلت بنبرة حسم هزت الحيطة أنت مبقاش ليك أم.. والورق اللي كنت بتجهزه عشان تحجر عليا؟ أنا سبقتك.. وبالمكالمات دي وبتهمة التزوير ومحاولة النصب، المحامي بتاعي رفع عليك قضية وسحب منك الشقة والشركة اللي كنت شاريها بفلوس باسمي زمان.. ومن أول دقيقة في الأسبوع الجاي، مش هتلاقي مكان تنام فيه أنت وعيالك!
مروة بدأت تصرخ وتعيط، وطارق اترمى تحت رجلي يبكي ويقول سامحيني يا أمي.. هتبهدل أنا وعيالي.. سامحيني!
بصيتله من فوق لتحت بقلب ميت، وسحبت رجلي من تحت إيده، وقلتله بكل برود لو كنت بتموت يا طارق، كانوا كلموني.. بلاش دراما بقى! برا بيتي.. أنت
ومراتك.. ومشوفش وشكم هنا تاني.
خرجوا من البيت يجروا ورا بعض زي الفئران المذعورة، يبكوا ويلطموا بعد ما خسِروا كل حاجة.. الفلوس، والبيت، والأم.. وأنا قعدت مكاني، أخدت نفس عميق، وبصيت للسفرة وأنا عارفة إن من النهارده.. مفيش حد هيقدر يستهون بيا تاني!
مرت تلات أسابيع على الليلة دي، تلات أسابيع كانوا كافيين يقلبوا حياتهم لجحيم حقيقي.. الجحيم اللي هما حفروه بوشهم ودخلوا فيه!
المحامي بتاعي، أستاذ فوزي، مأرحمهومش.. من يوم الأحد الصبح، بدأت الصدمات تنزل فوق دماغ طارق ومروة زي المطارق. الشركة اللي طارق كان فاكر نفسه صاحبها؟ طلعت أصولها كلها مرهونة بقروض باسمي، والمحامي حجز عليها بالمليم. والشقة اللي مروة كانت بتتنطط بيها على قرايبها؟ طردتهم منها بقوة القانون لإن عقودها الأصلية كانت في خزنتي.
في يوم، كنت قاعدة في جنينة فيلتي الجديدة اللي اشتريتها في التجمع.. فيلا تليق ب 33 مليون جنيه. الجو كان هادي، وبشرب قهوتي الصبح بكل رواقة، وفجأة لقيت الباب بيخبط بعنف.. فتحت الشغالة، ولقيت طارق داخل زي المجنون، هدومه مبهدلة، دقنه طويلة، ووشه دبلان كأنه كبر عشرين سنة في كام يوم!
مروة كانت واقفة وراه على الباب بتعيط وبتندب حظها، وعيالهم باصين للأرض من الكسوف.
طارق جرى عليا واترمى تحت رجلي، مسك الجبس اللي في رجلي وبدأ يبوسه وهو بيصرخ أبوس إيدك يا أمي.. ارحميني! احنا بنام في الشارع.. طردونا من الشقة، والشركة أفلست، ومبقاش معايا تمن لقمة لعيالي! مروة غوتني والشيطان عمى عيني.. ارميني في البحر بس بلاش تبهدلي عيالي!
مروة دخلت زاحفة على ركبها وهي بتشهق سامحيني يا طنط.. أنا جزمة.. أنا اللي وزيته، اقطعوا لساني بس متخربيش بيتنا!
بصيتلهم وأنا برتشف بق من القهوة..
النظرة الطيبة المكسورة اللي كانت في عيني زمان اختفت، وحل مكانها برود حديدي. سبتهم يصرخوا ويعيطوا لدقايق لحد ما نفسهم انقطع، وبعدين حطيت الفنجان وقلت بصوت واطي بس يرعب
عارف يا طارق.. وأنا في المستشفى، بين الحياة والموت، كنت بقول لنفسي ابني سندي.. ابني هيشيلني.. بس أنت كنت بتفكر هتحجر عليا إزاي. العيال دول ملهومش ذنب.. عشان كده أنا مش هسيبهم في الشارع.
طارق عينه لمعت بأمل مزيف وقام وقف عارف إن قلبك كبير يا أمي.. هتسامحينا؟
ضحكت ضحكة قوية رنت في الجنينة كلها وقلت أسامحكم؟ هههه.. لأ يا حبيبي، أنا هشتري الشقة القديمة اللي طردتكم منها، وهكتبها باسم عيالك.. تمنعاً لإنهم يتشردوا. أما أنت ومراتك.. فهتقعدوا فيها بصفتكم خدامين لعيالكم.. مفيكمش مليم باسمكم، وكل شهر هتوصلكم مصاريف الأكل والشرب بالظبط، والشركة اللي أنت خسرتها؟ أنا عينت المحقق ستيفن مدير عليها، وأنت هتشتغل عنده موظف أمن على الباب.. بمرتب هيمشيك جنب الحيط!
طارق وشه اتقلب، وبصلي بصدمة أنا؟! اشتغل فرد أمن في شركتي يا أمي؟!
قمت وقفت بكل شموخ، وبصيت في عينيه وقلتله ده اللي عندي.. يا إما الشارع والسجن بتهمة التزوير والنصب.. قدامكم دقيقة واحدة، تمضوا على العقود دي وتعيشوا بلقمتكم، يا إما هرفع السماعة دلوقتي وأخلي المحامي يكمل إجراءات الحبس!
مروة خطفت القلم وهي بترعش هنمدي.. هنمضي يا طنط! يبوس إيدك بلاش السجن! وطارق مضى وراه وهو بيبكي دموع الندم اللي مش هينفعه.
خدت منهم العقود، وبصيت لطارق للمرة الأخيرة وقلتله يوم الجمعة الجاي.. مفيش غدا.. ومفيش أم.. اخرجوا من هنا، ومشوفش وشكم غير في المواعيد!
خرجوا وضهرهم مكسور، عرفوا إن الأم اللي افتكروها طيبة وهبلة، لما بتقرر تقسى، بتقلب الطاولة
على الكل.. وبقيت أنا، تريزا تهاني، قاعدة في مملكتي، ب 33 مليون جنيه، وكرامتي اللي رجعتلي تمنها غالي قوي!
فاتت شهور على اليوم ده. وطبعاً، طارق ومروة مكنش قدامهم غير إنهم يرضخوا للأمر الواقع.
طارق بقى كل يوم الصبح يلبس يونيفورم الأمن، ويقف على باب الشركة اللي كانت في يوم من الأيام بتاعته، يفتح الباب للموظفين اللي كانوا بيشتغلوا عنده، وينزل عينه في الأرض من الكسوف كل ما حد فيهم يبص له بنظرة شفقة أو شماتة. ومروة بقت قاعدة في الشقة القديمة، لا ليها كلمة ولا رأي، وعيالها نفسهم مابقوش بيحترموها بعد ما عرفوا إن جدتهم هي اللي عايشاهم ومنقذاهم من الشارع.
وفي يوم جمعة، كنت قاعدة في فيلتي، لابس فستان شيك ومجبسة إيدي لسه في مراحلها الأخيرة من الفك، والمحامي أستاذ فوزي قاعد قدامي بيراجع معايا حسابات الأرباح الجديدة من عقارات إسكندرية اللي عمتي إجلال سابتهالي.
فجأة، المحمول بتاعي رن.. بصيت على الشاشة، لقيت الرقم طارق.
كنت ناوية كالعادة أكنسل، بس قلت أسمع وراه إيه. فتحت الخط وحطيته على السبيكر من غير ما أنطق ولا كلمة.
سمعت صوت طارق وهو بيبكي بحرقة، صوته كان مكسور لدرجة تصعب على الكافر أمي.. أرجوكي اسمعيني.. مروة سابت البيت وطفشت، مابقيتش مستحملة العيشة دي، والعيال مابيردوش عليا.. أنا اتهديت يا أمي.. أنا جالي الضغط والسكر، والنهاردة وأنا واقف على الباب في الشمس دخت ووقعت وزمايلي نقلوني المستشفى.. الدكتور بيقول احتمالية جلطة.. أنا بموت يا أمي.. بموت ونفسي بس أسمع صوتك وتس thoseامحيني قبل ما أقابل ربنا..
أستاذ فوزي المحامي بصلي وبان في عينيه الشفقة، كأنه بيقولي ده ابنك برضه يا ست تهاني.. والضنا غالي.
سكت لثواني.. افتكرت شكله وهو صغير، افتكرت سهر
الليالي وتعب السنين، وافتكرت برضه
تم نسخ الرابط