ابن ينتظر موت امه حكايات صافي هاني
سرير المستشفى والوجع والكسر والسكين اللي حطها في ضهري هو ومراته لما قالوا الست دي بتهلوس ومخها خف ومحتاجين نزقها الزقة الصح عشان ناخد فلوسها.
أخدت نفس طويل، وبتنهيدة باردة زي التلج، قربت من التليفون وقلتله بصوت هادي ومفيهوش أي رعشة حنان
سلامتك يا طارق.. بس المحقق ستيفن، مدير الأمن بتاعك، لسه مبلّغني من عشر دقائق إنك زورت تقرير طبي عشان تغيب من الوردية وتكسب استعطافي.. حركتك قديمة قوي يا حبيبي، ومبقتش تأكل معايا.
طارق النفس اتكتم منه على الناحية التانية، والعيّاط قلب لشهقات صدمة ورعب لما عرف إن ألاعيبه كلها مفقوشة.
كملت كلامي وقلتله وبما إنك مريض وبتموت بقى ومش قادر على وقفة الباب.. أنا بلغت الإدارة تقبل استقالتك فوراً. ومن أول الشهر الجاي، مصاريف الشقة هتنزل للنص.. عشان تحرم تعمل دراما تاني.
وقبل ما ينطق بكلمة واحدة، قفلت السكة في وشه.
بصيت لأستاذ فوزي اللي كان باصصلي ومبرق عينيه من الذهول من قوتي، فابتسمتله وقلتله يلا يا أستاذ فوزي، كملي كنت بتقول إيه عن صفقة الأبراج الجديدة؟ العمر فيه كام 33 مليون عشان نضيع وقتنا في الدراما الرديئة دي؟
أستاذ فوزي بلع ريقه، وعدل نظارته وهو بيبصلي بذهول وإعجاب في نفس الوقت، وقال تمام يا ست تهاني.. الأبراج الجديدة اللي في سموحة أوراقها كلها جاهزة، والمكسب المتوقع منها هيعدي ال 10 مليون في أول سنة بس.
هزيت راسي بالموافقة، ومضيت على الأوراق بإيدي السليمة، وأنا حاسة بنشوة انتصار عمري ما عشتها قبل كده.
فاتت سنة كاملة.. سنة كاملة قطعت فيها كل حبال الوصل مع طارق. مكنتش بأعرف أخبارهم غير من المحقق اللي عيَّنته يراقب الوضع من بعيد لبعيد عشان أطمن على عياله. طارق بعد ما اتمرفض من شركة الأمن، ملقاش أي شغلانة.. مفيش شركة كانت برضاها تشغّل واحد اترفَع عليه قضايا تزوير ونصب من أمه! مروة رجعتله مجرورة من بيت أهلها بعد ما رفضوا يصرفوا عليها وعلى عيالها، ورجعوا هما الاتنين يعيشوا في الشقة
العيال كبروا وفهموا كل حاجة، وبقوا هما اللي بيتحكموا في البيت.. المصاريف اللي كنت ببعتها كانت بتنزل في حساب الحفيد الكبير، وهو اللي كان بيشتري الأكل ويدير البيت، وطارق ومروة بقوا عايشين زي الضيوف المنبوذين في شقتهم، بياكلوا اللقمة بذل من عيالهم اللي بقوا يشوفوا فيهم نموذج للأنانية والفشل.
في يوم، كنت معزومة في حفلة سيدة أعمال كبيرة في الفورسيزونز بمناسبة مشروع خيري جديد أنا ممولاه ب 5 مليون جنيه. كنت لابسة فستان أسود شيك، وأخيراً فكيت الجبس وبقيت بتحرك بكامل صحتي ورشاقتي، والكل عمال يتصور معايا ويرحب بيا.
وأنا واقفة في وسط القاعة الكبيرة والأنوار مغرقاني، لمحت حركة غريبة عند باب القاعة.. أمن الفندق كان بيمنع شخص مبهدل من الدخول وهو بيزعق ويقول سيبوني.. دي أمي! الست اللي جوه دي أمي أنا!
بصيت بدقة.. لقيت طارق!
طارق كان لابس بدلة قديمة ومقطوعة من تحت الباط، ووشه وجسمه خاسسين للنص، وعينيه كلها غل وكسرة وندم. مروة كانت واقفة بعيد ورا العساكر، شكلها بقى زي الشحاتين وضوافرها مكسرة ومبقتش قادرة حتى ترفع عينها في عين حد.
طارق لما شافني باصة عليه، صرخ بأعلى صوته والكل سكت في القاعة وبقوا يبصوا علينا يا تهاني هانم! يا أمي! ارحميني.. أنا ابنك طارق! دمك ولحمك! بتموتي في الفلوس وسايباني بموت من الجوع؟ الناس دي لازم تعرف حقيقتك.. أنتِ ست معندكيش قلب! رميتيني عشان الفلوس!
القاعة كلها سكتت، والهمسات بدأت تعلى.. ده ابنها؟ معقولة سيباه كده؟
أستاذ فوزي جرى عليا وهو متوتر يا فندم، أطلب الأمن يرميه بره فوراً؟ فضيحة وسط رجال الأعمال!
شاورت لفوزي بإيدي إن يهدا.. وبكل ثبات وثقة، مشيت بخطوات بطيئة ورنانة بكعبي العالي لحد ما وصلت لباب القاعة، والكل باصص عليا ومستني رد فعلي.
وقفت قدام طارق بالظبط.. الأمن كان ماسكه وهو بينهج ويبصلي بغل، ومستني إني أضعف أو أعيط أو ألم الموضوع.
بصيت ل مدير أمن
طارق عينه اتسعت برعب حقيقي، وركبه سابت أمي! أنتِ بتقولي إيه؟! أنا طارق!
قربت من ودنه وهمستله بصوت فحيح زي الأفاعي أنا قتلت الأم اللي جوايا يوم ما سمعت صوتك وأنت بتقول أمي هبلة ومحتاجين نزقها الزقة الصح.. اللعبة خلصت يا طارق، وال 33 مليون جنيه بتوعي، هصرفهم كلهم على الجمعيات الخيرية والكلاب الضالة، ومش هطول منهم أنت ومراتك ولا مليم.. لا في حياتي ولا بعد مماتي.
الأمن سحبه بره وهو بيصرخ ويهلوس زي المجانين، ومروة جريت وراه وهي بتلطم على وشها بعد ما عرفوا إنهم خسروا آخر فرصة للاستعطاف.
لفيت ضهري للقاعة، وبصيت للحضور اللي بدأوا يسقفوا مبهورين بقوتي وثباتي، رفعت كاس العصير بتاعي، وابتسمت وأنا بقول لنفسي الدراما انتهت.. ودلوقتي، يبدأ زمن تهاني ميلر!
مرت خمس سنين كاملة على الليلة دي. خمس سنين اسم تهاني ميلر بقى يتردد في السوق وفي مجتمع المال والأعمال زي الإعصار. ال 33 مليون جنيه ما بقوش مجرد ورث، دول بقوا إمبراطورية عقارية واستثمارية بتكبر كل يوم، وأنا بقيت عايشة حياتي بالطول والعرض.. بس من غير ما أنسى لحظة واحدة الوجع اللي علمني أكون قوية.
في يوم صيف هادي، كنت قاعدة في مكتب البنتهاوس بتاعي في الدور الأربعين، باصة على النيل والمدينة كلها تحت رجلي. الباب خبط ودخل أستاذ فوزي، بس المرة دي مكنش معاه ملفات أرباح، كان وشه شاحب وباين عليه التوتر.
فوزي اتقدم بتردد وقال ست تهاني.. أنا أسف إني هفتح السيرة دي، بس الأمانة المهنية والإنسانية حتمت عليا أبلغك.
بصيتله ببرود وقلت في إيه يا فوزي؟ اخلص.
فوزي بلع ريقه وقال طارق.. ابنك.. اتقبض عليه النهاردة
في اللحظة دي، الغرفة سكتت تماماً.. مفيش غير صوت تكييف المكتب. للحظة واحدة، واحدة بس، مر شريط قدام عيني.. طارق وهو طفل صغير بيجري عليا وضاحك، طارق وهو بيقولي يا أمي. بس بسرعة، الشريط ده اتمسح وحل محله صوته في التسجيل القديم أمي طول عمرها هبلة وكلمة توديها وكلمة تجيبها، احنا بس محتاجين نزقها الزقة الصح.
وقفت، مشيت ناحية الشباك الإزاز الكبير، وبصيت للنيل وقلت بصوت هادي وقاطع زي حد السيف فوزي.. أنت عارف الحفيد الكبير، ابن طارق، اتخرج النهاردة من الجامعة بتقدير امتياز في إدارة الأعمال؟
فوزي استغرب من تغيير الموضوع وقال آه.. مبروك يا فندم، أنا عارف إنك
بتصرفي على تعليمه من بعيد لبعيد.
لفيت وبصيت لفوزي وابتسمت ابتسامة ثقة وارتياح الله يبارك فيك.. الحفيد ده هو اللي هيستلم الشغل مكاني قريب.. هو ده اللي بيحمل دمي بجد. أما بخصوص طارق.. ف القانون لازم ياخد مجراه.. أنا مش هدفع مليم واحد عشان أطلع مجرم ومزور من السجن، حتى لو كان المجرم ده خرج من بطني في يوم من الأيام.
فوزي هز راسه باحترام وتفهم تأمر ب إيه يا فندم بخصوص الشغل؟
قلتله وأنا بلمح طيارة هليكوبتر بتعدي من قدام الشباك جهزلي طيارتي الخاصة.. أنا مسافرة الإسكندرية أقضي الويك إند في قصر عمتي إجلال.. الحياة قصيرة قوي يا فوزي، وأنا ضيعت سنين من عمري في دموع ملهاش ثمن.. دلوقتي جه الوقت اللي أستمتع فيه بكل قرش من ال 33 مليون.. من غير ما أبص ورايا ولو للحظة واحدة.
ركبت طيارتي، وبصيت للقاهرة وهي بتصغر تحت عيني.. طارق دخل السجن عشان يدفع تمن جشعه، ومروة بقت مطاردة وفي الشارع، وأنا.. أنا طرت فوق الكل، حرة،