قبل ما تتوفي أمي بشهر
المحتويات
الراجل ده طول عمره عينه على شقى أبويا وشقانا. هو اللي كان بيحرض أبويا زمان عشان يحرم أمي مننا ويطردها للبلد وماتاخدش معاها مليم. عاصم عارف بند الوصية كويس، وعارف إن لو الشهر ده عدي من غير ما تمضي وتبصمي على الأوراق القانونية اللي بتثبت وجودك وتفك الحجز عن الأملاك، الشركات كلها هتفلس، والوصية بتقول إن في حالة إفلاس الشركات أو عدم ظهور البنت، الإدارة والأملاك كلها بتتنقل له هو قانوناً بصفتها أصول متعثرة لعائلة الصاوي.
مازن رمى شوكته على السفرة بنرفزة
الراجل ده حية يا خريف.. أول ما عرف إنك وصلتي القسم، تليفونات مكتب آسر مابطلتش رن. كان بيعرض حمايتك.. وطبعاً احنا فاهمين حمايته دي معناه إيه.. معناها يخدك عنده، ويمضيكي على تنازل عن كل حاجة، وبعدها يختفي أثرك.
طارق مسك إيدي المحفورة من شقى الغيط والبيوت البسيطة، وقال بنبرة حنينة بس مرعوبة
احنا مش هاممنا الفلوس يا خريف، آسر كدا كدا شغال، وأنا بتمثيلى، ومازن من السوشيال ميديا بنعمل فلوس.. بس احنا مش هنسمح للراجل ده يؤذيكِ، ولا ياخد ورث أمك اللي اتظلمت طول حياتها بسبب جشعه.
في اللحظة دي، وقبل ما أستوعب كلامهم، سمعنا صوت كلاكسات وعربيات كتير وقفت برة القصر، وصوت حركة غريبة وحراس بيتكلموا بزعيق عند البوابة الخارجية.
آسر وقف فجأة، ووشه بقى زي الخشب. طلع مسدس صغير من درج المكتب اللي جنب السفرة وحطه في جيبه، وبص لطارق ومازن وقال بأمر
طارق.. خد خريف واطلعوا على الجناح فوق، واقفلوا الباب بالترباس. مازن.. افتح اللاب توب بتاعك وشغل كاميرات المراقبة المحيطة بالقصر، وخلّيك مستعد تذيع أي حاجة لايف لو الأمور خرجت عن السيطرة. عمكم جه.. ومعاه رجالة كتير.
جسمي كله كان بيترعش وأنا طالعة السلم مع طارق اللي كان بيحاول يطمني وهو نفسه عرقان من التوتر. دخلنا الأوضة وقفلنا الباب، ووقفت ورا الشباك الأزاز أبص من ورا الستارة على الجنينة برة.
لقيت تلات عربيات دفع رباعي سودا، نزل منهم حراس ببدل، وفي النص كان واقف راجل عجوز شعره أبيض كله، لابس عباية
الباب الأرضي للقصر اتفتح، ونزل آسر وقف على السلم الخارجي بكل شموخ، وحط إيديه في جيوبه وقال بصوت هز المكان
نورت يا عمي.. بس أظن المواعيد دي مش بتاعة زيارات عائلية. إيه اللي جابك وجايب رجالتك معاك في وقت زي ده؟
عاصم الصاوي ضحك ضحكة قوية، ورفع عصايته وشاور بيها على القصر وقال
جيت آخد أمانتي يا ولد أخويا.. البنت اللي لسه واصلة من البلد بشنتها البلاستيك. البنت دي متلقحة في وسطكم هنا وهي ماتعرفش عنكم حاجة، وأنا أولى بيها.. أنتم لسه عيال طايشة، وأنا اللي هعرف أحافظ على لحمنا.. وعلى ورث أبوكم!
آسر ما اتهزش شعرة، وقرب خطوة وقال بنبرة فاحمة
لحمنا؟ دلوقتي افتكرت إنه لحمك؟ البنت دي أختنا، ومش هتشم ريحتها يا عاصم يا صاوي.. وخطوة واحدة جوة الأرض دي، وهعتبرها تعدي على ملكية خاصة، والبوليس لسه عارف مكانها.
عاصم ابتسامته اختفت، وملامحه اتطفت وبقت قاسية زي الحجر، وقال بصوت فحيح وصل لحد عندي فوق في الشباك
البوليس ملوش دعوة ببيت الصاوي يا آسر.. أنا هادخل، وهآخد البنت، وبصمتها هتتحط على الورق الليلة دي برضاها أو غصب عنها.. وريني بقى ه تمنعني إزاي؟
وفجأة، تلاتة من حراس عاصم طلعوا أسلحة من تحت الجواكت، وبدأوا يتقدموا ناحية السلم اللي واقف عليه آسر لوحده! تابعو صفحه رومانى مكرم
في اللحظة اللي حراس عاصم رفعوا فيها السلاح، آسر ما اتهزش، بل بالعكس.. ملامحه بقيت هادية بشكل مرعب. رفع إيده الشمال وشاور بإصبعه للسواق بتاعه اللي كان واقف بعيد. وفجأة، اشتغلت كشافات القصر كلها مرة واحدة، ونورها اتقد في وش رجالة عاصم لدرجة إنهم غموا عينيهم وحطوا إيديهم على وشوشهم من شدة الإضاءة.
ومن ورا سور الجنينة، ظهر حوالي عشرة من رجالة الأمن بتوع شركة آسر، ومحاوطين المكان كله.
في نفس الوقت، الباب اللي جنبي في الأوضة اتفتح ودخل مازن وهو شايل اللاب توب في إيده، وعينيه بتلمع بانتصار. بص لطارق وبصلي وقال
آسر مرتب كل حاجة! أنا طلعت لايف حالا على صفحتي.. وفي تلاتين ثانية بس كان فيه مية ألف بني آدم بيتفرجوا. أنا موجه كاميرا الموبيل من الشباك التاني وكاشف عمي ورجالته بالأسلحة.. مصر كلها شيفاهم لايف دلوقتي!
طارق ساب إيدي وجري على الشباك وبص لبرة، ولقينا آسر بيعلي صوته وبيقول لعاصم ببرود مستفز
نزلوا السلاح ده يا رجالة.. إحنا لايف على السوشيال ميديا، وفي أكتر من مية ألف واحد شايفين وشوشكم دلوقتي وعارفين أساميكم.. وعشر دقايق بالظبط والوزارة كلها هتبقى هنا.
عاصم الصاوي بص لرجالته، وبعدين بص لآسر بغل مكتوم. كان واضح إنه ماحسب حساب إن العيال الصغيرة دي بقوا بالقوة والذكاء ده. ضرب العصاية الأبنوس بتاعته في الأرض بكل غيظ وقال بصوت حاد
فاكر نفسك ذكي يا آسر؟ فاكر إن الكاميرات دي هتحميكم مني؟ الثروة دي بتاعتي أنا.. وأبوكم الله يرحمه كتب الشرط ده وهو مش في وعيه، وأنا مش هسيب شقى عمري يروح لبت جاية من الفلاحين بشوال بلاستيك!
آسر رد عليه ونبرة صوته اتغيرت وبقت قوية ومرعبة
البت دي أختنا.. وضفرها برقبتك ورقبة رجالتك كلهم. اطلع برة بيتي يا عاصم، وإلا المرة الجاية مش هتشوفني واقف بتكلم معاك.. هتشوفني وأنا باخد حق أمي وحقنا منك بالقانون وبإيديا.
عاصم رجع لورا خطوتين، وبص لفوق ناحية الشباك اللي احنا واقفين وراه. نظرته كانت مليانة شر وتوعد، كأنه بيحفر ملامح وشي في ذاكرته. شاور لرجالته وقالهم
ارجعوا.. يلا بينا.
ركبوا العربيات بتاعتهم ولفوا بسرعة جنونية وخرجوا من البوابة، وسابوا وراهم تراب مغطي المكان وهدوء غريب رجع للقصر تاني.
أنا قعدت على السرير وجسمي كله بيترعش. طارق قعد جنبي وطبطب على ظهري، ومازن قفل اللايف وطلع تليفونه يتصل بالبوليس يبلغ عن اللي حصل عشان يثبتوا حالة.
بعد كام دقيقة، الباب اتفتح ودخل آسر. كان قالع الجاكيت وساند ضهره على الباب، ووشه باين عليه الإرهاق الشديد لكن عينيه كانت مليانة إصرار. قرب مني وقعد على كرسي قدام السرير، وبصلي بحنان وقال
خريف.. أنا أسف
هزيت راسي ودموعي نزلت
أنا خايفة.. أنا طول عمري عايشة في حالي، وأمي مكنتش بتقولي غير إنكم عايشين وناجحين. مكنتش أعرف إن فيه دم ومشاكل وفلوس كتير كدا.. أنا مش عايزة الفلوس دي يا آسر، أنا عايزة أرجع بلدي.
آسر مسك إيدي الاتنين وقال بنبرة حاسمة
مش هترجعي يا خريف.. مكانك هنا وسط إخواتك. وعشان نقفل الصفحة دي خالص، ونحمي نفسنا ونحمي حق أمك.. المحامي هيجي هنا الصبح بدري، معاه كل ورق الوصية وفك الحجز عن الأملاك. هتمضي وتبصمي، وبكدا الثروة كلها هتبقى تحت إيدينا، وعاصم مش هيبقى ليه أي حق قانوني يطالب بمليم، والشركات هتطلع من أزمتها.
مازن قرب وقال بابتسامة يحاول يطمني بيها
وبعدها بقى يا ستي.. هاخدك معايا الاستوديو بتاعي، وهعلمك إزاي تلعبي وتطلعي معايا لايف.. المتابعين بتوعي قالبين الدنيا وعايزين يتعرفوا عليكي!
طارق ضحك وقال
تطلع لايف إيه يا ابني أنت.. دي هتيجي معايا بكره التصوير وتشوف اللوكيشن.
ابتسمت وسط دموعي وأنا حاسة لأول مرة بدفا العيلة اللي انحرمت منه عشرين سنة.
تاني يوم الصبح.. الشمس طلعت، ودخلت الشغالة تصحيني وتقولي إن المحامي وصل وقاعد تحت مع إخواتي ومستنيينني. لبست الهدوم الجديدة الشيك اللي طارق اشتراهالي بالليل، ونزلت السلم وأنا حاسة بثقة لأول مرة.
قعدت على السفرة، والمحامي كان راجل عجوز بوقار شديد، فتح الشنطة الجلد بتاعته وطلع ورق كتير مكتوب بصيغة قانونية معقدة. بصلي وقال
آنسة خريف.. الورق ده فيه إقرار بنسبك، وتنازل من الورثة ليكي عن نصيبك الشرعي في الشركات، وبصمتك هنا هي اللي هتفك الحجز وتحول كل الأصول لإخواتك وليكي.
آسر شاورلي بالقلم، وحط علبة الحبر قدامي. مسكت القلم وإيدي بتترعش، وبصيت لإخواتي التلاتة اللي كانوا واقفين حواليا وعليهم علامات القلق والترقب.. كأن حياتهم ومستقبلهم كله واقف على اللحظة دي.
مضيت اسري على تلات نسخ، وبعدين حطيت إصبعي في الحبر وبصمت على الورق.
المحامي
متابعة القراءة