أخذت طفلتي ذات الستة أشهر إلى قسم الطوارئ
أخذت طفلتي ذات الستة أشهر إلى قسم الطوارئ بعد ثلاثة أيام من الحمى ورفض الطعام. كانت تبكي بشكل هستيري منذ أكثر من ساعة عندما نهض رجل عجوز بملابس رثة من آخر قاعة الانتظار وصاح فيها اصمتي.
كنت على وشك أن أطلب منه الابتعاد عنا، لكن طفلتي توقفت عن البكاء فورًا. لا دموع. لا صراخ. لا أنين. فقط ظلت تحدق فيه وكأنها كانت تنتظر سماع صوته.
وبعد دقائق دخل طبيب شاب، وما إن وقعت عيناه على الرجل حتى تغير لون وجهه وسقط الملف من يده، بينما كنت ما أزال أجهل أن ذلك الغريب يعرف سرًا سيغير كل ما كنت أعتقد أنني أعرفه.
اسمي زينب.
وكانت ابنتي مريم تبلغ ستة أشهر فقط.
طوال الأيام الثلاثة السابقة لم أذق طعم النوم.
كانت حرارتها ترتفع ثم تنخفض.
وترفض الرضاعة معظم الوقت.
وفي كل مرة أعتقد أنها بدأت تتحسن كانت تعود للبكاء من جديد.
لذلك عندما أخبرني زوجي حيدر أن علينا الذهاب إلى المستشفى، لم أعترض.
وصلنا إلى قسم الطوارئ بعد صلاة الظهر بقليل.
وكان المكان مزدحمًا بصورة جعلتني أشعر بالاختناق.
أطفال مرضى.
أمهات متوترات.
ورجال يقفون قرب الأبواب ينتظرون دورهم.
جلست على أحد المقاعد المعدنية وأنا أحاول تهدئة مريم.
لكنها لم تهدأ.
على العكس.
كان بكاؤها يزداد حدة كل دقيقة.
حتى بدأت أشعر أن الجميع ينظرون إلينا.
كنت متعبة.
وخائفة.
وأكاد أبكي معها.
عندها فقط انتبهت إلى الرجل الجالس في الجهة
كان عجوزًا نحيلًا.
يرتدي ملابس قديمة ومهترئة.
وشعره الأبيض غير مرتب.
حتى إنني ظننته في البداية أحد المشردين الذين يدخلون المستشفيات بحثًا عن مكان دافئ للجلوس.
لم يكن يتحدث مع أحد.
ولم يكن يحمل هاتفًا.
كان فقط يجلس هناك صامتًا.
لكن شيئًا واحدًا أزعجني.
كان ينظر إلى مريم باستمرار.
حاولت تجاهله.
ثم غيرت مكاني قليلًا.
لكنه ظل يراقبها.
ومع كل صرخة جديدة منها كانت عيناه تزدادان تركيزًا.
شعرت بعدم الارتياح.
وضممتها إلى صدري أكثر.
ثم حدث الأمر فجأة.
نهض الرجل من مكانه.
وتقدم خطوة واحدة.
وقال بصوت حاد سمعه كل من في القاعة
اصمتي.
التفتت عدة رؤوس نحونا.
وشعرت بالصدمة.
من يكون حتى يتحدث إلى طفلتي بهذه الطريقة؟
فتحت فمي لأعترض.
لكن الكلمات لم تخرج.
لأن مريم...
صمتت.
صمتت فورًا.
لا بالتدريج.
ولا بعد لحظات.
فورًا.
انقطع البكاء.
واختفت الصرخات.
وبقيت تنظر إليه فقط.
أما الرجل فلم يبتسم.
ولم يقترب.
ولم يقل شيئًا آخر.
اكتفى بالنظر إليها لثوانٍ.
ثم عاد إلى مقعده وكأن شيئًا لم يحدث.
أقسم أن القاعة كلها أصبحت أكثر هدوءًا في تلك اللحظة.
لأن الجميع لاحظ ما حدث.. سلمى محمد
الجميع.
أما أنا فلم أستطع إبعاد عيني عن ابنتي.
كنت أنتظر أن تعود للبكاء.
لكنها لم تفعل.
بل بقيت تلتفت نحوه بين الحين والآخر.
وكأن وجوده وحده كان كافيًا لإبقائها هادئة.
ولم أكن أعرف إن كان ذلك يطمئنني...
أم يخيفني.
ثم فُتح باب غرفة الفحص.
وخرج طبيب شاب يحمل عدة ملفات.
وبمجرد أن رفع رأسه نحو قاعة الانتظار توقف في مكانه.
سقط الملف من يده.
وشحب وجهه.
ونظر مباشرة إلى الرجل العجوز.
أما الرجل...
فلم يبدُ متفاجئًا على الإطلاق.
وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة منذ البداية.
وفي تلك الثانية أدركت أن الغريب الجالس أمامي لم يكن مجرد عجوز متشرد كما ظننت.
لكنني لم أكن أعلم أن ذلك العجوز سيكشف بعد ساعات سرًا سيجعلني أشك في كل ما كنت أؤمن به.
وقف الطبيب الشاب متجمّدًا لثوانٍ.
ثم انحنى بسرعة والتقط الملف من الأرض.
لكن يديه كانتا ترتجفان.
لاحظت ذلك بوضوح.
ونظرته لم تفارق الرجل العجوز.
أما الرجل فبقي جالسًا في مكانه، وكأنه لا يرى الطبيب أصلًا.
سمعت الطبيبة المساعدة تسأله
دكتور سامر؟ هل أنت بخير؟
أجاب بصوت متوتر
نعم... نعم، بخير.
لكنه لم يكن بخير.
كنت أرى ذلك في وجهه.
بعد دقائق نادى اسم ابنتي.
دخلت معه إلى غرفة الفحص بينما بقي حيدر في الخارج لإنهاء بعض الإجراءات.
فحص مريم بصمت.
استمع إلى صدرها.
وقاس حرارتها.
ثم سألني فجأة
منذ متى تعرفين الرجل الموجود في قاعة الانتظار؟
تفاجأت.
أي رجل؟
العجوز.
هززت رأسي.
لا أعرفه أصلًا.
نظر إليّ مطولًا.
وكأنه يحاول التأكد من صدقي.
ثم قال
هل تحدث معكم؟
قصصت عليه ما حدث.
كيف صرخ فيها.
وكيف توقفت عن البكاء فورًا.
وكلما كنت أتكلم كان وجهه يزداد شحوبًا.
أخيرًا
هل تعرفه أنت؟
صمت.
ثم قال
كنت أظن أنه مات منذ عشر سنوات.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
ضحكت بتوتر.
ماذا تقصد؟
قال وهو ينظر إلى الباب المغلق
الرجل الذي رأيته اليوم يشبه طبيب أطفال كان يعمل هنا قبل سنوات طويلة.
وماذا في ذلك؟
ابتلع ريقه.
لأنه توفي رسميًا في حادث حريق.
ساد الصمت.
حتى صوت جهاز التكييف بدا مرتفعًا فجأة.
قلت
ربما شخص يشبهه فقط.
هز رأسه ببطء.
لا أحد يشبهه إلى هذا الحد.
بعد انتهاء الفحص أخبرني أن حالة مريم مستقرة.
مجرد التهاب يحتاج إلى متابعة.
لكن شيئًا ما كان يشغل تفكيره أكثر من مرضها.
خرجت من الغرفة.
وبحثت بعيني عن الرجل.
فوجدته ما يزال في مكانه.
لكن هذه المرة كان ينظر نحوي مباشرة.
ثم رفع يده ببطء.
وأشار إليّ أن أقترب.
ترددت.
لكن فضولي انتصر.
اقتربت منه بينما بقي حيدر يتحدث مع موظفة الاستقبال.
قال الرجل بصوت منخفض
اسمها مريم، صحيح؟
تجمدت.
لم أخبره باسمها أبدًا.
كيف عرفت؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال
لأن أمها كانت ستختار هذا الاسم منذ سنوات.
شعرت أن الأرض تميد بي.
من تقصد؟
نظر في عيني مباشرة.
وقال
أقصد أمك.
اختفى الهواء من رئتي.
أمي ماتت قبل سبع سنوات.
ولم أذكرها أمامه.
ولم يكن يعرفني.
أو هكذا كنت أعتقد.
جلست أمامه دون أن أشعر.
وقلت بصوت مرتجف
من أنت؟
ظل صامتًا للحظات.
ثم أخرج من جيب معطفه القديم صورة باهتة.
ناولني إياها.
وحين نظرت إليها كدت أسقط
كانت الصورة لأمي.
وهي شابة.
تقف بجانب ذلك الرجل نفسه.
لكن المفاجأة لم تكن هنا.
المفاجأة أن أمي كانت تحمل طفلة صغيرة بين ذراعيها.
طفلة تشبهني تمامًا.
قال الرجل بهدوء
هذه