أخذت طفلتي ذات الستة أشهر إلى قسم الطوارئ
المحتويات
الصورة التقطت يوم ولادتك.
نظرت إليه عاجزة عن الكلام.
ثم سمعته يقول
لأنني كنت هناك عندما جئتِ إلى هذا العالم.
شعرت أن قلبي يتوقف.
ماذا تعني؟
تنهد طويلًا.
وقال
لأنني والدك الحقيقي يا زينب.
في تلك اللحظة سمعت صوت حيدر يناديني.
لكنني لم أستطع الالتفات.
كل شيء حولي أصبح بعيدًا.
قلت
هذا مستحيل.
هز رأسه.
أعرف أن أمك أخبرتك أن والدك توفي قبل ولادتك.
اتسعت عيناي.
كانت تلك القصة التي سمعتها طوال حياتي.
القصة التي لم يعرفها إلا أفراد العائلة المقربون.
تابع
لكن الحقيقة مختلفة.
وأخبرني القصة التي أخفتها أمي لثلاثين عامًا.
كان طبيبًا شابًا.
وأحب أمي.
لكن عائلتها رفضته بسبب فقره.
ثم حدثت مشكلات كبيرة بين العائلتين.
وأُجبرت أمي على الزواج من رجل آخر.
الرجل الذي رباني طوال حياتي.
أما هو فاختفى من حياتها تمامًا.
وحين اكتشف لاحقًا أنها أنجبت طفلته، كان الأوان قد فات.
اختارت أمي ألا تخبر أحدًا بالحقيقة.
وحملت السر معها حتى وفاتها.
سألته والدموع تملأ عيني
ولماذا تظهر الآن؟
نظر نحو مريم.
ثم قال
لأنني كنت أراقبك منذ سنوات من بعيد.
ولماذا اليوم؟
أجاب بصوت مكسور
لأن الأطباء أخبروني قبل شهر أنني لم أعد أملك وقتًا كثيرًا.
ساد الصمت بيننا.
ثم مد يده المرتجفة نحو مريم.
وللمرة الثانية في ذلك اليوم.
فتحت ابنتي عينيها.
ونظرت إليه.
ثم ابتسمت.
ابتسامة صغيرة هادئة.
كأنها تعرفه منذ زمن.
وعندها فقط فهمت
لم يكن سحرًا.
ولم يكن أمرًا خارقًا.
بل كان ذلك الصوت يحمل شيئًا لا يمكن تفسيره بسهولة...
صوت رجلٍ فقد ابنته طوال عمره.
ثم وجدها أخيرًا.
قبل فوات الأوان.
بقيت أحدق فيه وأنا عاجزة عن استيعاب ما سمعته.
جزء مني أراد أن ينهض ويغادر فورًا.
وجزء آخر كان يريد أن يطرح ألف سؤال.
لكن قبل أن أنطق بأي كلمة، سمعنا ضجة قرب مكتب الاستقبال.
التفتنا معًا.
كان الدكتور سامر يتحدث بعصبية مع أحد رجال الأمن.
ثم أشار نحونا.
وتحديدًا نحو الرجل العجوز.
تغيرت ملامح العجوز فورًا.
ولأول مرة رأيت القلق في عينيه.
قال لي بهدوء
يجب أن أذهب.
أمسكت ذراعه بسرعة.
لا، لن تذهب قبل أن تشرح كل شيء.
نظر إلى مريم.
ثم أخرج ظرفًا بنيًا قديمًا من جيبه.
ووضعه في يدي.
ستجدين فيه كل ما تحتاجين لمعرفته.
ثم نهض.
ومشى بسرعة تفاجأت بها بالنسبة لرجل في عمره.
وبعد أقل من دقيقة اختفى في أحد الممرات الجانبية.
عدت إلى المنزل تلك الليلة وأنا أحمل الظرف.
لم أخبر حيدر بكل ما حدث.
قلت فقط إن رجلاً غريبًا أعطاني أوراقًا تخص أمي.
أغلقت باب غرفتي بعد أن نامت مريم.
وفتحت الظرف.
كانت بداخله صور قديمة.
ورسائل.
وتقرير ولادة.
ثم وجدت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
شهادة ميلادي الأصلية.
لكن الاسم المكتوب في خانة الأب لم يكن اسم الرجل الذي رباني.
بل اسم العجوز نفسه.
كانت الوثيقة مختومة بختم رسمي قديم.
وليست
قرأت الاسم مرة.
ثم مرتين.
ثم عشر مرات.
وفي كل مرة كانت الحقيقة تصبح أكثر قسوة.
في صباح اليوم التالي قررت زيارة خالتي نوال.
كانت أخت أمي الكبرى.
وعندما وضعت شهادة الميلاد أمامها شحب وجهها فورًا.
عرفت الحقيقة قبل أن تنطق.
جلست على الكرسي وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
ثم بدأت بالبكاء.
ولأول مرة منذ سنوات سمعتها تقول
سامحيني يا زينب.
عندها عرفت أن الرجل لم يكن يكذب.
واعترفت خالتي بكل شيء.
أمي أحبت ذلك الطبيب فعلًا.
وكانت حاملًا بي عندما أُجبرت على الزواج من الرجل الآخر.
ولحماية سمعة العائلة دُفنت الحقيقة.
إلى الأبد.
أو هكذا ظنوا.
خرجت من منزل خالتي وأنا في حالة صدمة.
أردت أن أجد الرجل.
أن أسأله لماذا انتظر كل هذه السنوات.
أن أصرخ في وجهه.
أو ربما أن أعانقه.
لم أكن أعرف.
لكن عندما عدت إلى المستشفى سألت عنه.
ولم أجد أحدًا يعرف مكانه.
حتى الدكتور سامر بدا مرتبكًا.
ثم أخذني جانبًا وقال
هناك شيء لم أخبرك به أمس.
نظرت إليه.
فقال
الرجل الذي قابلته... ليس فقط طبيبًا سابقًا.
ماذا تقصد؟
تنهد.
ثم فتح درج مكتبه.
وأخرج صورة قديمة مؤطرة.
كانت صورة جماعية لفريق المستشفى قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
ورأيت الرجل فيها.
لكن ما صدمني حقًا...
هو الشخص الواقف بجانبه.
الدكتور سامر نفسه.
أو شخص يشبهه بصورة مخيفة.
سألت بذهول
من هذا؟
أجاب بصوت خافت
والدي.
تجمدت في مكاني.
ثم أكمل
والدي كان أفضل
وأشار إلى العجوز.
وقد مات قبل خمسة وعشرين عامًا.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
قلت
لكنني رأيته بعيني أمس!
قال
وأنا أيضًا رأيته.
ثم ابتلع ريقه.
وأضاف
لهذا السبب أسقطت الملف من يدي.
سقط الصمت بيننا.
وكان هناك سؤال واحد فقط يدور في رأسي
إذا كان الرجل هو والدي الحقيقي...
وكان قد مات منذ خمسة وعشرين عامًا...
فمن هو الشخص الذي جلس أمامي في قاعة الانتظار؟
ومن الذي أعطاني الظرف؟
ولماذا اختفى دون أن يترك أي أثر؟
وفي تلك اللحظة رن هاتفي.
كانت رسالة مجهولة.
لا تحتوي إلا على جملة واحدة
ابحثي تحت اللوح الخشبي في غرفة أمك القديمة... وستعرفين الحقيقة كاملة.
وعندما فتحت الرسالة لأرى رقم المرسل...
لم يكن هناك أي رقم ظاهر.
وصلت إلى بيت أمي القديم قبل الغروب.
كان البيت مغلقًا منذ وفاتها، ولا يدخله أحد إلا نادرًا لتنظيفه.
فتحت الباب بمفتاح احتفظت به خالتي.
ورائحة الغبار والذكريات استقبلتني معًا.
توجهت مباشرة إلى غرفتها.
كل شيء بقي كما تركته تقريبًا.
السرير الخشبي.
المرآة القديمة.
وخزانة الملابس التي كانت أمي تمنعني من العبث بها وأنا صغيرة.
لكن الرسالة قالت تحت اللوح الخشبي.
جثوت على الأرض وبدأت أتحسس الألواح قرب السرير.
وبعد دقائق شعرت بأن أحدها يتحرك قليلًا.
رفعته بحذر.
وكان هناك صندوق معدني صغير ملفوف بقماش قديم.
فتحت الصندوق ويدي ترتجف.
في الداخل وجدت ثلاثة أشياء
1. دفترًا جلديًا
كان مليئًا بخط يد أمي.
2. عقد زواج قديم.
عقد رسمي بين أمي والرجل العجوز بتاريخ يسبق زواجها المعروف بأشهر.
3. رسالة مختومة لم تُفتح قط.
وعليها عبارة تُفتح إذا عاد إليكِ.
متابعة القراءة