أخذت طفلتي ذات الستة أشهر إلى قسم الطوارئ
الدفتر
فتحت الدفتر أولًا.
وكانت الصفحة الأولى تحمل تاريخًا يعود إلى أكثر من ثلاثين عامًا.
كتبت أمي
مقتطف من المذكرات
اليوم تزوجتُ الرجل الوحيد الذي أحببته، رغم رفض الجميع.
قالوا إنه فقير، وإن مستقبله مجهول، لكنني اخترته.
أخشى أن يجبروني على تركه إذا عرفوا بالأمر.
تسارعت دقات قلبي.
أمي كانت متزوجة منه فعلًا.
أي أنني لم أكن ابنة علاقة سرية كما كنت أظن، بل ابنة زواج حقيقي أخفته العائلة.
الرسالة المختومة
ترددت طويلًا قبل فتحها.
ثم كسرت الختم.
وكانت الرسالة بخط الرجل العجوز.
نص الرسالة
إلى هناء،
إذا وصلتك هذه الرسالة، فاعلمي أنني لم أتخلَّ عنكِ يومًا.
لقد أخذوني من البيت بالقوة بعد الحريق، وأخبروني أنكِ وافقتِ على إنهاء زواجنا.
ثم قالوا إن الطفل ليس طفلي.
حاولت العودة مرات عديدة، لكنني كنت مطاردًا بسبب قضية الحريق التي لفّقوها لي.
وعندما علمتُ بالحقيقة متأخرًا، كنتِ قد أصبحتِ زوجة رجل آخر.
إذا قرأتِ هذا يومًا، فاعلمي أنني كنت أحبكِ حتى النهاية.
يوسف
شعرت بدموعي تنهمر دون أن أستطيع منعها.
الحقيقة
أدركت حينها أن القصة التي روتها العائلة طوال حياتي كانت كذبة كبيرة.
يوسف لم يهجر أمي.
بل فُصل عنها عمدًا.
والحريق الذي قيل إنه مات فيه كان على الأرجح جزءًا من تلك المؤامرة.
الزيارة الأخيرة
بين صفحات
مقتطف من المذكرات
زارني يوسف اليوم بعد غياب طويل.
كان أكبر سنًا، ومتعبًا، لكنه ما زال يحمل النظرة نفسها.
طلب مني أن أخبر زينب بالحقيقة، لكنني خفت.
قلت له إن الوقت فات.
نظر إلى صورة حفيدته الصغيرة وقال عندما يحين الوقت، ستعرف.
توقفت عند كلمة حفيدته.
كان قد رأى مريم من قبل.
وهذا يفسر لماذا هدأت فور سماع صوته.
لكن اللغز بقي
رغم كل ما اكتشفته، بقي سؤال واحد يؤرقني.
إذا كان يوسف حيًا وزار أمي قبل أشهر من وفاتها، فلماذا يصر الدكتور سامر على أنه مات منذ خمسة وعشرين عامًا؟
أغلقت الصندوق ونظرت حولي.
ثم لاحظت شيئًا لم أره من قبل.
على الجدار خلف السرير كانت هناك صورة مؤطرة لأمي.
وعندما اقتربت منها رأيت انعكاسًا خافتًا في الزجاج.
انعكاس رجل يقف خلفي.
استدرت بسرعة.
ولم يكن هناك أحد.
لكن على الأرض، قرب الباب، كان يوجد شيء لم يكن موجودًا قبل لحظات.
بطاقة دخول قديمة إلى المستشفى.
باسم الدكتور يوسف السالم.
وتاريخ الإصدار كان اليوم نفسه.
التقطت البطاقة من الأرض وأنا أشعر أن عقلي لم يعد قادرًا على التمييز بين الحقيقة والوهم.
تاريخ الإصدار كان فعلًا بتاريخ اليوم.
لكن الصورة عليها كانت قديمة.
صورة رجل في الثلاثينات من عمره.
بينما الرجل الذي رأيته في المستشفى
أخذت البطاقة وعدت بها إلى الدكتور سامر في صباح اليوم التالي.
نظر إليها طويلًا.
ثم طلب مني الجلوس.
وقال
أعتقد أن الوقت حان لأخبرك بكل شيء.
فتح حاسوبه.
وبحث في أرشيف المستشفى.
ثم أخرج ملفًا إلكترونيًا قديمًا.
كان يحمل اسم يوسف السالم.
والدكتور سامر قال بهدوء
يوسف لم يمت في الحريق.
شعرت بقلبي يقفز في صدري.
ماذا؟
المستشفى أعلنت وفاته رسميًا لأن الجميع اعتقدوا أنه مات. لكن لم يتم العثور على جثته أصلًا.
ثم أضاف
بعد الحريق اختفى فقط.
بدأت الصورة تتضح أخيرًا.
يوسف عاش.
لكنه اختفى لعقود.
والشائعات حول موته تحولت مع الوقت إلى حقيقة يصدقها الجميع.
بعد أسبوع كامل من البحث، وصلنا إلى عنوان قديم كان مسجلًا باسمه في إحدى القرى البعيدة.
ذهبت أنا وحيدر.
وكان المنزل صغيرًا ومعزولًا.
طرقنا الباب.
فتح لنا رجل مسن.
ولم أحتج إلى ثانية واحدة لأعرفه.
كان يوسف.
حيًا.
حقيقيًا.
وليس شبحًا.
ولا وهمًا.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال بابتسامة حزينة
تأخرتِ قليلًا يا ابنتي.
في تلك اللحظة انهارت كل الأسئلة التي كنت أحملها.
كل سنوات الغضب.
وكل الحيرة.
لم تختفِ تمامًا.
لكنها لم تعد أهم شيء.
جلسنا لساعات طويلة.
أخبرني يوسف بما حدث بعد الحريق.
وكيف هرب بعدما اتُّهم ظلمًا بالتسبب فيه.
وكيف حاول مرارًا العودة
وكيف عاش سنوات طويلة يراقب من بعيد فقط.
لا لأنه لا يريد الاقتراب.
بل لأنه كان يعتقد أن ظهوره سيدمر حياتها.
ثم أخرج صندوقًا صغيرًا.
وقال
احتفظت بهذا منذ يوم ولادتك.
كان بداخله سوار المستشفى الذي وُضع حول معصمي عندما وُلدت.
باسمي.
وتاريخ ميلادي.
احتفظ به أكثر من ثلاثين عامًا.
عندها فقط صدق قلبي ما عرفه عقلي منذ أيام.
هذا الرجل هو أبي.
أصبحت أزوره باستمرار بعد ذلك.
وتعرف إلى حيدر.
وأصبح يحمل مريم لساعات طويلة.
وكانت الغريب في الأمر أنها كانت تهدأ بين ذراعيه دائمًا.
كما لو أنها تعرفه منذ زمن.
وفي أحد الأيام سألته
لماذا صرختِ فيها في المستشفى؟
ضحك لأول مرة ضحكة حقيقية.
وقال
لأنكِ كنتِ تبكين بالطريقة نفسها عندما كنتِ رضيعة.
ابتسمت.
وهل كنت أفعل الشيء نفسه؟
قال
نعم. وعندما كنت أقول كلمة واحدة فقط... كنتِ تصمتين.
أي كلمة؟
ابتسم وهو ينظر إلى مريم.
ثم قال
اصمتي.
فضحكنا جميعًا.
بعد عام واحد، رحل يوسف بهدوء أثناء نومه.
لكن هذه المرة لم يرحل كغريب.
ولم يرحل كسرّ مخفي.
رحل وهو يعرف أن ابنته عرفت الحقيقة أخيرًا.
وأن حفيدته كانت تناديه جدو يوسف.
أما أنا...
فكلما نظرت إلى مريم وهي تكبر، تذكرت ذلك اليوم في قسم الطوارئ.
اليوم الذي ظننت فيه أن رجلاً عجوزًا مجهولًا
لكن الحقيقة كانت أبسط وأعمق بكثير.
لم يكن غريبًا.
كان أبًا أضاعته السنوات.
ثم أعادته الأقدار في اللحظة الأخيرة.
النهاية.