بعد ثلاثة أشهر من السفر بسبب العمل

لمحة نيوز

بعد ثلاثة أشهر من السفر بسبب العمل، عدت إلى منزلي في بغداد فوجدت زوجتي أنحف باثني عشر كيلوغرامًا. كان معصماها نحيلين بصورة أخافتني، وابتسامتها بدت وكأنها لا تخصها. لكن الشيء الذي جمّد الدم في عروقي لم يكن حالتها... بل الرجل الغريب الذي كان مستلقيًا على أريكتي وكأنه صاحب البيت. 
تجمدت في مكاني وأنا أحدق في شاشة الهاتف.
لم أكن أصدق ما أراه.
كانت مريم تبكي خلفي.
وأمي تحاول انتزاع الهاتف من يدي.
أما جاسم فبدا كمن أدرك أن اللعبة انتهت أخيرًا.
ولم أحتج إلى مشاهدة التسجيل كاملًا.
فالثواني الأولى منه كانت كافية لتسحق ما تبقى داخلي من شكوك، وتكشف حجم الكارثة التي كانت تحدث داخل بيتي بينما كنت بعيدًا.
لكن شيئًا آخر لفت انتباهي وسط الفوضى.
اسم جاسم لم يظهر داخل المنزل فقط.
بل سمعته أكثر من مرة في أحاديث متفرقة داخل بعض التسجيلات.
مرة وهو يتحدث عن سفري.
ومرة أخرى وهو يناقش مواعيد عودتي.
وكأنه كان يعرف تفاصيل عملي أكثر مما ينبغي.
عندها شعرت للمرة الأولى أن ما يجري أكبر من مجرد استغلال لغيابي.
وكأن أحدهم كان يحرص على بقائي بعيدًا عمدًا.
وعندما انتهى كل شيء...
لم يعد أحد قادرًا على الكلام.
أما جاسم وسعاد فاختفت تلك الثقة التي ملأت وجهيهما طوال الأشهر الماضية.
ولأول مرة رأيتهما خائفين.
وقبل طلوع الفجر كنت قد أبلغتهما أن وجودهما في هذا المنزل انتهى، وأن عليهما مغادرته فورًا.
أما أمي فحاولت الاعتراض.
لكنني لم أستمع هذه المرة إلى أي تبرير.
ثم نسخت جميع التسجيلات على هاتفي واحتفظت بنسخة أخرى منها خارج المنزل.
كنت أشعر أن ما رأيته ليس نهاية القصة.
بل بدايتها

فقط.
أما أنا فصعدت إلى غرفتي وأنا أشعر أن الرجل الذي عاد إلى هذا المنزل قبل ساعات لم يعد موجودًا.
وفي تلك الليلة لم أنم.
كلما أغمضت عيني رأيت مريم مستلقية على أرض المخزن الضيق، ملتفة حول عباءتي القديمة كما يلتف الغريق حول آخر قطعة خشب في بحر هائج، وكأنها دعاء طويل ارتفع إلى السماء ولم يجد من يجيبه.
كانت الصورة تعود إليّ في كل مرة أحاول فيها إقناع نفسي بأن ما رأيته لم يكن حقيقيًا، وأن زوجتي التي شاركتني سنوات عمري لم تكن تنام فعلًا فوق فراش رقيق مهترئ بين صناديق قديمة وأدوات منزلية متراكمة، بينما كنت أنا أتنقل بين الفنادق ومواقع العمل معتقدًا أنني أؤدي واجبي كرجل يسعى لتأمين مستقبل أسرته.
لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تُنكر.
كنت قد رأيتها بعيني.
ورأيت الخوف في عينيها.
ورأيت آثار الإهمال على وجهها.
ورأيت شيئًا آخر ظل يطاردني طوال الليل.
الاستسلام.
ذلك الاستسلام الصامت الذي لا يولد في يوم واحد، بل يتسلل إلى روح الإنسان بعد سنوات طويلة من الخذلان حتى يقتنع أخيرًا أن لا أحد سيأتي لإنقاذه.
نهضت من سريري قبل أذان الفجر بوقت قصير.
توضأت.
وصليت ركعتين لم أستطع خلالهما منع دموعي.
لم أكن أبكي من أجل مريم وحدها.
بل من أجل نفسي أيضًا.
لأنني كنت أكتشف للمرة الأولى حجم الغفلة التي عشت فيها.
طوال ثلاث سنوات كنت أعتقد أن مشكلتنا الوحيدة هي تأخر الإنجاب، وأن التوتر الذي يظهر أحيانًا بين مريم وأمي لا يختلف عن الخلافات المعتادة الموجودة في كثير من البيوت.
كنت أسمع شكواها.
ثم أسمع تبريرات أمي.
وفي كل مرة أختار الطريق الأسهل.
الصمت.
أما الآن فقد أدركت أن الصمت ليس حيادًا
كما كنت أتوهم.
بل موقف.
وموقف قد يتحول أحيانًا إلى خيانة.
ومع اقتراب الفجر اتخذت قراري أخيرًا.
لم يعد يكفيني أن أعرف ما حدث داخل هذا المنزل.
كنت أريد أن أعرف كيف بدأت القصة كلها.
ومن الذي حرك الخيوط من خلف الستار طوال تلك الاشهر
لم أعد أبحث عن تفسير لما حدث لمريم فقط.
كنت أبحث عن الجذور الأولى لكل ما جرى.
عن اللحظة التي بدأت فيها هذه الخطة تتشكل دون أن أنتبه.
وعن الأشخاص الذين استفادوا من بقائي بعيدًا عن بيتي كل تلك المدة.
مع شروق الشمس دخلت إلى غرفة مريم.
كانت مستيقظة.
أدركت من عينيها أنها لم تنم هي الأخرى.
جلست قربها بصمت.
وبقيت أنظر إليها عدة ثوانٍ.
كانت أضعف مما أتذكر.
وأكثر هدوءًا مما ينبغي.
قالت دون أن تنظر إليّ
هل ستسافر اليوم؟
أومأت برأسي.
ثم قلت
نعم.
لكنني لن أسافر للعمل هذه المرة.
رفعت عينيها نحوي.
فأكملت
سأذهب إلى بغداد.
وسأعود بالحقيقة كاملة.
ظل الصمت بيننا للحظات.
ثم سألت بصوت متعب
وهل ما زالت هناك حقيقة لم نعرفها بعد؟
شعرت بوخزة مؤلمة في صدري.
لأن السؤال لم يكن موجهًا إلى المؤامرة.
بل إليّ.
قلت بهدوء
نعم.
وهذه المرة لن أترك أحدًا يخفيها.
خفضت رأسها.
ثم قالت
كنت أتمنى لو قلت هذه الجملة قبل أشهر.
لم أجد جوابًا.
لأنها كانت محقة.
بعد ساعات كنت أجلس في الطائرة المتجهة إلى بغداد برفقة المحامي خالد.
فالشركة التي أبقتني بعيدًا عن بيتي طوال الأشهر الماضية كانت تملك مقرها الرئيسي هناك، ومن بغداد بدأت الخيوط الأولى التي أوصلت جاسم إلى حياتنا كلها.
كان خالد صديقًا قديمًا للعائلة، لكنه كان أول شخص نظر إلى الوقائع بعين القانون لا بعين المجاملة.

قرأ الملف الذي جمعناه خلال الأيام الماضية.
ثم أغلقه ببطء.
وقال
إن كانت نصف هذه الأدلة صحيحة فالأمر أخطر مما ظننت.
نظرت عبر نافذة الطائرة.
وقلت
كنت أظن أن أمي تريد فقط السيطرة على تفاصيل البيت.
أما الآن فأشعر أنني لا أعرفها أصلًا.
تنهد خالد...
وقال
بعض الناس لا يرون أبناءهم كأشخاص مستقلين.
يرونهم امتدادًا لأنفسهم فقط.
وعندما يرفض الواقع أن يطابق الصورة التي رسموها يبدأ الخراب.
أغمضت عيني.
وعادت إليّ كلمات أمي.
مريم لا تصلح لهذا البيت.
مريم ضعيفة.
مريم لا تتحمل المسؤولية.
مريم لا تعرف كيف تكسب احترام الناس.
كانت تردد هذه الجمل سنوات طويلة.
وكنت أظنها مجرد انتقادات عابرة.
لكنني بدأت أفهم أخيرًا أنها لم تكن تحاول تغيير مريم.
بل كانت تحاول كسرها.
ما إن وصلنا إلى بغداد حتى توجهنا مباشرة إلى مقر الشركة.
كانت زينب تعمل هناك قبل أسابيع قليلة.
ولم تكن مجرد موظفة عادية.
بل كانت الحلقة التي بدأت تكشف الخيوط كلها.
وجدنا مكتبها فارغًا.
لا ملفات.
لا صور.
لا أغراض شخصية.
كأن أحدًا تعمد محو وجودها بالكامل.
خرج مدير القسم عندما علم بوجودنا.
صافحني بسرعة.
لكن القلق كان ظاهرًا على وجهه.
قال
أحمد... لم أكن أتوقع حضورك.
قلت
وأنا لم أكن أتوقع اختفاء موظفة كاملة في ليلة واحدة.
تغيرت ملامحه.
ثم قال
زينب قدمت استقالتها.
متى؟
قبل يومين.
وهل تحدثت معها؟
هز رأسه نافيًا.
أرسلت رسالة إلكترونية فقط.
شعرت بأن الأمر يتكرر من جديد.
اختفاء.
صمت.
وأوراق رسمية تستخدم لإغلاق الأسئلة.
أخرج خالد بعض المستندات.
وبدأنا مراجعة المراسلات الإدارية الخاصة بالمشروع الذي أبقاني بعيدًا عن بيتي
طوال الشهور الماضية.
كنا نحاول معرفة من صاحب القرارات التي كانت تؤجل عودتي باستمرار، ومن الذي كان يوصي بتمديد المهمات ونقلي بين مواقع
 

تم نسخ الرابط