بعد ثلاثة أشهر من السفر بسبب العمل
العمل المختلفة.
ومع مرور الوقت بدأت الصورة تتضح.
كان هناك اسم يتكرر باستمرار.
جاسم.
لم يكن موظفًا في الشركة.
ولم يكن شريكًا رسميًا.
لكنه ظهر في أكثر من توصية وأكثر من ترتيب يخص السكن والتنقلات وتمديد فترات العمل.
سألت المدير
من هو جاسم بالنسبة لكم؟
أجاب بتردد
كان يتواصل أحيانًا باعتباره ممثلًا عن مستشار مالي يتعامل مع بعض الموردين.
في تلك اللحظة كان خالد يقلب بعض الملفات التي حصل عليها قبل سفرنا بساعات، وبينها كشوف مراسلات وعناوين وبيانات اتصال مرتبطة بالمشروع.
ثم توقف عند صفحة معينة ونظر إليّ.
وقال
وهل تعلم أن الرجل نفسه كان يتردد على منزل عائلتك؟
ساد الصمت.
أما أنا فشعرت بأن قطعة أخرى من اللغز استقرت في مكانها.
لم يكن وجود جاسم في حياتنا مصادفة.
بل جزءًا من خطة طويلة بدأت منذ أشهر.
عند المساء وصلتنا رسالة جديدة من الرقم المجهول نفسه.
وكان الرقم ذاته قد أرسل لنا من قبل التسجيلات والمعلومات التي قادتنا إلى بغداد، وكأنه يراقب تحركاتنا خطوة بخطوة.
إذا أردتم الحقيقة فقابلوا زينب بعد صلاة المغرب قرب الباب الخلفي لجامع السيدة خديجة.
قرأ خالد الرسالة.
ثم قال
صاحب هذا الرقم يعرف ما يفعله.
أجبته
أو يخشى الظهور.
قال
وربما يملك سببًا وجيهًا لذلك.
عند الموعد
كانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة.
ويبدو عليها الإرهاق الشديد.
وما إن رأتني حتى بدت كأنها تريد الهرب.
لكنها بقيت مكانها.
اقتربت منها.
وقلت
لا تخافي.
أنا لا أبحث عن متهم.
أنا أبحث عن الحقيقة.
ظلت تنظر إليّ عدة ثوانٍ وكأنها تحاول أن تقرر إن كانت ستتكلم أم ترحل.
ثم أطرقت برأسها.
وقالت بصوت مرتجف
لم تكن بيني وبينك أي علاقة.
كانت تلك أول جملة نطقتها.
فهمت عندها حجم الكذبة التي عاشت داخلها.
قلت
أعلم.
رفعت رأسها نحوي بسرعة.
وقالت
تصدقني؟
نعم.
لأنني بدأت أرى الصورة كاملة.
جلست على المقعد الحجري القريب.
وأخرجت ملفًا سميكًا من حقيبتها.
ثم قالت
احتفظت بكل شيء منذ اللحظة التي بدأت أشك فيها.
فتحت الملف.
فوجدت تحويلات مالية.
ورسائل.
وتسجيلات صوتية.
وصورًا لمحادثات.
لكن أكثر ما لفت انتباهي لم يكن أيًا من ذلك.
بل صورة تجمع أمي بزينب داخل أحد المطاعم.
سألتها
كيف تعرفت أمي عليك؟
تنهدت طويلًا.
ثم قالت
بعد وفاة زوجي بأشهر قليلة كنت أمر بظروف صعبة جدًا.
كنت أبحث عن عمل وأعيل نفسي وحدي.
وفي إحدى المناسبات النسائية تعرفت عليّ والدتك.
كانت لطيفة جدًا في البداية.
ساعدتني في الحصول على الوظيفة التي بقيت أعمل بها لسنوات قبل أن أتركها قبل أسابيع
ثم بدأت تتقرب مني أكثر فأكثر.
صمتت قليلًا.
ثم أكملت
كانت تسألني دائمًا عن حياتي الخاصة.
وعن أحلامي.
وعن مخاوفي.
حتى شعرت أنها تهتم لأمري فعلًا.
أحسست بالغثيان.
لأنني بدأت أعرف إلى أين يقودنا الحديث.
قالت زينب
بعد أشهر أخبرتني أن ابنها يعيش زواجًا فاشلًا.
وأن زوجته لا تحترمه.
ولا تقدره.
وأنها تسيطر على حياته.
كنت أستمع فقط.
ثم بدأت تعرض علي صورك.
وصور عائلتكم.
وصور مناسباتكم.
وكأنها تزرع فكرة معينة داخل رأسي ببطء.
قلت
أي فكرة؟
أجابت
أنها تتمنى لو كانت زوجة ابنها امرأة مختلفة.
وساد الصمت.
ثقيلاً.
خانقًا.
مؤلمًا.
لأنني كنت أعرف تمامًا من تقصد.
مريم.
زوجتي.
المرأة التي دفعت ثمن أحلام غيرها سنوات طويلة.
وأنا لم أكن أرى شيئًا.
بعد ساعة كاملة من الحديث أدركنا أن ما جمعته زينب لم يكن مجرد شكوك.
بل كان بداية طريق طويل يقود إلى حقيقة أكبر بكثير مما تخيلنا.
حقيقة لم تبدأ يوم دخلت مريم إلى المخزن.
ولم تبدأ يوم ظهرت زينب في حياتنا.
بل بدأت يوم قررت أمي أنها وحدها تعرف من تستحق أن تكون زوجة لابنها.
وفي تلك الليلة، وأنا أغادر الجامع، شعرت لأول مرة منذ أيام بأن الظلام بدأ يتراجع قليلًا.
ليس لأنني وصلت إلى الحقيقة.
بل لأنني توقفت أخيرًا عن الهرب منها.
وبعد
لم يكن هناك سر أكبر ينتظرنا في النهاية.
ولم يكن هناك عقل مدبر خفي كما تخيلت.
كانت الحقيقة أبسط وأقسى من كل الاحتمالات.
أمي أرادت أن تختار حياتي بنفسها.
وجاسم وجد مصلحته في مساعدتها.
وسعاد شاركتهما طمعًا في ما يمكن أن يحصل عليه.
أما زينب فكانت ضحية أخرى استُخدمت في لعبة لم تفهم أبعادها إلا بعد فوات الأوان.
وفي قلب كل ذلك كانت مريم.
تدفع الثمن وحدها.
سنوات كاملة من الإهانة والصمت والخوف.
سنوات كنت أظن خلالها أنني أحمي أسرتي، بينما كنت في الحقيقة غائبًا عنها أكثر مما ينبغي.
رحل جاسم وسعاد من حياتنا.
واعترفت زينب بكل ما تعرفه.
أما أمي فاختارت أن تبتعد بعدما أدركت أن ما فعلته لم يعد ممكنًا إخفاؤه أو تبريره.
ولم يكن إصلاح ما انكسر أمرًا سهلًا.
فبعض الجروح لا تشفى بكلمة اعتذار.
ولا تمحوها السنوات بسهولة.
لكن مريم بقيت.
وبقيت أنا أيضًا.
هذه المرة لا كزوج يكتفي بالصمت، بل كرجل تعلم متأخرًا أن الحب لا يكفي وحده، وأن حماية من نحبهم مسؤولية لا يجوز تأجيلها.
وعندما أنظر اليوم إلى تلك الأيام، أدرك أن أكبر خطأ ارتكبته لم يكن السفر.
ولا الثقة في الأشخاص الخطأ.
بل تجاهل الإشارات التي كانت أمامي
ولهذا كانت الحقيقة مؤلمة.
لكنها كانت ضرورية.
لأن بعض البيوت لا تنقذها الأسرار.
بل ينقذها كشفها.
وكان ذلك نهاية القصة.