رجعت من السفر في عز التلج عشان أعملهم مفاجأة، لقيت بناتي الأربعة الصغيرين قاعدين في الضلمة وبيأكلوا عيش معفن ومليان غل، ومراتي الجديدة لابسة الألماظ وبترقص فوق التربيزة مع غُرب في الصالة!.. الصدمة لجمتني لما بنتي الصغيرة خبت الطبق وقالت لي بدموع مترميهوش يا بابا.. إحنا لسة جعانين وهنأكل براحة!
أول حاجة شريف سمعها أول ما فتح باب الفيلا بتاعته في التجمع كانت صوت مزيكا عالي قوي لدرجة إنه هز الشيش بتاع الشبابيك، وتاني حاجة سمعها كانت السكوت.. مش السكوت العادي بتاع أطفال نايمين في سلام، ده كان السكوت اللي يخلي دم الأب يتجمد في عروقه من قبل ما يعرف السبب. شريف كان واقف في المدخل والتلج بيدوب من على جاكتته، وفي إيده شنط هدايا العيد، ولفترة قصيرة ابتسم وهو بيتخيل بناته الأربعة الصغيرين خارجين يجروا في الطرقة عشان يحضنوه.. هو غاب عنهم ست شهور كاملين؛ شقيان في الشغل وبناء الشركات برة البلد، وكل ليلة بيقول لنفسه إن كل ده عشانهم وعشان مستقبلهم، وعشان العيشة اللي أمهم الله يرحمها كانت عاوزاهم يعيشوها. بس لما فتح الباب الداخلي وشاف الصالة الكبيرة، الصدمة شلته! مراته الجديدة، جيهان، كانت واقفة فوق تربيزة السفرة بفستان سواريه ضيق وقصير، وبتضحك وف إيدها كاس وبتشرب، وحواليها أكتر من تلاتين واحد من المعازيم الغُرب بيصقفوا ويهيصوا تحت رجلينها،
والأكل الفاخر مرمي ومتبهدل تحت الكعوب العالية. جيهان رمت راسها لورا ورشت العصير على الموجودين وزعقت كل سنة وأنتم طيبين يا جماعة!. شريف مكنش قادر يتحرك، ده من شهر فات بس حول لها فلوس كتير عشان تجيب لبس شتوي جديد للبنات، وتجيب أكل صحي، وتدفع للمدرسين والدكاترة.. كل حاجة بناته محتاجينها، كل حاجة ما عدا وجوده هو! ساب الصالة ومشي ناحية الجناح الغربي للبيت، الجناح ده كان ضلمة كحل، والجو فيه ساقعة تلج كأن مفيش فيه دفا. فتح باب أوضة السفرة الصغيرة براحة، الأوضة اللي مراته المرحومة كانت دهناها بإيدها، ولقى بناته الأربعة؛ فريدة، ونور، وجنا، وملك.. أربع توائم عندهم خمس سنين، قاعدين على الكراسي الكبيرة وهم ساندين ضهرهم وخايفين. مكنوش لابسين البيجامات الجديدة اللي جابها لهم، كانوا لابسين جلابيات بيت قديمة وخفيفة، ورجليهم الصغيرة زرقاء من الساقعة، ومفيش قدامهم غير طبق بلاستيك واحد في نص التربيزة، وفيه حتت عيش ناشف ومقرقض، والحواف بتاعته مليانة عفن رمادي وأخضر! وجنب الطبق أربع كوبايات مية من كتر سقعتها عملت قشرة تلج من فوق. شنط الهدايا وقعت من إيد شريف، والصوت خلى البنات يتفزعوا؛ فريدة، أجرأ واحدة فيهم، قربت بسرعة وخبت الطبق بإيديها الصغيرين كأنها خايفة حد يسرقه منها، ونور نزلت استخبت تحت التربيزة، وملك قفلت شفايفها وفضلت تبص للأرض، وجنا
همست بكسرة وخوف إحنا آسفين يا بابا.. شريف حس إن نفسه اتقطع، نزل على ركبته جنب فريدة وسألها بصوت حنين بالعافية يا بنتي.. أنتوا بتأكلوا إيه؟ فريدة رفعت عيونها الواسعة اللي شبه عيون أمها المرحومة وهمست طنط جيهان بتقول إننا بنقلبظ، وبتقول إن البنات في التلفزيون بيأكلوا كده عشان يبقوا حلوين. إيد شريف اتلفت وبقت زي الحجر، وملك زقت الطبق ناحيته بصوابعها اللي بترتعش وقالت أبوس إيدك مترميهوش يا بابا، إحنا لسة جعانين، وهنأكل براحة والله.. بنوعدك. فيه حاجة جوة شريف اِتكسرت في الساكت، وقف وبص للبنات اللي خذلهم، وخرج والصوت جواه قايد نار. دخل الصالة الكبيرة والمزيكا لسة لعلعة، وجيهان شافته متأخر، شريف مشي علطول لعلبة المفاتيح الكهرباء الكبيرة وشد المفتاح العمومي بتاع الصالة كله.. المزيكا ماتت، والأنوار اِطفت، والمكان نزل فيه سكوت مرعب ومفيش غير صوت الأنفاس. جيهان برقت وبصت له وضحكت بسكر وتريقة يا أهلاً.. شوف مين رجع من السفر! شريف بيه، شبح العيد. شريف قال بصوت واطي وراسي يخوف الحفلة خلصت.. والكل برة!. المعازيم بدأوا يلموا حاجتهم وجواكتهم وجريوا على الباب من شكل وِشه، وجيهان نزلت من على التربيزة وهي بتميل على كعبها وقالت أنت متقدرش تصغرني في بيتي!. شريف بص لها ولقى ست غريبة، ست غرقانة في الألماظ والمنظرة وبناته بيموتوا من الجوع والساقعة على
بعد كام أوضة، وقال لها أنتِ سبتي بناتي في الضلمة والتلج، فلوت بوزها وقالت بلاش دراما، هم أكلوا خلاص، فزعق فيها أكلوا عيش معفن؟!.. جيهان وِشها جاب ألوان وقالت بلؤم أنت مدلعهم، دول محتاجين شدة وأدب وعياطهم ده عشان يلفتوا الانتباه بس، فشريف خطى خطوة قرب منها وقال لها وعينه فيها غضب يهد جبال دول عندهم خمس سنين!. فصاحت في وِشه بقسوة ومن صغرهم متدلعين! أنت عارف أنا بشوف إيه وتعبانة إزاي وأنا بربي أربع بنات لوحدي وأنت عايش لي في دور الملياردير العبقري وبتلف العالم؟!.
يا ترى شريف هيعمل إيه مع جيهان بعد الجبروت والغل اللي شافهم بعينه ضد بناته اليتامى؟ وإزاي هينتقم منها ويخليها تدوق الجوع والذل اللي عاشوا فيه وهي لابسة ألماظه؟ وإيه المفاجأة الصادمة اللي شريف هيعرفها عن الفلوس اللي كان بيحولها للبنات وطلعت جيهان بتعمل بيها حاجة متخطرش على بال بشر؟ المواجهة خلاص بدأت، والبيوت اللي مبنية على قهر الأطفال ملهاش غير الهدد!
وقف شريف قدام جيهان وهو لأول مرة في حياته مش شايف الست اللي اتجوزها... كان شايف الحقيقة اللي كان بيهرب منها شهور طويلة.
كل مرة بناته كانوا يكلموه في السفر وصوتهم واطي.
كل مرة كانوا يقولوا إحنا كويسين يا بابا.
كل مرة يسألهم عاوزين حاجة؟
ويردوا بسرعة لأ.
كان فاكر إنهم راضيين.
مكنش يعرف إنهم خايفين.
جيهان حاولت تغير نبرتها
لما شافت