رجعت من السفر فى عز التلج
نظراته.
قالت شريف، أنت فاهم غلط، أنا بس كنت بحاول أعلمهم يعتمدوا على نفسهم.
ضحك ضحكة قصيرة من الصدمة.
يعتمدوا على نفسهم؟ دول خمس سنين يا جيهان.
سكتت.
كمل خمس سنين يعني المفروض أكبر همهم يختاروا لعبة ولا يسمعوا حكاية قبل النوم... مش يخبوا طبق عيش خايفين حد ياخده منهم.
الجملة خلت كل الموجودين اللي لسه مخرجوش يبصوا في الأرض.
جيهان اتوترت لما حست إن صورتها بدأت تقع.
قالت طيب اسأل نفسك أنت كنت فين؟ مش أنت اللي سافرت وسيبتهم؟
الكلمة أصابته في أضعف مكان.
لأن جزء منه كان عارف إنها صح.
هو كان بيبني لهم مستقبل...
ونسي يعيش معاهم الحاضر.
شريف سكت لحظة وقال أيوة. أنا غلطت.
جيهان ابتسمت كأنها انتصرت.
لكن ابتسامتها اختفت لما كمل
بس الفرق بيني وبينك إني هصلح غلطي.
طلع تليفونه واتصل بمديرة المنزل القديمة، الحاجة سامية، الست اللي كانت مع بناته من يوم ولادتهم قبل ما جيهان تصمم تمشيها.
قال لها يا حاجة سامية... محتاجك ترجعي.
ومن غير ما يسألها عن مرتب ولا مواعيد، قالت له البنات كويسين يا شريف بيه؟
السؤال وحده وجعه.
لأن الغريبة سألت عنهم قبل أي حاجة.
بص ناحية جيهان وسألها ليه مشيتيها؟
ردت بسرعة كانت بتدخل في كل حاجة.
لكن صوت صغير جه من ورا الباب.
كانت فريدة.
واقفة وخايفة.
وقالت
السكوت نزل على المكان.
شريف لف لها ببطء.
إيه؟
البنت اتوترت وكأنها قالت سر ممنوع.
جنا مسكت إيد أختها.
ونور قالت بصوت ضعيف طنط سامية كانت بتعمل لنا شوربة لما نجوع.
ملك كملت وبعد ما مشيت... بقينا مانقولش إننا جعانين.
في اللحظة دي، شريف حس إن كل نجاحاته وكل أمواله ملهاش أي قيمة.
لأنه حمى شركاته...
ومعرفش يحمي بيته.
بعد ساعة، الفيلا اتغيرت بالكامل.
الناس خرجت.
الموسيقى سكتت.
والدكاترة وصلوا يطمنوا على البنات.
شريف كان قاعد جنبهم وهما بياكلوا أكل دافي لأول مرة من فترة طويلة.
كان ماسك طبق فريدة وبيقطع لها الأكل قطع صغيرة.
زي ما كان بيعمل زمان قبل السفر.
فريدة بصت له وسألته بابا؟
نعم يا قلب بابا.
أنت هتسافر تاني؟
السؤال كان بسيط.
بس وجعه أكتر من أي كلام.
قال مش زي الأول.
يعني هتقعد معانا؟
مسح دموعه بسرعة وقال أيوة.
ابتسمت لأول مرة.
والابتسامة دي كانت أغلى من كل الصفقات اللي كسبها.
لكن القصة مخلصتش هنا.
تاني يوم الصبح، شريف بدأ يراجع كل الحسابات.
الفلوس اللي كان بيبعتها للبنات.
المصاريف.
الفواتير.
المدارس.
وكانت الصدمة أكبر من اللي توقعه.
مبالغ ضخمة خرجت.
بس مش للبنات.
ملابس غالية.
حفلات.
رحلات.
مجوهرات.
وفي المقابل، اشتراكات البنات وأنشطتهم
حتى دروس الرسم اللي كانت نور بتحبها اتلغت.
شريف قعد قدام الورق ساعات.
مش مصدق.
دخلت جيهان المكتب وهي بتحاول تتكلم بهدوء أنت مكبر الموضوع قوي.
رفع عينه وقال فين فلوس البنات؟
سكتت.
قالت أنا مراتك، وطبيعي أعيش بالمستوى اللي يناسب اسمك.
رد المستوى اللي يناسب اسمي إن بناتي يعيشوا بكرامة الأول.
حاولت تقرب منه بالكلام شريف، إحنا ننسى اللي حصل ونبدأ من جديد.
لكنه هز راسه.
فيه حاجات لما تتكسر مينفعش تتصلح.
بدأ شريف الإجراءات القانونية لحماية بناته وحقوقهم.
مكنش هدفه الانتقام.
كان هدفه إن اللي حصل ميتكررش.
جيهان خرجت من حياته بعد ما ظهرت الحقيقة قدام الجميع.
والأغرب إن الناس اللي كانت حواليها في الحفلات اختفوا أول ما اختفت المظاهر.
اكتشفت إن اللي كانوا حواليها كانوا حوالي الفلوس مش حواليها هي.
أما شريف...
فأخد أصعب قرار في حياته.
قلل سفره.
عيّن إدارة جديدة لشركاته.
وخلى مكتبه الأساسي في مصر.
أول شهر كان صعب.
مكنش يعرف يسرح شعر البنات.
ولا يفرق بين أدوات المدرسة.
ولا يعرف مين بتحب إيه.
بس اتعلم.
عرف إن فريدة بتحب تقرأ.
ونور بتحب الرسم.
وجنا بتحب النباتات.
وملك بتحب تقعد تسمع الحكايات.
كل يوم كان يكتشف بناته من جديد.
بعد سنة.
في نفس يوم رجوعه القديم.
كان
نفس الفيلا.
نفس الجدران.
لكن الروح رجعت.
كان فيه صوت ضحك.
رسومات على الثلاجة.
ألعاب في الصالة.
والحاجة سامية بتزعق كالعادة يا بنات بلاش جري.
دخل شريف وهو شايل أربع علب صغيرة.
كل بنت جريت عليه.
ضحك وقال واحدة واحدة.
وفي الليل، بعد ما ناموا، دخل أوضة مراته الراحلة اللي كان قافلها سنين.
فتح الدولاب.
لقى صندوق قديم.
جواه جواب كانت كاتباه قبل وفاتها.
فتح الورقة وإيده بتترعش.
كان مكتوب
شريف... أنا عارفة إنك هتعمل المستحيل عشان البنات يعيشوا أحسن حياة. بس أوعى تفتكر إن أحسن حياة معناها فلوس بس. البنات مش محتاجين قصر كبير... محتاجين يحسوا إنك جنبهم.
قعد على الكرسي ودموعه نزلت.
لأنها كانت عارفة.
حتى بعد رحيلها كانت بتعلمه.
مرت السنين.
والبنات كبروا.
وفي كل مناسبة كانوا يحكوا عن الليلة اللي بابا رجع فيها.
لكن مش باعتبارها ليلة خوف.
كانوا يسموها
الليلة اللي رجع فيها بابا بجد.
وفي عيد ميلادهم العاشر، فريدة وقفت قدام الضيوف وقالت
بابا زمان كان بيشتغل عشان يدينا كل حاجة... بس دلوقتي بيدينا أهم حاجة.
شريف سألها بابتسامة وإيه هي؟
قالت وقتك.
والكلمة دي كانت النهاية الحقيقية لكل وجع فات.
لأن شريف فهم إن البيوت مش بتحميها الفلوس ولا الجدران العالية...
البيوت بتحميها
ومن يومها، وعد نفسه وعد واحد
مفيش نجاح في الدنيا يستاهل إنه يرجع البيت يلاقي أولاده مستنيينه في الضلمة.
تمت