عندما فازت مريم بجائزة ٥٠ مليون جنيه حكايات محمد عبده
عندما فازت مريم حسن ب 50 مليون جنيه في اليانصيب، حاول والداها إجبارها على إعطاء نصف المبلغ لشقيقتها المدللة داخل العائلة. لكنها رفضت. وفي صباح اليوم التالي، تجمدت في مكانها عندما رأتهم يحرقون ما ظنّوا أنه شيك الجائزة الخاص بها. وقالوا لها إذا لم تشاركي، فلن تحصلي على ولا جنيه. لكنها ضحكت في داخلها، لأن الشيك الذي أحرقوه لم يكن ما يعتقدونه إطلاقًا
إذا لم تعطِ نصف المال لأختك، فأنتِ لا تستحقين ولا جنيه واحد.
هذا ما قالته والدتها، وهي جالسة على رأس المائدة، بصوت بارد وعيون مليئة بغضب لم تره مريم من قبل أو ربما رأته كثيرًا لكنها كانت تتجاهله دائمًا.
مريم حسن كانت قد فازت للتو ب خمسين مليون جنيه.
خمسون مليونًا.
كانت يداها ترتجفان وهي تدخل منزل والديها في مدينة شبرا. كانت تحمل تذكرة اليانصيب داخل كيس بلاستيكي في جيب سترتها، كأنها شيء مقدس يجب حمايته من المطر والعين والحظ نفسه. راجعت الأرقام أكثر من مرة على التطبيق، وعلى الموقع الرسمي، وعلى التلفاز المحلي لم يكن هناك أي خطأ.
مريم حسن، الفتاة التي كانت دائمًا تُعاني، التي تعمل ورديتين في عيادة أسنان، والتي ما زالت تسدد مصاريف دراستها، والتي تقود سيارة قديمة تصدر أصواتًا غريبة أصبحت فجأة تمتلك ثروة قادرة على تغيير حياتها بالكامل.
أول فكرة خطرت لها لم تكن السفر أو شراء منزل فخم
بل أخيرًا سيشعرون بالفخر بي.
لكنها كانت ساذجة.
دخلت وهي تحمل حلوى من المخبز القريب وابتسامة لا تسع وجهها. كان في الغرفة والدها حسن، ووالدتها فاطمة، وشقيقتها الصغرى نورا، المدللة التي لم تكن تغسل كوبًا إلا وتسمع كلمات الإطراء.
عندما عرضت عليهم صورة الفوز، ساد صمت ثقيل.
لم يحتضنها والدها.
لم تفرح والدتها.
نورا لم تقف حتى من مكانها.
أخذت الأم الهاتف وحدقت فيه، ثم نظرت إلى مريم وكأنها ارتكبت جريمة.
هذا ليس لك وحدك، قالت.
كيف يعني؟
هذه نعمة للعائلة،
أومأ الأب قائلاً نورا وزوجها يحتاجان شقة. الإيجارات صعبة. نصف المبلغ يكفيهم لبيت في مدينة العبور.
نورا خفضت رأسها، لكنها كانت تبتسم ابتسامة خفيفة خفية.
نصفه لنورا؟ سألت مريم.
نظرت إليها الأم ببرود أنتِ بلا أطفال، بلا زوج ماذا ستفعلين بكل هذا؟ نورا ستبني أسرة.
شعرت مريم وكأن شيئًا في صدرها انكسر.
لا، قالت.
تغير وجه الأم فورًا.
ماذا قلتِ؟
قلت لا. هذا مالي. أنا من فزت به. كنت سأساعدكم، نعم لكن ليس بهذا الشكل القسري.
ضرب الأب الطاولة بعنف هذا جزاء تربيتنا لك؟
ونورا أيضًا تربت، ولم تُحاسبوا عليها بشيء، ردت مريم بصوت يرتجف لكنه ثابت.
وقفت الأم بحدة المال أفسدك.
لا، للمرة الأولى أنا أختار نفسي.
نورا بدأت بالبكاء أنتِ دائمًا تغيّرين، كنتِ تغارين مني!
ضحكت مريم بمرارة أغار؟ وأنتِ عمرك 30 سنة وما زال أبي يدفع فاتورة هاتفك؟
سكت الجميع.
إما أن توافقي، أو تخرجي من البيت ولا تعودي كأنك من العائلة، قالت الأم بحدة.
كان الألم كبيرًا لكن مريم خرجت.
بعد يومين، وصلتها رسالة
تعالي للبيت. لازم نتكلم. العائلة أهم من الفلوس.
وعادت.
لكن عند دخولها من الممر الخلفي، شمّت رائحة دخان.
في الحديقة، كان والدها يشعل النار في برميل قديم.
ووسط اللهب كان هناك ورق سميك، لامع، يحمل اسمها، يتحول إلى رماد.
ابتسمت الأم وقالت حرقنا شيك اليانصيب إذا لم نستفد منه نحن، لن تستفيدي أنتِ أيضًا.
والأسوأ
أن نورا كانت تقف خلف النافذة، تصور كل شيء بهاتفها وتضحك.
وهنا أدركت مريم أن ما حدث لم يكن النهاية بل البداية فقط.
مريم وقفت مكانها للحظة النار قدامها كانت لسه مولعة، لكن اللي جواها كان أبرد بكتير من الرماد اللي بيتطاير في الهوا.
مشيت خطوة لقدّام ببطء، وبصّت على الشيك وهو بيتفحم قدام عينيها.
وبعدين ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، غريبة، خلت أمها تقول
بتضحكي على إيه؟ لسه فاكرة إن الموضوع هزار؟
مريم رفعت عينيها بهدوء وقالت
لا أنا بس كنت مستنية اللحظة دي.
سكت الجميع.
الأب ضيق عينيه تقصدي إيه؟
مريم خرجت من جيبها ورقة صغيرة تانية مش شيك، ولا تذكرة يانصيب.
كانت إيصال إلكتروني مطبوع من تطبيق اليانصيب الرسمي.
حطته على الترابيزة وقالت
الشيك اللي حرقتوه؟ ده كان نسخة قديمة كنت مطلعاه عشان أراجع البيانات مش هو الأصل.
نورا صرخت بتكذبي!
لكن مريم رفعت هاتفها، وفتحت التطبيق قدامهم.
الفلوس اتحولت بالفعل لحسابي البنكي من 48 ساعة.
سكت البيت كله.
الأم جالها ارتباك لأول مرة إزاي يعني إحنا شوفنا الشيك!
مريم هزّت راسها بهدوء
شفتوا حاجة مطبوعة أنا عاملاها بنفسي عشان أتأكد إزاي هتتصرفوا وكنتم متوقعين إني غبية لدرجة إني أجيب الجائزة وأسيبها في البيت.
الأب اتقدم خطوة يعني إيه؟ بتلعبي بينا؟
مريم ردت بصوت ثابت
لا أنا بس أخيرًا عرفت حقيقتكم.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
أنا كنت ناوية أساعدكم فعلاً. كنت ناوية أشتري بيت، أسدد ديون، أفرحكم. لكن أول ما شفتوا الفلوس ما شفتوش بنتكم، شفتوا بنك يمشي على رجلين.
نورا فجأة قالت بصوت عالي إنتِ هتسيبينا كده؟
مريم بصتلها بابتسامة باردة
أنا ما سبتش حد أنا بس بطلت أكون الضحية اللي بتدفع ثمن دلع غيرها.
الأم حاولت تغير نبرتها بسرعة
يا بنتي إحنا أهلك اللي حصل كان سوء فهم
لكن مريم قاطعتها
لا يا ماما اللي حصل كان خطة. فرق كبير.
وبعدين مدت إيدها على مفاتيحها وقالت وهي ماشية ناحية الباب
الفلوس في أمان وحسابي مقفول كويس. ومفيش حد هيقرب منه.
الأب بصوت غاضب لو خرجتي دلوقتي ما ترجعيش!
مريم وقفت عند الباب، من غير ما تبص وراها
متقلقش أنا من زمان كنت برا البيت وأنا جواه.
وخرجت.
بعد أسبوعين
مريم كانت قاعدة في شقتها الجديدة، هدوء لأول مرة من سنين. الموبايل بيرن باستمرار رسائل اعتذار، طلبات مساعدة، صراخ، لوم
لكنها ما ردتش.
لحد ما وصلها فيديو على واتساب
فتحت.
كانت نورا بتعيط قدام الكاميرا
مريم رجعتنا نعيش في أزمة هي أنانية حرقت حياتنا
لكن في آخر الفيديو الأم قالت جملة خلت مريم تقفل الموبايل فورًا
دي مش أخت دي لعنة دخلت بيتنا.
مريم سابت الموبايل على الترابيزة، وبصّت للسقف بهدوء.
وبهمس قالت
غريب أنا طول عمري كنت بحاول أكون نعمة ليكم
قامت وقفت، وفتحت اللابتوب.
بدأت تبعت رسالة واحدة بس لجهة معينة في البنك
أوقفوا كل التحويلات الإضافية، وابدأوا مراجعة الطلبات السابقة.
ابتسامة خفيفة ظهرت على وشها.
لأن اللي عيلتها ما يعرفهوش لحد دلوقتي
إن جزء كبير من الفلوس اللي كانوا بيحلموا بيها كان لسه تحت التجميد القانوني بسبب نزاع بدأته مريم من أول يوم.
والمعركة الحقيقية لسه ما بدأتش.
يتبع
في اليوم اللي بعده، مريم صحيت على رسالة مختلفة عن كل اللي قبلها.
مش شتيمة مش صراخ
كانت رسالة من رقم مجهول
إحنا من شركة الوساطة القانونية. في بلاغ تم تقديمه بخصوص جائزة اليانصيب. نحتاج حضورك فورًا.
مريم قفلت الموبايل بهدوء، لكنها ما اتفاجئتش.
كانت متوقعة إنهم مش هيسكتوا.
لبست وخرجت.
في مبنى الشركة القانونية
دخلت مريم القاعة وهي شايفة مشهد ماكنتش مستبعداه
أبوها، أمها، ونورا قاعدين قدام محامي، وشكلهم كله ثقة مصطنعة.
أول ما شافوها، نورا وقفت بسرعة
أهي جات! شوفوا بقي اللي عملته فينا!
الأب بصوت حاد
دي بنتنا وبتسرق حق عيلتها!
المحامي رفع عينه باستغراب
سرقة؟ إحنا بنتكلم عن جائزة باسمها قانونيًا.
الأم ضربت الترابيزة
إحنا اللي ربيناها! يبقى لنا نصيب!
مريم قعدت بهدوء على الكرسي المقابل، وقالت
في قانون في الدنيا بيقول إن التربية تمن ملكية؟
سكتوا.
لكن الأب حاول يضغط
إنتِ غشيتينا! ورّيتي لنا شيك مزيف!
مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة
ومين قال إنكم من حقكم تشوفوا أصلاً؟
المحامي فتح ملف قدامه
بعد مراجعة البنك وهيئة اليانصيب الجائزة سليمة ومودعة باسم الآنسة مريم حسن بالكامل. مفيش أي حق قانوني لأي طرف آخر.
نورا صرخت