فستان برتقالي

لمحة نيوز


وكل ما مررت به من إهمال وظلم وسنين طويلة من التضحية دون تقدير، مر أمام عيني. لكنني قررت أن أظل هادئة، وأترك الحقائق تتحدث عن نفسها.

حاول رانيا الهروب من السؤال، وقالت أنا آسفة، الموضوع ده قديم شوية، والتفاصيل كتير، ومش فاكراها دلوقتي

ابتسمت الجدة ابتسامة باردة، وقالت قديم؟ ده حصل السنة اللي فاتت، وكل الصحف كتبت عنه، وحتى فيديو التكريم موجود على الإنترنت. إزاي اللي بيعمل حاجة زي دي ينسى تفاصيلها بسرعة؟

التفتت الجدة ناحيتي، ونظرت إلي بنظرة دافئة ومشجعة، وقالت وأنتِ يا بنتي؟ بما إنك قالت إنك تعرفيها، ممكن تشرحي لنا؟

شعرت بأن جميع الأعين تحولت ناحيتي. شعرت بنظرات الفضول، ونظرات التعجب، ونظرات الانتظار. حتى عريس رانيا ووالديه كانوا ينظرون بتركيز، وبدأت تظهر عليهم علامات الاستغراب والشك.

أخذت نفساً عميقاً، وبدأت أتكلم بصوت هادئ وواضح يسمعه كل من في القاعة المشروع اسمه المدن المستدامة الموفرة للطاقة، والفكرة بتاعته إننا نصمم وحدات سكنية ومرافق عامة بتستخدم مواد بناء صديقة للبيئة، وبتعتمد على الطاقة الشمسية والرياح بدلاً من الكهرباء العادية، وده بيخفض تكلفة المعيشة لأصحاب الدخل المحدود بنسبة كبيرة جداً، وبيحافظ على البيئة في نفس الوقت. الدراسة استغرقت

سنتين، وعملنا فيها مسوحات ميدانية في محافظات مختلفة، واختبرنا المواد في معامل متخصصة، وشاركنا بها في مؤتمر دولي في دبي، وبعدها حصلنا على الجائزة من المجلس الأعلى للبحوث الهندسية.

سكتت لحظة، ثم أكملت بهدوء والجائزة دي، حصلت عليها أنا، مريم عادل، قبل سنة بالظبط، واسمي مكتوب في كل الوثائق الرسمية، وفي الصحف، وعلى موقع الوزارة الرسمي.

انطلقت همسات من جميع أنحاء القاعة. بدأ الناس ينظرون إلى رانيا، ثم إليّ، وبدأوا يربطون بين الكلام وبين ما يرونه. شعرت أمي بالحرج الشديد، وبدأت وجهها يحمر، وحاولت مرة أخرى التدخل كلام فارغ، دي بتتخيل، هي عندها مشاكل في الذاكرة، زي ما قلت لكم

قاطعتها الجدة بحدة لأول مرة مشاكل ذاكرة؟ البنت بتتكلم بكل تفاصيل دقيقة، وبتعرف إسم المشروع، وهدفه، ومراحل تنفيذه، ومكان التكريم. أما اللي قالت إنها صاحبته، فمش عارفة حتى إسمه. إزاي بنصدق إن اللي بتتكلم الحقيقة هي اللي عندها مشاكل، واللي مش عارفة تتكلم هي الصح؟

التفتت الجدة إلى أمي، وقالت بنبرة صارمة وقبل كده، سألت عن جدتكم، وعرفت إن البنت دي هي اللي كانت تروح لها كل يوم، وتقعد معاها، وتدفع مصاريف علاجها من مرتبها الخاص، لما كانت البنت التانية مشغولة دايماً بحجج واهية. عرفت إنها هي
اللي كانت شايلة عبء البيت كله لما أبوها تعب، وهي اللي بنت نفسها بنفسها، وعملت اسمها في مجالها، من غير مساعدة من حد. وكل ده، وانتوا جايين تقولوا إنها مش مستقرة نفسياً؟ ولبستوها فستان غير لائق عشان تظهروها بشكل سيء؟

شعرت بالدموع تتجمع في عيني، لكنني تماسكت. لم أكن أتوقع أن تأتي العدالة من شخص غريب، وليس من أهلي الذين من المفترض أن يكونوا أقرب الناس إليّ.

لم يكتفِ كلام الجدة، بل بدأت تفاصيل أخرى تظهر. كان هناك بين الحضور أحد المهندسين المعروفين، وهو يعمل في نفس المجال، ويعرفني جيداً. تقدم إلى الأمام، وقال بصوت عالٍ أنا أؤكد كلامها. الأستاذة مريم هي مهندسة متميزة جداً، وشركتها معروفة في السوق، والمشروع ده فعلاً من أعمالها، وكلنا نعرف ذلك. أما الأخت العروس، فلم أسمع باسمها أبداً في أي مجال عمل.

ازدادت حدة الموقف، وبدأ أقارب العريس ينظرون إلى رانيا وأمي بنظرات مختلفة. بدأوا يدركون أن هناك محاولة لتضليلهم، وتقديم صورة غير حقيقية عن العروس وعائلتها.

عريس رانيا، الذي كان يبدو هادئاً حتى تلك اللحظة، التفت إليها، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل خيبة أمل كبيرة إيه الكلام ده يا رانيا؟ كل اللي قلتيه لنا عن نفسك، وعن دراستك، وعن إنجازاتك، كان كذب؟

ارتجفت رانيا، وبدأت
تبكي، وحاولت الاعتذار أنا أنا كنت عايزة أكون كويسة في نظركم، كنت خايفة إنكم ترفضوني

ردت عليه والدته، وهي سيدة وقورة أيضاً الحب والزواج مش بيقام على الكذب يا بنتي. كنا هنقبل فيكِ بكل حالك، لو كنتِ قلتي الحقيقة. لكن إنك تاخدي إنجازات أختك وتلبسيها لنفسك، وإنكم تحاولوا تشوهوا صورتها عشان محدش يكتشف الحقيقة، ده شيء مش مقبول أبداً.

نظرت أمي حولها، وشعرت بالخزي الشديد، لكنها حاولت الدفاع عن نفسها بطريقة غريبة ده بس عشان ما نحسدها، وعشان رانيا ما تحس بالنقص

قاطعتها الجدة بقوة عشان ما تحس بالنقص؟ فالنقص بييجي من إنك تاخدي حق غيرك؟ والبنت التانية، اللي تعبت وكافحت، ليه تستحق إنكم تكسروا نفسيتها، وتشوهوا صورتها، وتجعلوها تبدو وكأنها مجنونة؟ ده عدل؟ ده دين؟ ده تربية؟

لم يكن هناك رد. الصمت كان هو الجواب الوحيد. كل الكلام انقطع، وكل الحجج سقطت أمام الحقائق الواضحة.

تقدمت الجدة ناحيتي، ووضعت يدها على كتفي، وقالت لي بصوت دافئ تعالي معايا يا بنتي. مش محتاجة تقعدي هنا في آخر الطاولة، ولا تحسي إنك غريبة. أنتِ ضيفة شريفة، وأنتِ الأقرب للعدل والحق.

سارت معها إلى المكان الرئيسي، وبدأت بعض السيدات المحترمات في العائلة يقتربن مني، ويسألن عن عملي، ويعبرن عن إعجابهن
بما سمعنه. شعرت للمرة الأولى
 

تم نسخ الرابط