فستان برتقالي

لمحة نيوز


وكأنني موجودة، وكأنني إنسان له قيمة، وليس مجرد ظل لأختي.

أما الحفلة، فقد تغير جوها تماماً. الفرح الذي كان يملأ المكان تحول إلى جو من الارتباك والجدال. عائلة العريس اجتمعت في جانب، وتحدثوا مع بعضهم البعض، بينما وقفت رانيا تبكي وتحاول تبرير موقفها، وأمي كانت واقفة صامتة، تشعر بثقل ما فعلته.

في تلك اللحظة، شعرت أن حملاً ثقيلاً جداً قد انزاح من قلبي. لم أعد أشعر بالحاجة لإثبات شيء لأحد، ولا لانتظار التقدير من أهلي. الحقيقة خرجت، والجميع عرفوا من هي مريم، ومن هي رانيا.

بعد مرور وقت، اقتربت مني رانيا، وعينيها مليئة بالدموع، وقالت بصوت واطي مليء بالندم أنا آسفة يا مريم أنا كنت دايماً أحس إنك أحسن مني، وإن الكل بيشوفك أحسن، فكنت بحاول أكون زيك، لكن بطريقة غلط. وماما كانت بتشجعني، بتقولي إنك قوية ومش هتتأثري، وإن ده عشان مصلحتي.

نظرت إليها، وقلت بهدوء الفرق بيننا يا رانيا مش في النجاح، ولا في الشكل، ولا في الحب. الفرق إنك اخترتي الطريق السهل، طريق

الكذب وأخذ تعب غيرك، بدل ما تعملي تعبك بنفسك. وماما غلطت لما شجعتك على الظلم، وغلطت أكتر لما ظلمتني عشانك. لكن كل شيء وصل لنهايته دلوقتي.

اقتربت أمي، وكانت تبدو منهكة ومتأثرة، وقالت بصوت متقطع أنا أنا مش عارفة أقول إيه كنت بحبكم الإثنين، بس كنت شايفة إنك قوية، وإنك تقدري تتحملي، وإن رانيا أضعف، فكنت بحاول أحميها، بس ما كنتش أعرف إنني بظلمك، وإنني بهدم شيء أكبر من كده سامحيني يا بنتي.

شعرت بغصة في قلبي. لم يكن من السهل أن أسامح فوراً، لكنني قلت لها السماح شيء بييجي مع الوقت، لكن المهم إنكم تعرفوا غلطكم. النجاح مش بيتلبس زي الفستان، ولا بياخد من حد. النجاح بيتعمل بتعب وجهد وصدق، والسمعة أحسن من أي فرح أو أي زواج.

لم يستمر الفرح طويلاً بالشكل المخطط له. عائلة العريس قررت تأجيل إتمام مراسم العقد الرسمي، وطلبوا وقتاً للتفكير، حيث شعروا أن هناك غموضاً وعدم وضوح في الأمور. عاد الضيوف ببطء، وكل واحد منهم يحكي ما سمعه ورآه، وانتشرت القصة بسرعة بين المعارف.


أما أنا، فقد غادرت المكان وأنا أشعر براحة لم أشعر بها منذ سنوات. عدت إلى بيتي، وخلعت ذلك الفستان البرتقالي الذي كان رمزاً لمحاولة إهانتي، وارتديت ملابسي العادية، وجلست أفكر في كل ما حدث.

بعد أيام، تلقيت اتصالاً من جدة العريس، طلبت مقابلتي. ذهبت إليها في بيتها الكبير الهادئ، واستقبلتني بكل ترحاب، وقالت لي أنا معجبة جداً بك يا مريم. رأيت فيكِ الصدق، والكرامة، والقدرة على التحمل، والاحترام. وكنتِ هادئة رغم كل ما تعرضتِ له، ولم تحاولي إيذاء أختك رغم ما فعلته.

شكرتها على لطفها، فأكملت أنا سألت عنكِ أكثر، وعرفت إنكِ مهندسة ناجحة، وشركتك تكبر يوماً بعد يوم، وإنكِ بنيتِ نفسكِ بجدارة. وحتى لو لم يتم الزواج بين رانيا وحفيدي، فأنا أعتبركِ إنسانة تستحق كل احترام.

مرت الأيام، واتضح أن الزواج لن يتم. قرر حفيد الجدة أن يتراجع، لأنه شعر أن بداية الحياة الزوجية لا يمكن أن تقوم على الكذب والخداع. تأثرت رانيا كثيراً، وبدأت تدرك أن الطريق الذي سلكته كان خاطئاً
تماماً. بدأت تشعر بالندم الحقيقي، وقررت أن تبدأ من جديد، أن تدرس، وأن تبني مستقبلها بجهودها الخاصة، دون أن تعتمد على أحد أو تسرق مجهود غيرها.

أمي أيضاً تغيرت، وبدأت تعاملني باحترام وتقدير، وبدأت تدرك أن الحب لا يعني التحيز، بل يعني العدل. اعتذرت مني مراراً، وحاولت تعويضي بكل الطرق، وإن كان الجرح لا يلتئم بسرعة، لكن الأبواب بدأت تفتح للحوار والتفاهم.

أما أنا، فقد استمريت في نجاحي، وازدادت ثقتي بنفسي، وازدادت سمعة شركتي. أصبحت مثالاً للكثيرين، وكنت دائماً أقول لمن يسألني لا تسمح لأحد أن يقلل من قيمتك، ولا يسرق مجهودك، ولا يلبسك ثوباً لا يليق بك. الحقيقة وإن طال الزمن، ستظهر، والعدل وإن تأخر، سيأتي. والأهم من كل شيء، أن تكون على طبيعتك، وتعيش بصدق، فهذا هو النجاح الحقيقي.
وهكذا، تحولت محاولة الإهانة والتشويه إلى بداية لظهور الحقيقة، وبداية لعلاقات جديدة مبنية على الاحترام، ودرس كبير تعلمته العائلة بأكملها، وأثبتت أن الكذب لا يدوم، وأن الحق يعلو ولا
يُعلى عليه. 
تمت

 

تم نسخ الرابط