الاعتناء بالمسن لصافى هانى
اتعينت عشان أزور راجل مسن، كفيف، وكان بطل قديم في الجيش، ومقطوع من شجرة.. كنت بروحله كل يوم حد وأعمل نفسي حفيدته. بس بعد ما توفى، المحامي بتاعه بصلي وقالي: "قبل ما يموت، ساب وصية أخيرة بخصوصك إنتي بالذات".
من تلات سنين، حياتي كانت بتتدمر وبتضيع من إيدي.
كنت بطحن نفسي عشان أعدي في الكلية، وبشيل أي شفتات شغل زيادة ألاقيها قدامي. أمي كانت شايلاني أنا وأخويا الصغير لوحدها، وكان كل قرش بيدخلنا بيروح علطول على مصاريف ومستشفيات ودكاترة.
أخويا "يوسف" كان تعبان جداً وحالته الصحية صعبة.
كل شهر كان يجي بـاستشارة جديدة، وعلاج جديد، وفاتورة جديدة مكنّاش بنبقى عارفين هنجيب فلوسها منين.
في ليلة، دخلت المطبخ لقيت أمي قاعدة على الترابيزة ومبلمة لجواب جاي من المستشفى.
منطقتش ولا كلمة.
كل اللي عملته إنها فضلت ماسكة الورقة في إيدها.
وبعدين، ومن غير ولا كلمة، طوت الورقة وحشرتها تحت كومة فواتير تانية مش مدفوعة.
دي كانت أول مرة في حياتي أشوف فيها أمي مكسورة وعاجزة بالشكل ده.
المنظر ده منستوش أبدًا.
عشان كده، بعد
أي حاجة..
دروس خصوصية..
مجالسة أطفال..
تنضيف بيوت..
مكانش يفرق معايا نوع الشغل، إحنا كنا محتاجين فلوس بأي طريقة.
ساعتها لقيت إعلان غريب جداً لدرجة إني كنت هضحك من غرابته.
عيلة غنية كانت بتدور على بنت شابة تقضي يوم الحد من كل أسبوع مع راجل مسن، كفيف، ومن أبطال الجيش القدامى.
والمرتب كان خيالي.. فوق ما أتخيل..
أكتر بكتير من اللي ممكن أعمله في أي شغلانة تانية.
بس كان فيه شرط واحد.
إني أمثل عليه وأفهمه إني حفيدته.
قعدت قدام الشاشة وبصيت للإعلان لفترة طويلة.
جزء مني مكانش مرتاح، وحسيت بالكسوف والخزي.. حسيت إن الموضوع فيه كدب، ويمكن قسوة كمان على راجل كبير.
بس بعدين بصيت لفاتورة المستشفى اللي كانت جنبري على اللاب توب..
ودست على كلمة "تقديم".
بعد أسبوع، اتعينت.
بنت الراجل ده شرحتلي الوضع بالراحة وقالتلي إن والدها فقد بصره من سنين.
وإن حفيدته الحقيقية سابته ومشيت ومبتسألش عليه من زمان جداً.
قالتلي بصوت واطي ومخنوق: "
مكنتش عارفة أرد أقول إيه..
فوافقت وخلاص.
الحد اللي بعده، ركبت عربيتي ورحت لحد بيته.
لسه فاكرة وأنا قاعدة جوة العربية، ماسكة الدريكسيون بإيديا الإتنين وبترعش، وبسأل نفسي: هو أنا كدة بعمل ذنب وجريمة في حق الراجل ده؟
لما خبطت أخيراً، فتحلي راجل عجوز البركة باينة على وشه.
مكانش شايفني..
بس أول ما سمع صوتي، وشه نور وابتسم ابتسامة هدتني.
وقال بطيبة: "جيتي يا حبيبتي؟"
بطني كركبت، وحسيت بغصة في حلقي..
وقلت: "أيوة يا جدي.. أنا جيت".
الكلمة كانت تقيلة أوي في بقي..
حساها فوتوشوب.. كدب.. تمثيل..
كأني بغتصب مكان حد تاني جوة قلبه.
بس هو مد إيده، مسك إيدي، ورحب بيا ودخلني بيته.
في الأول، كل كلمة وكل حوار كان كأنه عرض مسرحي بآدي فيه دوري.
كنت مرعوبة طول الوقت ليكتشف الحقيقة ويحس بالكدب.
بس حصلت حاجة مكنتش متوقعاها خالص.
هو عمره ما شك فيا..
ولا مرة..
بالعكس، ده بدأ يفتحلي قلبه ويحكيلي عن حياته..
حكالي
حكالي عن ندمه، وعن قراراته، وعن الدروس اللي الدنيا علمهاله.
وحد ورا حد، كنت بروحله علطول.
في الأول، كنت بروح عشان محتاجة القرشين..
بعد كدة، بقيت بروح عشان فعلاً عاوزة أشوفه وأطمن عليه.
وفي نص السكة، الكدبة مبقتش كدبة.
الكلام بقى طالع من القلب..
والضحك بقى حقيقي..
والعِشرة والود بقوا بجد.
معدش عدا وقت طويل، وبقيت بروحله مش عشان باخد فلوس..
بقيت بروح لأني شلت همه وبقى غالي عليا.
والراجل الطيب الكفيف ده، بقى من أهم الناس في حياتي كلها.
بعد فترة، صحته بدأت تتدهور وتتراجع.
كل يوم حد، كنت بشوفه أضعف من الأسبوع اللي قبله..
أهدى.. وأقرب للنهاية.
في يوم، وأنا بغطيه بالبطانية وهو قاعد، مسك إيدي جامد وقالي كلمة عمري ما هنساها:
"إنتي خليتي لآخر أيامي في الدنيا طعم وقيمة يا بنتي.. ربنا يجازيكي خير".
كنت هنهار وأعيط قدامه.
بعدها بشهور قليلة، توفاه الله.. ربنا يرحمه.
رحت العزا، وعيطت بحرقة أكتر بكتير ملي كنت أتخيله
مش عشان خسرت شغلانة..
عشان حسيت إني خسرت حد من أهلي بجد.