الاعتناء بالمسن لصافى هانى
بعد العزا بأسبوع، جالي تليفون.
محامي بيطلب مني أروح مكتبه.
قلت أكيد فيه سوء تفاهم أو غلطة في الاسم.
بس مكنش فيه غلطة.
لما وصلت، لقيت كذا حد من قرايب الحاج "صلاح" قاعدين جوة.
الجو كان مشحون، ساقع، وكله نظرات غريبة.
المحامي فتح الفايل اللي قدامه، وبصلي في عيني علطول وقالي:
"قبل ما الحاج صلاح يتوفى، ساب وصية وأمر أخير بخصوصك إنتي بالذات".
كل اللي في الأوضة لفوا وبصولي بنظرات تاكلني.
المكان بقى هسس.. ومحدش بينطق.
وساعتها المحامي كشف عن السر اللي صدم كل واحد كان قاعد في المكتب ده...
المحامي سكت لحظة، وبص في الورق اللي قدامه وقال بصوت عالي وواضح:
"الحاج صلاح ساب قرار ومحدش يراجعني فيه.. هو وهب البيت الكبير، وحساب البنك باللي فيه، لـ (نور)، حفيدته اللي وقفت جنبه في آخر أيامه".
أول ما المحامي نطق الاسمي اللي كنت بستخدمه معاه، الأوضة اتكهربت. بنته وقفت على رجلها وبدأت تصرخ:
"إزاي؟ دي واحدة غريبة! إحنا جايبينها بفلوسنا عشان تمثل عليه! بابا كان كفيف وميعرفش شكلها، دي نصابة وضاحكة عليه!"
المحامي رفع إيده وهداهم وقال ببرود: "الحاج صلاح مكانش مغيب يا جماعة.. اسمعوا الرسالة اللي كاتبها بنفسه في الوصية".
المحامي عدل نظارته وبدأ يقرأ كلام الحاج صلاح:
"أنا صلاح.. بكامل قوايا العقلية، وعارف أنا بكتب إيه وبمضي على إيه. أنا كنت كفيف البصر، بس عمري ما كنت كفيف البصيره.. من أول حد جيتي فيه يا بنتي، وأنا عارف إنك مش حفيدتي الحقيقية. حفيدتي صوتها ونبرتها وطريقتها عمري ما أنساهم.. وعارف إن أهلي جايبينك عشان يريحو ضميرهم من ناحيتي.
بس أنا سكت.. سكت لأني لقيت فيكي الحنية اللي ملقتهاش في صلب دمي.. لقيت بنت أصيلة، بتسمعني بحب، وبتضحك معايا بجد، وبتشيل همي من غير زهق. إنتي مجبرتيش خاطري عشان الفلوس، إنتي جيرتي خاطري كإنسان.. والفلوس دي مش تمن شغل، ده رزق ربنا بعتهولك عشان طيبة قلبك، وعشان تعوضي والدتك وأخوكي اللي كنتي بتحكيلي عنهم وإنتي فاكراني مش واخد بالي. ربنا يجعله حلال عليكي يا بنتي.. وأنا مسامحك، وادعيلي بالرحمة".
أنا واقفة دموعي نازلة مغرقة وشي.. مش قادرة أصدق. الراجل الطيب ده كان عارف كل حاجة
بصيت لولاده وبنته اللي كانوا باصين للأرض من الكسوف والصدمة، ومحدش فيهم قدر ينطق ولا كلمة بعد ما سمعوا كلام أبوهم.
خرجت من المكتب وأنا مش شايفة قدامي من البُكا، بس المرة دي كنت بَبكي من الفرحة والراحة.. الفلوس دي هتعالج يوسف أخويا، وهتريح أمي من شقا السنين.
رفعت راسي للسما وقلت: "يا رب ارحمه واغفر له واجعل طبطته على قلبي في ميزان حسناته".. وعرفت ساعتها إن اللي بيتاجر مع ربنا بالنية الصافية وجبر الخواطر، عمره ما بيخسر أبداً.
المحامي قفل الفايل وبص للكل وقال: "الوصية دي واجبة النفاذ شرعاً وقانوناً، ومفيش فيها أي ثغرة."
أنا مكنتش سامعة أي حاجة من الخناق والزعيق اللي داير حواليا.. كنت حاسة إن الدنيا بتلف بيا. نزلت على الركبة ودموعي بتنزف على الأرض، مش مصدقة إن الراجل الطيب ده كان شايل كل ده في قلبه، ومفهمني إنه مش عارف حاجة بس عشان ميريحني وميجرحنيش.
قمت وقفت وبصيت لولاده وبنته اللي كانوا هيموتوا من الغل، وقلت لهم بصوت كتم الأوضة كلها:
"أنا مكنتش أعرف إنه عارف.. والكلب اللي فيكم فاكر إني جاية أسرق، أنا كنت ببيع يومي عشان أجيب دوا لأخويا وبس. لكن الحاج صلاح كبرني وكبر أهلي، وفلوسه دي هتروح في مكانها الصح.. علاج أخويا."
لميت حاجتي وخرجت من المكتب وأنا مش شايفة قدامي من البُكا. ركبت عربيتي المتهالكة، وقبل ما أدورها، سجدت على الدريكسيون وفضلت أعيط وأشكر ربنا.. ربنا الصادق اللي قال: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.
كل مليم وكل شقا وشيل هم عشتهم مع الراجل ده، ربنا ردهملي في لحظة عشان يرفع راس أمي ويشفي أخويا "يوسف" من غير ما نمد إيدنا لحد.
أول ما وصلت البيت، فتحت الباب ولقيت أمي قاعدة بتصلي وبتدعي.. ارتميت في حضنها وفضلت أصرخ وأقولها: "خلاص يا أمي.. ربنا فرجها من وسع.. يوسف هيتعالج، وحقك وشقاكي مش هيروح الأرض."
بعد سنتين من اليوم ده..
أخويا يوسف الحمد لله عمل عملياته وبقى واقف على رجله زي الفل، وبدأ يرجع لحياته ودراسته. وأمي مبقتش تشيل هم لقمة العيش ولا الفواتير اللي تحت البلاطة، ورجعت ضحكتها تنور البيت من تاني.
أما
وعرفت ساعتها إن العِشرة الطيبة وجبر خواطر الناس الطيبة، تجارة مع ربنا.. والتجارة مع ربنا عمرها ما بتبور.
ومرت الأيام، وبقيت كل ما أبص لـ يوسف أخويا وهو نازل كليته بكامل صحته، أو أشوف أمي وهي قاعدة بالها مرتاح وبتدعيلي وسجادتها مفرودة، أفتكر الحاج صلاح.. أفتكر الراجل اللي ربنا بعتهولنا نجدة من السما.
في يوم، كنت قاعدة مع أمي بنشرب شاي، لقيتها بتبصلي وبتطبطب على إيدي وبتقول: "عارفة يا بنتي؟ أنا لغاية دلوقتي مش مصدقة اللي إحنا فيه.. بس دايماً أقول سبحان العاطي الوهاب، ربنا بيسبب الأسباب من أوسع الأبواب".
رديت عليها وأنا مبتسمة: "الحمد لله يا أمي.. ده كله بفضل دعواتك، وعشان الحاج صلاح الله يرحمه ربنا جعلنا سبب نجبر خاطره في آخر أيامه، فربنا جبر بخاطرنا أضعاف".
من الفلوس اللي سابهالي، خصصت جزء كبير كـ "صدقة جارية" على روحه.. عملنا بئر مية في منطقة محتاجة، وشاركت في تجهيز مستشفى للأطفال، وكل ما بروح هناك بكتب اسمه على تبرعات الخير.. كنت حاسة إن ده أقل واجب أقدر أقدمه لروحه الطاهرة، وإن الود اللي بيننا منقطعش بموته، بالعكس، ده لسه مستمر.
وفعلاً، اتعلمت درس عمري ما هنساه طول ما أنا عايشة في الدنيا دي:
إن البيوت مبتتبنيش بالفلوس، البيوت بتتستر بالنية الصافية.. وإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء. ربنا لما بيعوز يراضيك، بيسخرلك الأرض ومن عليها، ومفيش حاجة بتضيع عند ربنا.. كل سجدة، وكل دمعة في جوف الليل، وكل هم شيلته وأنت صابر وبتقول "يا رب"، ربنا بيجازيك عليه فرحة تبكيك من كتر جمالها.
الحكاية مكنتش حكاية كدبة اتحولت لحقيقة.. الحكاية كانت تدبير رباني عظيم، جمع بين راجل طيب كان محتاج حنية وونس في آخر أيامه، وبين عيلة غلبانة كانت بتموت من شيل الهم ومحتاجة نظرة عطف من الرزاق.. والحمد لله، ربنا جمعنا على خير، وختمها لنا بالستر والرضا.
وفي يوم من الأيام، وأنا
لفيت وبصيت، لقيتها بنته.. "نهى".
كانت واقفة وعينيها مليانة دموع، مفيش في عينيها الغل ولا الغضب بتاع يوم مكتب المحامي. قربت مني وقالتلي ونبرة صوتها كلها ندم:
"أنا بقالي سنة كاملة باجي هنا كل يوم حد، من بعيد لبعيد، عشان أشوفك وأنتِ قاعدة جنبه.. كنت مستنية الشجاعة عشان أعتذر لك. إحنا يومها كنا عميان بجد يا نور.. كنا عميان بالفلوس وبالدنيا، ومشفناش إنك عملتِ مع أبويا اللي إحنا، صلب دمه، معرفناش نعمله".
بصيت لها وسكتّ.. مكنتش شايلة منها غل، لأن الوجع اللي عشته زمان علمني إن الدنيا أصغر من إننا نشيل فيها من حد.
قالتلي وهي بتمسح دموعها: "أبويا مكنش ظالمنا يا نور، هو كان سايب لنا بيوتنا وحقنا الشرعي وزيادة، بس البيت الكبير ده وحسابه الخاص كان شايلهم للي يستاهلهم.. للي ونس وحشته. أنا جاية أقولك سامحينا.. ومتقطعيش زيارتك ليه، لأن روح أبويا مابتفرحش غير وأنتِ هنا".
ابتسمت لها وقلت لها بهدوء: "أنا مسمحاكم من زمان يا فندم، والحاج صلاح الله يرحمه هو اللي علمنا المسامحة.. والزيارة دي مش هقطعها طول ما فيا النفس، لأن ده جدي.. جدي اللي ربنا كرمني بيه".
سيبتها ومشيت وأنا حاسة إن الدايرة قفلت بالخير والرضا من كل ناحية. ربنا مش بس رزقنا بالمال وعالج أخويا وسترنا، ده كمان طيب قلوب الناس اللي كانت بتكرهنا، ورجع لكل واحد حقه بالعدل والرحمة.
النهاردة، وأنا بقفل الحكاية دي، حابة أقول لكل واحد شايل هم، ولكل بنت بتنام ودموعها على المخَدة من ضيق الحال، ولكل أم بتفكر هتعالج أولادها إزاي بكره:
إياك تظن إن ربنا ناسيك..
ساعات ربنا بيحطك في طريق صعب، وبيقفل في وشك أبواب كتير، مش عشان يعذبك، لأ.. عشان بيجهزك للنقلة الكبيرة اللي هتعوض عمرك كله. خلي نيتك صافية، واجبر خاطر الغلبان والمحتاج بكلمة طيبة أو بابتسامة، وسيب الباقي على اللي عينه مش بتنام.
الحكاية بدأت بإعلان غريب ودموع في المطبخ.. وخلصت ببيت مليان رضا، وأخ واقف على رجله، وسيرة طيبة مابتنقطعش.
"فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا".. لأن