مرات ابني

لمحة نيوز


أبيض وأسود.
وصورة في النص خلت إيدي تقع من الصدمة.
عامر وهو طفل صغير بس مش لوحده.
كان واقف قدامه رجل غريب ماسك إيده، ووراهم ست باينة عليها ملامح مألوفة بشكل مخيف مراته هبة، بس أصغر بكثير.
اتسمرت مكاني.
إزاي؟ الصور دي من إمتى؟ وليه متخبّية تحت البلاط في أوضتي أنا؟
قلبت باقي الصور بسرعة وفي آخر صورة كان فيه ورقة مطوية، بخط إيد جوزي المتوفي.
فتحتها بإيد بتترعش.
لو في يوم حصل اللي أنا خايف منه يبقى لازم تعرفي الحقيقة عن ابنك، وعن اللي اتربّى عليه من غير ما يحس.
وقفت مكاني كأني اتجمدت.
الصوت الوحيد اللي كان في دماغي حقيقة إيه؟ ابنّي اتربّى على إيه؟
وفجأة الموبايل رن.
رقم عامر.
بصيت للشاشة ومقدرتش أرد.
بس اللي خلاني أترعش أكتر رسالة وصلت بعدها بثواني
ماما ارجعي المستشفى. ياسين بيسأل عليكي وبيقول كلام غريب عن اللي حصل في البيت.
اتسمرت.
وقبل ما أتحرك من مكاني، سمعت خبط خفيف على باب الشقة.
خبط كأنه مش مستعجل.
بس وراه صوت طفولي ضعيف قال
تيتا أنا مش عايز أروح معاهم تاني
والباب لسه مقفول وقفت مكاني لحظة يمكن ثواني، بس حسّيتهم أطول من عمري كله.
صوت الخبط على الباب اتكرر، أخف شوية المرة دي وبعده نفس الصوت الطفولي
تيتا افتحي أنا خايف
قلبي اتكسر قبل ما إيدي تتحرك.
قربت من الباب ببطء،

وفتحت.
كان ياسين واقف لوحده.
من غير أبوه من غير أمه.
دراعه متجبس، ووشه شاحب وعيونه مليانة دموع، بس مش دموع وجع الكسر دي دموع خوف.
مسك في رجلي فورًا وقال بصوت مبحوح
ماما هبة قالتلي إن أنا السبب وإنك مش بتحبيني زي الأول وإنك مش عايزاني أجي عندك تاني
اتجمدت.
في اللحظة دي، كل الغضب اللي كان جوايا بدأ ينهار.
شيلته بهدوء وضمّيته لصدري، وقلت له بصوت واطي
إنت عمرك ما تبقى سبب في أي وجع يا حبيبي
بس عيني كانت بتبص على الورق اللي في إيدي التانية.
الرسالة.
والصور.
وحاجة جوايا بدأت تفهم إن اللي بيحصل مش مجرد خناقة عيلة.
قفلت الباب وانا شايلة ياسين، وقعدته على الكنبة، وغطّيته كويس.
بعدين فتحت الورقة تاني، وركزت أكتر.
وفي آخر السطر، كان فيه جملة خلت دمي يتجمد
لو عامر رجع يوم ورفضني أو بعدني عنك اعرفي إنه مش بيتصرف بإرادته.
رفعت عيني فجأة ناحية الطفل.
مش بإرادته؟
قبل ما أكمل تفكير الموبايل رن تاني.
عامر.
ردّيت أخيرًا.
جاي صوته متوتر، مختلف عن قبل
ماما متسيبيش ياسين عندك ومتفهميش أي حاجة غلط في حد لعب في دماغنا كلنا لازم أشرحلك بس مش في التليفون.
سكت لحظة، وبعدين قال جملة أخافتني أكتر من أي صراخ
إنتي لسه شايفة الصور اللي تحت البلاط؟
اتسمرت.
إنت كنت عارف؟
قبل ما يرد، سمعنا خبط جامد
على الباب تاني لكن المرة دي مكنش صوت طفل.
كان صوت راجل غريب بيقول من بره
افتحي يا مدام الموضوع أكبر من ابنك وحفيدك إحنا محتاجين نتكلم في اللي جوزك خبّاه قبل ما يموت.
ياسين مسك إيدي جامد.
والبيت اللي كان ساكت سنين
ابتدى يتفتح على سر كبير أول مرة يطلع للنور وقفت مكاني إيدي على الباب وإيدي التانية ماسكة ياسين.
مين حضرتك؟ صوتي طلع أهدى مما أنا حاسة بيه.
من بره جه الرد بسرعة
مش مهم أنا مين دلوقتي المهم إن اللي جوا إيدك ده يخص جريمة مش بس عيلة.
كلمة جريمة خبطت في ودني زي طلق ناري.
عامر في التليفون كان ساكت لحظة، وبعدين قال بصوت مكسور
ماما افتحي له هو الوحيد اللي هيقدر يشرحلك من غير ما الدنيا تكمل تقع.
بصيت على ياسين الطفل كان بيترعش.
فتحت الباب ببطء.
دخل رجل في منتصف الخمسينات، شكله مرهق، عينيه فيها تعب سنين، وفي إيده ملف قديم.
قفل الباب وراه بهدوء وقال
أنا كنت شغال مع أبو عامر الله يرحمه وكنت عارف إنه مخبي حاجات كتير في البيت ده.
قعد من غير ما يستأذن، كأنه خايف الوقت يهرب منه.
حط الملف على الترابيزة وقال
الصور اللي لقيتيها مش عائلية دي كانت مراقبة. ومش من باب الفضول دي كانت عشان حماية.
رفعت حاجبي بصدمة
حماية؟ حماية من إيه؟
سكت لحظة، وبعدين قال
من هبة.
بصيت له بعدم تصديق.

مراته؟
هز راسه ببطء.
هبة مش زي ما أنتم فاكرين أبو عامر كان شاكك من سنين إنها ليها علاقة بشبكة نصب كبيرة، وكانت بتحاول تقرّب من العيلة عشان الورث مش الحب.
حسّيت الأرض بتلف.
بصيت لياسين اللي حضني الطفل اللي شايفه بريء من كل ده.
والطفل؟ صوتي اتكسر.
الرجل رد بهدوء
الطفل هو الحلقة الوحيدة اللي محدش قدر يلعب بيها لحد دلوقتي عشان كده حصلت المشكلة النهاردة. الوقعة دي كانت غلطة بس اللي اتبني بعدها كان خطة.
سكت.
وبعدين كمل
عامر مش بيكرهك يا حاجة عامر بيحاول يحميكي من مراته بس الطريقة خرجت غلط، واتبهدلت الدنيا.
الموبايل رن تاني.
ردّيت وأنا إيدي بتترعش.
صوت عامر كان أقرب للبكاء
ماما أنا غلطت لما كسرتك بكلامي بس لو خرجتي من البيت دلوقتي، هبة هتوصللك قبلنا كلنا.
سكت لحظة.
وبعدين قال جملة أخيرة
والملف اللي معاك ده هو الحاجة الوحيدة اللي ممكن تثبت كل حاجة.
بصيت للملف.
وبصيت لياسين.
وبصيت للراجل.
وحسّيت لأول مرة إن اللي جاي مش مجرد مواجهة بين أم وابن
ده مواجهة بين حقيقة اتدفنت سنين وناس مستعدة تقتل عشان تفضل مدفونة الراجل فتح الملف قدامي واحدة واحدة، كأنه بيقصد يخليني أتحمل الصدمة على مراحل.
صور، مستندات، تسجيلات مكالمات قديمة مطبوعة.
وكل صفحة كانت بتقلب اللي جوايا أكتر من اللي قبلها.

وبعدين وقف عند ورقة معينة وقال
دي أهم واحدة
قرّبها مني.
كان مكتوب فيها اسم جوزي المتوفي وتحت اسمه توقيع
 

تم نسخ الرابط