مرات ابني
هبة.
اتسمرت.
توقيعها إزاي؟ دي كانت لسه صغيرة وقتها!
الراجل رد بهدوء قاتل
مش وقتها ده بعد ما كبرت. وبعد ما بدأت الخطة.
حسّيت ياسين بيشد في هدومي أكتر، كأنه حاسس إن الصوت عالي حتى لو محدش بيعلي صوته.
الموبايل رن تاني عامر.
بس المرة دي ما لحقتش أرد.
صوت خبط جامد جدًا على الباب مختلف عن الأول.
خبط متعصب.
وبعدين صوت هبة من بره، لكن مش نفس النبرة اللي كنت أعرفها كان فيها ارتباك وخوف
افتحي الباب في حد دخل عندك؟ الراجل ده كداب!
اتجمدت.
وبصيت للراجل اللي جوا.
قال بهدوء
اتأخرت.
قمت من مكاني وأنا قلبي بيدق بسرعة.
إنتوا عايزين إيه مني بالظبط؟ أنا ست مكسورة ومش فاهمة حاجة!
الراجل بص لياسين وبعدين بص لي وقال
إنتِ الوحيدة اللي جوزك كان واثق إنها هتقدر تحمي الورق ده لحد اللحظة دي لأنه كان عارف إن يوم ما الحقيقة تطلع، هيبدأوا يقتحموا أي مكان يوصلوا له.
خبط الباب زاد أكتر.
افتحي يا ست! صوت هبة بقى أعلى.
وفجأة
سمعنا صوت حاجة بتتكسر في مدخل العمارة.
خطوات طالعة بسرعة على السلم.
الراجل وقف بسرعة وقال
مفيش وقت.
مد إيده للملف وقال
لو فتحتي دلوقتي هيتاخد منك. ولو اتاخد هتخسري كل حاجة، حتى ابنك.
بصيت له بصدمة
ابني؟ عامر؟ ولا ياسين؟
قبل ما يرد
الباب اتخبط بقوة خلت القفل يهتز.
وصوت عامر جه من بره لأول مرة، عالي ومتوتر
ماما افتحي الباب فورًا في ناس مع هبة وده مش بيتنا بس اللي بيتحاصر ده إحنا كلنا.
سكت ثانية.
وبعدين قال الجملة اللي جمدت الدم في عروقي
اللي بره مش جايين يتكلموا دول جايين ياخدوا الملف بأي طريقة.
والباب بدأ يفتح من ضغط خارجي الباب بدأ يتهز أكتر صوت المفصلة بيصرخ كأنه على وشك ينكسر.
إيدي غريزةً مسكت ياسين أكتر، والملف كان بين إيدي وإيد الراجل.
اختاري بسرعة قالها وهو بيبص ناحية الباب.
الخبط بقى ضربات واضحة حد بيحاول يكسر القفل مش بس يفتحه.
وفجأة صوت عامر علي من بره
ماما
اتجمدت.
أقفل؟ وهو إنت بره بتعمل إيه؟
الراجل رد بسرعة قبل ما أتكلم
هو كان بيحاول يمنعهم يوصلوا ليكي أصلاً بس واضح إنهم سبقوه.
صوت تكسير معدن.
القفل بدأ يفلت.
هبة صرخت من بره
دي مش حاجة تخصك يا ست افتحي قبل ما نخلي الموضوع أسوأ!
وفي اللحظة دي
ياسين بصلي فجأة وقال بصوت صغير
تيتا أنا خايف
نظرت له.
الطفل اللي لسه خارج من كسر، ومن صدمة، ومن كلام سمّ واقف شايف الدنيا كلها بتتقلب.
قعدته بسرعة وقلت له
متخافش طول ما إيدي في إيدك، مفيش حاجة هتأذيك.
بس الحقيقة أنا اللي كنت مرعوبة.
الراجل قرب مني وقال بسرعة
لو فتحوا غصب هياخدوا الملف وهيقلبوا البيت. الحل الوحيد إننا نطلع من الباب التاني.
بصيت له
باب تاني؟ ده شقة مش قلعة!
هز راسه ناحية باب المطبخ
أبو جوزك كان عامل مخرج قديم محدش يعرفه غيره.
سكت ثانية.
وكان متأكد إن اليوم ده جاي.
ضربة قوية خلت الباب الرئيسي ينخلع نص خلع.
الصوت كان أقرب من أي وقت فات.
يلا! صرخ الراجل.
مسكت ياسين وجرينا ناحية المطبخ.
بس قبل ما نوصل
لمحت من طرف عيني
الباب الرئيسي اتفتح أخيرًا.
وهبة دخلت أول واحدة ووراها ناس مش معروفين، وشوشهم مش مريحة، وعيونهم كلها بتدور على حاجة واحدة بس.
الملف.
وفي نفس اللحظة
صوت عامر من آخر السلم كان بيصرخ
مامااااا!
لكن خلاص
البيت اتقسم في ثانية.
بين ناس بتجري ورا السر
وأم بتحاول تهرب بحفيدها
وحقيقة لسه أول مرة بتطلع للنور جرينا ناحية المطبخ، والراجل قدامنا بيفتح درج قديم في الحيطة كأنه حافظه عن ظهر قلب.
هنا بسرعة! قالها وهو بيزق لوح خشب صغير في الأرض.
فتحة ضيقة ظهرت، سلم حديد قديم نازل لتحت.
ريحة رطوبة وتراب طالعة منه كأن المكان مدفون من سنين.
ورا ضهرنا كان صوت خطوات بتقرب وصوت هبة بيزيد
هو فين؟ أنا عارفة إنه هنا!
وصوت حد غريب معاها
اقفلوا المخارج كلها الملف ما يخرجش!
عامر كان بيحاول يصرخ
سيبوها!
بس صوته كان بيتكسر وسط الزحمة.
الراجل شد إيدي بسرعة
انزلي الأول، وشيلي الولد كويس!
نزلت أول درجة، ياسين متعلق في رقبتي، وقلبي بيخبط كأنه عايز يطلع من صدري.
كل خطوة تحت كانت بتبقى أضلم وأبرد.
وفجأة فوقنا صوت كسر أقوى.
الراجل لسه فوق.
بصلي من الفتحة وقال بسرعة
خدي الملف ومتفتحيهوش غير لو وصلتي لمكان آمن!
ورماه عليا.
مسكته بإيدي وضمّيته لصدرى.
وانت؟ صرخت.
ابتسم ابتسامة صغيرة مرهقة
أنا دوري اتكتب من زمان دورك لسه بيبدأ.
وقبل ما أرد
الفتحة اتقفلت فوقه.
ضلمة.
صوت خناق وضرب جوا الشقة بدأ يختفي تدريجي.
نزلت درجات السلم الحديدي بسرعة، ياسين بيبكي بصوت مكتوم.
تيتا إحنا بنروح فين؟
هنطلع لمكان محدش يقدر يوصلنا فيه.
بس الحقيقة أنا ماكنتش عارفة أنا رايحة فين.
بعد دقايق، الباب الحديدي تحت فتح على ممر ضيق قديم بيطلع على شارع جانبي مهجور.
هوا الليل كان بارد، والشارع فاضي.
وقفت لحظة أبص ورايا.
مفيش حد طلع.
ولا صوت.
بس فجأة الموبايل في جيبي رن.
رقم عامر.
اترددت.
ردّيت.
صوته كان مكسور، لكن أوضح من أي وقت
ماما إنتي فين؟
سكت لحظة، وبعدين قال الجملة اللي خلت إيدي تتجمد
هبة مش هي اللي كنا فاكرينها بس واللي دخلوا البيت مش ناس عادية.
بلعت ريقي بصعوبة
يعني إيه؟
سكت هو لحظة وبعدين قال
يعني اللي بدأ في البيت ده مش خلاف عيلة.
ده ملف دولة.
وفي اللحظة دي
من بعيد في آخر الشارع، لمحت عربية سوداء بتقفل الطريق ببطء.
وأنوارها اتفتحت علينا العربية السوداء وقفت قدامنا بالظبط، كأنها كانت عارفة إحنا هنخرج منين.
بابها اتفتح ببطء.
ونزل منها راجل لابس بدلة غامقة، ملامحه هادية زيادة عن اللازم الهدوء اللي يخوف مش يطمن.
بصّ عليا، وبعدين على ياسين، وبعدين على الملف اللي في إيدي.
وقال
بصوت منخفض
اتأخرتي كتير الملف ده مش مكانه في إيدك.
رجلي اتجمدت.
الموبايل في إيدي لسه مفتوح على عامر، وصوته
ماما متثقيش فيه! اسمعيني بس!
الراجل اللي قدامنا قرب خطوة واحدة وقال
ابنك كان المفروض يفهم إن الموضوع أكبر من أي أمومة وأكبر من أي عيلة.
شدّ إيدي على ياسين أكتر وقلت
أنا مش هسلم أي حاجة لحد.
ابتسم ابتسامة خفيفة
مش مطلوب تسلمي مطلوب بس ترجعي اللي مش بتاعك.
وفي اللحظة دي
صوت عربية تانية ظهر من الناحية التانية من الشارع، ووقفت بعنف.
نزل منها عامر.
وشه كان متبهدل، نفسه سريع، وعينيه مليانة خوف وغضب.
ابعد عنها! صرخ فيها وهو بيجري ناحيتنا.
الراجل اللي في البدلة ما اتحركش.
بس قال جملة واحدة
اتأخرت يا عامر القرار اتاخد.
عامر وقف بيني وبينه.
ماما اسمعيني دلوقتي الملف ده لو اتفتح بالناس الغلط مش هيضيع عيلة هيضيع مدن.
بصيت له وأنا مش قادرة أستوعب
يعني كل ده وأنا اللي كنت فاكرة نفسي أم محتاجة تعيش عند ابنها؟
سكت لحظة.
وبعدين ابتسم ابتسامة متعبة
إنتي كنتي المفتاح من الأول بس إحنا اللي تأخرنا نقولك.
الراجل شدّ إيده ناحية جيبه
وفي نفس اللحظة عامر صرخ
ارمي الملف في الأرض!
كل حاجة وقفت ثانية.
هواء الشارع، أنفاسنا، صوت ياسين اللي بيبكي.
وبعدين
العربية اللي وراهم فتحت أبوابها تاني، وظهر منها ناس تانية.
المشهد كله بقى محاصر.
عامر بصلي وقال بصوت هادي لأول مرة
ماما اختاري دلوقتي.
نظرت للملف لياسين لابني للعالم اللي حوالينا.
وبإيد بترتعش
سحبت نفس عميق.
ورميت الملف في نص الطريق.
سكتوا كلهم.
حتى الريح.
الراجل في البدلة فتح عينيه لأول مرة بصدمة حقيقية.
وفي اللحظة دي
عامر مسك إيدي وقال
الاختيار الصح مش دايمًا آمن بس هو اللي بيكسر الدائرة.
والعربيات بدأت تتحرك ببطء لكن بدل ما تقرب
بدأت ترجع لورا.
واحدة واحدة اختفوا في الظلام.
الشارع رجع هادي.
بس الحقيقة ما اختفتش.
بصيت لابني
وبصيت لحفيدي.
وفهمت لأول مرة إن اللي اتكسر في البيت مش باب ولا ثقة
ده تاريخ كامل كان متغطي بالسكوت.
عامر قرب مني وقال بهدوء
تعالي نبدأ من جديد بس المرة دي من غير أكاذيب.
مسكت إيده.
ومشيت معاه.
والملف
فضل مرمي في نص الطريق كأنه نقطة نهاية لسر كبير.
أو بداية لسر أكبر لسه ما اتفتحش.