من شهرين فاتوا
عاشت تكبّر فيه. هزت راسها وغمضت عينيها تاني وهي بتدعي في سرها.
سيبتها ترتاح وخرجت بره الأوضة، لقيت الملازم أول أحمد، من نقطة المستشفى، واقف مستنيني ومعاه دفتر المحاضر. أول ما شافني وقف انتباه وضرب التعظيم تمام يا فندم. المحضر جاهز على التوقيع، والنيابة أخطرت وقوة من القسم راحت على الشقة بناءً على توجيهات سيادتك.
أخدوا العينات من الشقة؟ سألته وأنا بربط زراير جاكيت بدلي.
تمام يا فندم، رجالة الأدلة الجنائية حرزوا علبة الدوا، وبواقي الشربات اللي في المطبخ، وأقوال الجار عم حلمي اتثبتت في المحضر رسمي. المتهمين دلوقتي في القسم بيتحقق معاهم.
هزيت راسي وقلت له يا أحمد، المحضر ده يتوجّه فيه تهمة الشروع في القتل مع سبق الإصرار والترصد، والسرقة بالإكراه. مفيش ثغرة واحدة تفوت، مفهوم؟
مفهوم يا فندم، اعتبره حصل.
نزلت على قسم الشرطة بنفسي. أول ما دخلت، رئيس المباحث وقف رحب بيا ودخلني مكتبه. طلب لي قهوة وسألني بأسف والله يا فندم أنا مش عارف أقول لسيادتك إيه.. الشاب طمع وعمى عينيه، وبسمة مراته هي اللي كانت بتوزّه على كل ده عشان خايفة من الحبس في موضوع الشيكات.
أنا عايز أشوفه، قلتها بجمود.
دخلت أوضة الحجز. كريم كان قاعد في الركن، هدومه متبهدلة، ووشه في الأرض. أول ما سمع صوت جزمتي رفع راسه وجري على السلك بابا! عشان
وقفت قدامه، حاطط إيدي في جيبي، وبصيت له بنظرة خالية من أي مشاعر أمك كانت بتموت يا كريم. تلات أيام وهي سايحة في دمها وعلى الأرض، وأنت بتتعشى وبتتفرج على التلفزيون وبتخطط هتسرقنا إزاي. أنت مفيش في قلبك رحمة.
يا بابا أنا ابنك! من لحمك ودمك! هتبهدلني في المحاكم؟ صرخ وهو بيعيط ويهز السلك.
قربت من السلك ووطيت صوته عشان يسمعني كويس من اللحظة اللي فكرت فيها تمد إيدك على أمك وتأذيها، أنت مابقتش ابني. أنت مجرد متهم في قضية أنا هقفلها ب إيدي.
سبته وصراخه مالي الممر وخرجت.
عدى أسبوع، وبدأت صحة ماجدة تتحسن والحمد لله خرجت من المستشفى. رجعنا بيتنا في القاهرة.. البيت الكبير اللي كريم كان شايفه واسع علينا.
قعدت ماجدة في الصالون، ورجعت ترتب الورد في الفازات، وتطبق المفارش بطريقتها المثالية اللي بتريح العين. وأنا واقف في البلكونة، ببص على الشارع وبشرب قهوتي.
جت وقفت جنبي، حطت إيدها على كتفي وقالت فاروق أنت عملت الصح. متوجعش قلبك.
لفيت وبصيت لها، وأخدتها في حضني. لأول مرة من سنين، حسيت إن البيت فعلاً رجع دافي، مش بسبب العفش ولا الترتيب، بس عشان السكوت اللي كان مالي حياتنا اتكسر، والحقيقة ظهرت، حتى لو كانت الحقيقة دي بتوجع.
التليفون
مبقاش في وقت للدراما.. دلوقتي جه وقت الحساب.
بعد شهرين من الواقعة دي، كانت الأمور استقرت تماماً. المحكمة حددت أول جلسة لكريم وبسمة، والقضية كانت مقفولة بالضبة والمفتاح؛ تقرير الطب الشرعي مع شهادة عم حلمي وتحريات المباحث مخلتش للمحامي بتاعهم ثغرة واحدة يتحرك فيها.
في يوم الجلسة، ماجدة رفضت تيجي معايا. قعدت في البيت، وأنا نزلت لبست بدلتي ورحت المحكمة.
أول ما دخلت القاعة، عيني جت على قفص الاتهام. كريم كان واقف دقنه طالعة، خاسس للنص، وبسمة واقفة في الركن وبتعيط بانهيار. أول ما كريم شافني، عينه لمعت بأمل كاذب، افتكر إني جاي في آخر لحظة عشان أتنازل أو أهون عليه.
بدأت الجلسة، والمحامي بتاعه حاول يستميل قلب المحكمة، وقال إن المتهم ابن المجني عليها ومكنش يقصد، وإنها مجرد خلافات عائلية أدت لسوء تفاهم.
القاضي بص لي بصفتي المدعي بالحق المدني والولي الطبيعي، وسألني سيادة اللواء فاروق الشناوي هل عندك أقوال تحب تضيفها؟ أو في نية للتصالح كون المتهم ابنك؟
وقفت بثبات، القاعة كلها كانت هس. بصيت للقاضي وقلت بصوت جهوري ملوش رجعة يا سيادة المستشار، المتهم اللي واقف في القفص ده مجرد من أي صلة رحم. القانون مبيفرقش بين غريب
كريم في اللحظة دي صرخ من ورا السلك ليه يا بابا؟ حرام عليك! أنا ابنك الوحيد! هضيع مستقبلي؟
القاضي خبط بالشاكوش بإيجاز!
وبعد المداولة، صدر الحكم السجن المشدد سبع سنوات لكريم وبسمة بتهمة الشروع في القتل والسرقة بالإكراه.
خرجت من قاعة المحكمة وأنا حاسس إن في حمل اتشال من على كتافي، وفي نفس الوقت في حزن حفر في قلبي علامة مش هتمشي. بس الحق لازم كان يتعمل.
رجعت البيت، فتحت الباب، لقيت ريحة محشي ورق عنب مالي المكان، الروايح المصرية الأصيلة اللي بتطمنك إنك في بيتك. ماجدة كانت واقفة في المطبخ، لافّة المريلة، وبتغرف الأكل بانتظام وترتيب كالعادة.
بصت لي من فوق نضارة القراية وقالت بهدوء خلصت يا فاروق؟
قربت منها، بوست راسها وقلت لها خلصت يا قلب فاروق. العدل اتنفذ، والصفحة دي اتقفلت تماماً من حياتنا.
هزت راسها، ومسحت دمعة هربت من عينها بسرعة عشان متورينيش ضعفها، وقالت يلا عشان تتغدى.. الأكل هيبرد.
قعدنا على السفرة، البيت
كان هادي، الهدوء الطبيعي المريح مش السكوت المخيف اللي عيشناه. بصيت لماجدة وهي بتهتم بكل تفصيلة، وعرفت إننا رغم الوجع، كسبنا نفسنا، وكسبنا بيتنا اللي هيفضل