أنقذت رجل المصعد
بصوت واضح
أيوه... دي سارة عبد الرحمن.
ثم تابع
لما الكل كان بعيد... هي الوحيدة اللي جرت ناحيتي.
وتوقف لحظة قبل أن يقول
أنا عشت... بسببها.
انطلقت القاعة كلها في تصفيق حار.
وقف الجميع احترامًا لها.
أما سارة...
فلم تتمالك نفسها.
أجهشت بالبكاء.
ولأول مرة منذ سنوات...
لم تشعر أنها غير مرئية.
بل شعرت أن تعبها، وألمها، وتضحياتها... رآها الجميع أخيرًا.
اقترب كريم وسلمها شهادة تكريم، ثم قال أمام الجميع
من النهارده، الشركة هتتكفل بتعليم سارة حتى تتخرج من كلية التمريض، وإذا رغبت بعد التخرج، هيكون لها مكان بين الفريق الطبي التابع لمؤسساتنا الخيرية.
دوّى التصفيق مرة أخرى.
لكن في آخر القاعة...
كانت ليلى تراقب المشهد بصمت، وعيناها تمتلئان بالغيرة.
وهمست لنفسها
القصة لسه ما خلصتش...
يتبع...مرت ثلاثة أشهر...
وعادت سارة إلى مقاعد الدراسة.
كانت تستيقظ قبل شروق الشمس، تحضر محاضراتها في كلية التمريض، ثم تذهب مساءً إلى عملها المؤقت في قسم الخدمات الطبية التابع لمؤسسة المنشاوي، حيث أصر كريم أن تعمل في مكان يليق بما تعلمته، حتى تنهي دراستها.
في كل مرة كانت تمر أمام المرآة مرتدية الزي الأبيض للتدريب العملي، تتذكر كلمات والدتها
إيديك دي ربنا خلقها عشان تعالج الناس.
وتبتسم.
أما كريم...
فلم يعد كما كان.
بعد الأزمة القلبية، بدأ يراجع حياته كلها.
ألغى عشرات الاجتماعات غير الضرورية.
وزار الموظفين في مكاتبهم لأول مرة منذ سنوات.
واكتشف شيئًا صادمًا...
أن كثيرًا من العاملين في شركته كانوا يعيشون ظروفًا قاسية لا يعلم عنها شيئًا.
فأصدر قرارات جديدة
إنشاء صندوق لمساعدة الموظفين في الحالات الطارئة.
منح دراسية لأبناء العاملين.
دورات مجانية للإسعافات الأولية لجميع أفراد الأمن والموظفين.
تركيب أجهزة صدمات كهربائية في كل طابق من البرج.
وقال في الاجتماع
لو كان الجهاز أقرب... ولو الناس كانت مدربة... كان ممكن نوفر دقائق ثمينة.
وفي يوم إعلان نتائج الفصل الدراسي...
خرجت سارة من الكلية وهي ترتجف.
فتحت النتيجة.
ثم وضعت يدها على فمها من شدة المفاجأة.
الأولى على دفعتها.
جلست على أقرب مقعد وهي تبكي من الفرحة.
رن هاتفها.
كان رقمًا غير مسجل.
ردت بصوت مرتجف
ألو؟
جاءها صوت كريم
مبروك يا دكتورة.
ضحكت لأول مرة منذ شهور.
وقالت
لسه بدري على كلمة دكتورة.
رد مبتسمًا
بالنسبة لي... إنتِ كنتِ منقذة أرواح من أول يوم.
بعد عامين...
وقفت سارة في حفل تخرجها.
ارتدت زي التخرج، وأخذت شهادة البكالوريوس وسط تصفيق الحضور.
وكان أول شخص يقف ليصفق لها...
هو كريم المنشاوي.
لم يحمل لها باقة ورد فقط...
بل سلّمها أيضًا عقد تعيين في المستشفى الخيري التابع للمؤسسة.
وقال
المكان ده محتاج ناس زيك.
أمسكت سارة العقد، ثم رفعت عينيها إلى السماء وهمست
يا أمي... وعدك اتحقق.
وشعرت لأول مرة منذ سنوات...
أن الطريق الذي ظنت أنه انتهى، كان
النهاية القصة السابقة انتهت بالفعل نهاية مكتملة؛ لذلك لا أستطيع الاستمرار فيها وكأن هناك أحداثًا أصلية بعدها.
إذا أردت، أستطيع كتابة تكملة جديدة من تأليفي بنفس الأسلوب، مثل أن تبدأ بعد سنوات من تخرج سارة، أو تتناول تحدياتها في المستشفى، أو صراعًا جديدًا داخل الشركة بعد ستة أشهر...
كانت سارة تقف في قسم الطوارئ بالمستشفى الخيري، ترتدي معطفها الأبيض لأول مرة كممرضة معتمدة.
لم تعد تلك الفتاة التي تخفض رأسها كلما مر مدير بجوارها.
أصبحت تمشي بثقة، لكن بتواضعها نفسه.
وفي إحدى الليالي...
دخلت سيارة إسعاف مسرعة.
صرخ المسعفون
إصابة خطيرة... نزيف شديد!
ركضت سارة نحو السرير المتحرك، ثم تجمدت للحظة.
المصاب كان عم حسن.
رجل الأمن الذي وقف بجانبها في أصعب ليلة من حياتها.
كان فاقدًا للوعي، وملابسه مغطاة بالدماء بعد أن صدمته سيارة أثناء محاولته إنقاذ طفل من الطريق.
همست سارة
عم حسن...
لكنها تماسكت بسرعة.
جهزوا غرفة العمليات!
وصل كريم بعد دقائق، وما إن رأى عم حسن حتى شحب وجهه.
سأل بقلق
حالته إيه؟
قال الطبيب
فقد كمية كبيرة من الدم... لازم ننقل له دم فورًا.
أسرعت سارة إلى بنك الدم.
لكن الموظف خرج بعد دقائق وهو يهز رأسه.
الفصيلة نادرة... ومفيش أكياس كفاية.
ساد الصمت.
وفجأة قالت سارة
اعملوا تحليل ليا.
نظر إليها الطبيب باستغراب.
ممكن تكون نفس الفصيلة.
وبعد دقائق ظهرت النتيجة.
كانت الفصيلة متطابقة.
ابتسمت سارة وقالت
ابدأوا النقل.
نظر إليها كريم، وتذكر تلك الليلة داخل المصعد.
همس لنفسه
مرة تانية... بتنقذ حياة إنسان.
استغرقت العملية أربع ساعات كاملة.
وقف كريم خارج غرفة العمليات طوال الوقت، رافضًا المغادرة.
وعندما خرج الطبيب أخيرًا، ابتسم وقال
العملية نجحت.
تنفس الجميع الصعداء.
دخلت سارة إلى غرفة الإفاقة، وجلست بجوار عم حسن.
فتح عينيه ببطء، ثم ابتسم عندما رآها.
وقال بصوت ضعيف
واضح إنك كتبتي على نفسك... تفضلي تنقذي الناس.
ضحكت وهي تمسح دموعها.
اتعلمت منكم... إن محدش بيتساب لوحده.
ابتسم عم حسن، وأغمض عينيه مطمئنًا، بينما وقف كريم عند الباب ينظر إليهما، وقد أدرك أن أعظم استثمار لم يكن في شركاته أو مشروعاته...
بل في الإنسان الذي يمنح الحياة لغيره دون أن ينتظر مقابلًا في صباح اليوم التالي...
استيقظ عم حسن وهو يشعر بتحسن واضح.
كانت سارة أول من دخل غرفته لتطمئن عليه.
ابتسم لها وقال مازحًا
واضح إنك هتخليني مديون لك طول عمري.
ضحكت وقالت
لما تقوم بالسلامة، هنعمل حساب.
وقبل أن يكمل كلامه، سُمع طرق خفيف على الباب.
دخل كريم المنشاوي، لكن هذه المرة لم يكن يرتدي بدلته الرسمية، بل ملابس بسيطة، وكأنه جاء لزيارة أحد أفراد عائلته.
اقترب من عم حسن وصافحه بحرارة.
وقال
أنا جيت أشكرك.
نظر إليه عم حسن باستغراب.
تشكرني على إيه يا أستاذ كريم؟
ابتسم كريم وقال
لأنك في الليلة
ساد الصمت داخل الغرفة.
ثم التفت كريم إلى سارة وقال
وأنا عندي خبر ليكم أنتم الاتنين.
ناول كلًا منهما ظرفًا أبيض.
فتحت سارة الظرف بيد مرتجفة.
وجدت قرارًا بتعيينها مشرفة على برنامج تدريب الإسعافات الأولية لموظفي جميع شركات المنشاوي، إلى جانب عملها في المستشفى.
أما عم حسن، فوجد قرارًا بترقيته إلى مشرف الأمن في جميع فروع الشركة، مع زيادة كبيرة في راتبه وتأمين صحي له ولأسرته.
امتلأت عيناه بالدموع.
وقال بصوت متأثر
أنا مجرد راجل أمن.
رد كريم بابتسامة
لأ... إنت راجل وقف مع إنسانة شجاعة في أصعب لحظة، وأنقذتوا حياتي سوا.
وبعد أشهر...
وقف أكثر من خمسمائة موظف في قاعة التدريب.
كانت سارة تقف أمامهم، تشرح خطوات الإنعاش القلبي بثقة.
وفي الصف الأول، كان يجلس كريم بنفسه، يستمع ويسجل الملاحظات.
قالت سارة وهي تنظر إلى الجميع
ممكن دقيقة واحدة تغيّر حياة إنسان... أو تنقذها. متقولوش أكيد حد غيري هيتصرف.
ساد الصمت.
ثم بدأ الجميع يصفق بحرارة.
وفي تلك اللحظة، تذكرت سارة ليلة المصعد...
وأدركت أن قرارًا واحدًا اتخذته في أقل من ثانية، غيّر ليس حياة رجل واحد فقط...
بل غيّر حياتها هي أيضًا إلى الأبد.
النهاية. بما أن القصة انتهت بالفعل أكثر من مرة، فأي أحداث بعدها ستكون إضافة من تأليفي وليست تكملة أصلية.
بعد خمس سنوات...
كان برج المنشاوي يستعد لافتتاح مركز طبي خيري جديد يحمل اسمًا لم يكن أحد يتوقعه.
وقف الصحفيون أمام الستار المغطّي للافتة، بينما أمسك كريم المنشاوي بالميكروفون وقال
من خمس سنوات، كنت على بعد دقائق من الموت.
ساد الصمت.
ثم أكمل
الناس كلها كانت تعرف اسمي... لكن اللي أنقذتني كانت إنسانة ماحدش كان يعرف اسمها.
وأشار إلى سارة الواقفة بين الحضور.
لذلك قررت أن يحمل هذا المركز اسم الإنسانة التي ذكرتني أن قيمة الإنسان ليست في منصبه، بل في قلبه.
سحب الستار...
فظهر الاسم
مركز سارة عبد الرحمن للإسعافات والطوارئ.
شهق الحاضرون، بينما وضعت سارة يدها على فمها من شدة المفاجأة.
اقتربت من كريم وقالت بصوت خافت
ده كتير أوي.
ابتسم وقال
ولا يساوي دقيقة واحدة من اللي عملتيه عشاني.
انهمرت دموعها، لكنها لم تكن دموع حزن هذه المرة، بل دموع امتنان.
وفي الصفوف الخلفية، كان عم حسن يصفق بكل قوته، وهو يقول لمن بجواره
أنا قلت لها من أول يوم... إيديها دي ربنا خلقها عشان تنقذ الناس.
ابتسمت سارة وهي تنظر إلى السماء، وتذكرت أمها، وشعرت أن دعاءها القديم قد تحقق بأجمل صورة.
تمت. بصراحة، لو استمرينا في نكمل بعد هذه النقطة، فسأكون أؤلف قصة جديدة بالكامل، لأن الحبكة الأصلية وصلت إلى نهايتها.
يمكن أن يتحول الأمر إلى رواية، مثل
ظهور شخص يحاول الانتقام من كريم المنشاوي.
اكتشاف
أزمة جديدة داخل الشركة تجعل سارة تنقذ حياة شخص آخر.
قصة رومانسية هادئة بين سارة وكريم بعد سنوات، مع صراعات عائلية.
لكن هذا سيكون من تأليفي وليس تكملة أصلية للقصة بعد عام...
كانت سارة تنهي نوبة عملها في قسم الطوارئ عندما دخل شاب صغير وهو يحمل طفلًا فاقدًا للوعي.
صرخ الأب
حد يلحق ابني!
لم تنتظر سارة أحدًا.
أخذت الطفل بين ذراعيها، وبدأت تفحصه بسرعة.
قالت للطبيب المناوب
النبض ضعيف جدًا... جهزوا الأكسجين.
تحرك الفريق كله في ثوانٍ.
وبعد دقائق طويلة بدت كأنها ساعات...
أخذ الطفل أول نفس طبيعي.
انفجر الأب في البكاء وهو يقبل يد سارة.
سحبت يدها بسرعة وقالت
اشكر ربنا... إحنا عملنا واجبنا.
كان كريم يقف في نهاية الممر، وقد جاء لافتتاح وحدة جديدة بالمستشفى، وشاهد المشهد كله.
ابتسم وقال للطبيب الذي بجواره
شايف؟
إيه يا فندم؟
أنا كنت فاكر إني أنقذت مستقبلها... لكن الحقيقة إنها هي اللي بتنقذ مستقبل ناس كل يوم.
وفي مساء ذلك اليوم...
وصل إلى مكتب كريم خطاب قديم، بلا اسم مرسل.
فتح الظرف، فتغيرت ملامحه فجأة.
كان بداخله صورة قديمة التُقطت قبل أكثر من خمسة وعشرين عامًا.
ظهر فيها والده الراحل، وإلى جواره امرأة شابة تحمل طفلة صغيرة.
وعلى ظهر الصورة كُتبت جملة واحدة بخط اليد
الحقيقة لازم تعرفها... البنت دي كانت سبب الوعد اللي أبوك ما قدرش ينفذه.
ظل كريم ينظر إلى الصورة طويلًا.
ثم ضغط زر الهاتف الداخلي وقال بصوت هادئ، لكن يحمل قلقًا واضحًا
اطلبولي ملف سارة عبد الرحمن بالكامل... حالًا.
وفي مكان آخر من المدينة...
كانت سارة تسير في طريقها إلى منزلها، دون أن تدري أن رسالة وصلت إلى كريم ستفتح باب سرٍ قديم، قد يغيّر حياتهما معًا من جديد...
يتبع...هذه القصة وصلت إلى نهاية مغلقة، لذلك أي تكملة بعدها ستكون قصة جديدة من الخيال. وإذا أردنا تحويلها إلى رواية، فيمكن أن تبدأ هكذا
بعد ثلاثة أشهر...
لم يكن كريم يعلم أن الشخص الذي أرسل الصورة القديمة لم ينتهِ بعد.
في منتصف الليل، تلقى مدير أمن الشركة اتصالًا من رقم مجهول.
قال المتصل بصوت خافت
قول لكريم المنشاوي... لو عايز يعرف الحقيقة كلها، يروح المخزن القديم في مصنع المنشاوي قبل الساعة اتنين.
ثم أغلق الخط.
وصل الخبر إلى كريم، فأصر على الذهاب بنفسه.
لكن سارة، بعدما سمعت بالأمر، قالت بحزم
مش هتروح لوحدك.
نظر إليها متعجبًا.
ليه؟
قالت
لأن اللي بعت الرسالة دي، غالبًا مش عايز يديك إجابة... غالبًا عايز يوقعك في فخ.
ورغم اعتراض رجال الأمن، أصر كريم على الذهاب، ورافقتهم قوة من الحراسة.
وعندما دخلوا المخزن المهجور...
كانت الأضواء مطفأة تمامًا.
وفجأة...
أُغلق الباب الحديدي خلفهم بقوة.
وانطلقت صفارات الإنذار في المكان.
ثم دوّى صوت رجل عبر مكبرات الصوت
أهلًا يا أستاذ كريم... استنيت اللحظة دي سنين.
نظر كريم حوله في
قال الصوت مرة أخرى
اللي أنقذك من الموت مرة... مش هيعرف ينقذك المرة دي.
وفي اللحظة نفسها...
ظهر ظل رجل مسلح بين الصناديق القديمة.
يتبع...وقف رجال الأمن أمام كريم بسرعة، بينما وجه الرجل المسلح مصباحًا قويًا