طلقت زوجتي لأن البهاق غيّر شكلها... ثم جاءني العقاب في صباح اليوم التالي

لمحة نيوز

أنا.
بقيت تنظر إليّ دون أن تقاطعني.
قلت
لا أطلب منك أن تسامحيني، ولا أن تعودي إليّ. أعرف أنني لا أستحق ذلك. لكن كان يجب أن تسمعي مني كلمة اعتذار حقيقية.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
سامحتك منذ زمن... ليس لأن ما فعلته كان بسيطًا، بل لأنني لم أعد أريد أن أحمل هذا الألم معي.
شعرت وكأن جبلًا انزاح عن صدري.
ثم أضافت
لكن المسامحة شيء... والعودة شيء آخر. أنا اليوم شخص مختلف، تعلمت أن أحب نفسي كما أنا، ولن أعود إلى مكان شعرت فيه يومًا أن قيمتي كانت مرتبطة بمظهري.
لم أجد ما أقوله.
اكتفيت بهز رأسي، وقلت
أفهم ذلك... وأتمنى لك حياة تستحقينها.
استدرت لأغادر، لكنني توقفت للحظة عندما سمعتها تناديني باسمي.
التفت إليها.
قالت
أتمنى أن تتعلم من هذه التجربة، وألا تجعل أحدًا يشعر يومًا بما جعلتني أشعر به.
أومأت بصمت، ثم غادرت المكان.
وفي تلك الليلة، أدركت أن بعض الأخطاء يمكن الاعتذار عنها، لكن لا يمكن إصلاحها، وأن الإنسان قد يخسر أغلى ما يملك، ليس لأنه لم يحبه... بل لأنه لم يعرف قيمته إلا بعد فوات الأوان.
مرت ثلاث سنوات منذ ذلك اللقاء.
لم أتزوج، ولم أحاول حتى أن أبدأ علاقة جديدة. لم يكن ذلك وفاءً لهيام، بل لأنني كنت أشعر أنني بحاجة إلى أن أُصلح نفسي أولًا
قبل أن أكون شريكًا صالحًا لأي إنسانة.
تغيرت حياتي بالكامل.
أصبحت أشارك في حملات التوعية بالأمراض الجلدية، وأتطوع مع الجمعيات التي تدعم المصابين بالبهاق. لم يكن ذلك ليغفر لي الماضي، لكنه كان أقل ما أستطيع فعله.
وفي إحدى الأمسيات، تلقيت اتصالًا من رقم مجهول.
أجبت، فجاءني صوت امرأة أعرفه جيدًا.
كانت هيام.
قالت بهدوء
مرحبًا يا أحمد.
تجمدت في مكاني.
لم أسمع صوتها منذ آخر لقاء بيننا.
قالت
لا تقلق... لم أتصل لأعيد الماضي. أردت فقط أن أخبرك أنني سأتزوج الأسبوع المقبل.
شعرت بوخزة قوية في قلبي، لكنني تماسكت.
قلت بصوت خافت
مبارك... أتمنى لك السعادة.
قالت
شكرًا.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم سألتها
هل... يحبك؟
ابتسمت، حتى إنني استطعت أن أشعر بابتسامتها عبر الهاتف.
قالت
يقول لي دائمًا إن أول شيء أحبه فيك هو قلبك... أما البهاق، فلم يره يومًا عيبًا، بل جزءًا من قصتي.
أغمضت عيني.
كانت تلك الجملة وحدها كافية لتجعلني أدرك حجم الخسارة التي تسببت بها بيدي.
قبل أن تنهي المكالمة، قالت
اتصلت بك لأنني لا أريد أن يبقى بيننا شيء غير محسوم. أتمنى أن تجد السلام أنت أيضًا.
أغلقت الخط.
جلست وحدي لساعات، أتأمل خاتم زواجي القديم الذي ما زلت أحتفظ به في درج مكتبي.
ابتسمت لأول
مرة منذ سنوات، رغم الألم.
لم أبتسم لأنني فقدتها، بل لأنني علمت أنها وجدت أخيرًا الشخص الذي رأى جمال روحها قبل أن يرى ملامح وجهها.
أخرجت الخاتم من الدرج، وسرت حتى وصلت إلى شاطئ البحر عند الغروب.
نظرت إليه طويلًا، ثم وضعته في راحة يدي، وهمست
وداعًا يا هيام... هذه المرة حقًا.
ألقيت الخاتم في البحر، وشاهدت الدوائر الصغيرة التي صنعها فوق سطح الماء قبل أن يختفي.
في تلك اللحظة، شعرت أنني أدفن آخر جزء من الماضي.
سرت مبتعدًا، بينما كانت الشمس تغيب ببطء خلف الأفق.
ولأول مرة منذ سنوات... لم ألتفت خلفي.
مرت خمس سنوات أخرى.
ظننت أن صفحة هيام أُغلقت إلى الأبد، وأن كل ما بقي منها مجرد ذكرى أتعلم منها كل يوم.
وفي صباح هادئ، كنت أجلس في مكتبي أراجع بعض الملفات، عندما دخل أحد الموظفين يحمل ظرفًا أبيض، وقال
هذا وصل باسمك، ولا يوجد عليه عنوان مرسل.
تناولت الظرف باستغراب.
كان بداخله رسالة قصيرة، وصورة قديمة.
الصورة كانت لنا يوم زفافنا.
أما الرسالة، فلم تتجاوز بضعة أسطر
إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فاعلم أنني لم أعد في هذه الدنيا.
لا تخف، لم أكتبها حزنًا، بل امتنانًا.
لقد سامحتك منذ سنوات، وأرجو أن تكون قد سامحت نفسك أيضًا.
لا تدع قصتنا تكون نهاية، بل اجعلها
سببًا في ألا يتكرر هذا الألم مع غيرنا.
هيام.
توقفت أنفاسي.
أعدت قراءة الرسالة مرة... ومرتين... وعشر مرات.
لم أستوعب ما قرأته.
بدأت أبحث بجنون عن أي خبر عنها.
وبعد ساعات، عرفت الحقيقة.
كانت قد تعرضت قبل أشهر لحادث سير أودى بحياتها هي وزوجها، وكانت قد تركت عدة رسائل لأشخاص مؤثرين في حياتها، تُسلَّم إليهم في حال وفاتها.
جلست على كرسيي بلا حراك.
لم أبكِ.
لم أصرخ.
كل ما فعلته أنني ضممت الرسالة إلى صدري، وأغمضت عيني.
لأول مرة، شعرت أن الإنسان قد يُسامَح... لكنه قد لا يحصل أبدًا على فرصة ليقول شكرًا لأنك سامحتني.
بعد أيام، قررت تنفيذ آخر وصية غير مباشرة فهمتها من كلماتها.
بعت سيارتي الفاخرة، وبعض مقتنياتي الثمينة التي كنت أتباهى بها دائمًا.
واستخدمت المال لإنشاء مؤسسة صغيرة تُعنى بدعم مرضى البهاق والأمراض الجلدية، وتقديم جلسات دعم نفسي لهم ولعائلاتهم.
وعلى مدخل المؤسسة، علقت لوحة صغيرة لم يكتب عليها سوى عبارة واحدة
قيمة الإنسان لا يحددها لون بشرته، بل نقاء قلبه.
وتحت العبارة... اسم واحد فقط
هيام.
ومنذ ذلك اليوم، كلما دخل شخص يشعر بالخجل من مظهره، كنت أنظر إليه وأتذكر المرأة التي علمتني، بعد فوات الأوان، أن أجمل الوجوه قد تسكن أرواحًا لا تراها
العيون، وأن أقبح العيوب ليست في الجلد... بل في القلوب التي لا ترى إلا المظاهر.
تمت.

تم نسخ الرابط