خطوبتي اتفسخت

لمحة نيوز

إلى ابنتها بصدمةٍ شلت أركانها.
صاحت أمُّ سارة بصوتٍ زلزل أرجاء الصالة
شفت يا سي عمر؟! شفت الأصول والتربية اللي جاي تطالبنا بيها؟! أختك جايبة السحر والعمل في الثوب اللي بنتي بتقف بيه بين إيدين ربنا! كانت بتدبر لها الخراب والذل وهي لسه على ذمتك وف بيتك!
التفتت سارة نحو داليا، ولم تكن في عينيها قطرةُ خوفٍ واحدة، بل كانت نظراتُها ممتلئةً بالقرف والشفقة. اقتربت منها ببطء، وقالت بصوتٍ هادئ ينبضُ بصلابةٍ عجيبة
كنتِ فاكرة إنك بتكيدي للناس وتأذيهم في الخفاء؟ نسيتي إن ربنا أكبر من السحر وأكبر من الشر اللي مالك قلبك؟ الإسدال اللي كنت بصلي بيه دا.. كانت كل سجدة فيه بتدعيلكم بالخير والستر، وأنتِ كنتِ بتخططي تسودِي حياتي.
انفجرت داليا بالبكاء الهيستيري، وحاولت الدفاع عن نفسها بصوتٍ مبشوح
والله ما عملت حاجة! دي.. دي واحدة هي اللي ادتهالي وقالتلي أحطها في الإسدال علشان.. علشان ما تتجوزش غيرك يا عمر! كنت خايفة عليك!
صرخ عمر في وجهها بصوتٍ رجّ جدران البيت
اخرسي! اخرسي خالص! أنتِ إيه؟! إيه الغل والشر اللي جوّاكي دا؟! عايزة تؤذي الناس بالسحر والأعمال وتدخلي البيوت بالخراب?!
لتلتفت والدة عمر، وقد غشيت وجهها حمرة الخجل والعار، وتطلعت إلى أم سارة وسارة بنظراتٍ مكسورة، ثم قالت بنبرةٍ متلعثمة
يا أم سارة.. إحنا.. إحنا ما نرضاش بالمهزلة دي والله.. أنا ما أعرفش حاجة عن اللي عملته داليا..
قاطعتها أم سارة بصرامةٍ حاسمة، ومسكت علبة الشبكة الخضراء من على الطاولة، وألقتها في يد عمر بقوة
خدوا شبكتكم، وخدوا هداياكم، وخدوا القرف اللي جيبتوه معاكم واخرجوا برة بيتي! الفلوس والفاكهة والأكل اللي بتحسبوه.. حسبي الله ونعم الوكيل فيه، ربنا هو اللي هيخلص حقنا منكم يوم القيامة! برة!
أخذ عمر العلبة وهو يطأطئ رأسه خجلاً، وأمسك بيد أخته داليا بسخطٍ شديد وجرّها خلفه كالجثة، بينما خرجت الأم بخطواتٍ مسرعة تحاول التخفي من أنظار الجيران في الممر.
أُغلق البابُ خلفهم بدويةٍ قوية، ليعود الصمتُ مجدداً إلى البيت. نظرت أم سارة إلى ابنتها، وسحبتها إلى أحضانها في عناقٍ طويل، بينما وقفت سارة تتنفسُ
الحرية لأول مرة منذ أشهر، تتطلعُ إلى الورقة الممزقة على الأرض، مدركةً أن السحر لم يكن سوى القشرة التي كشفت المعادن الحقيقية.
لكن، وقبل أن تهدأ الأجواء، اهتز هاتف سارة مرةً أخرى برنينٍ جديد.. كان المتصل هذه المرة رقماً غريباً لم تره من قبل!
نظرت سارة إلى شاشةِ الهاتفِ المضيئةِ بحيرة، والترددُ يأكلُ أصابعها. كان الرقمُ الغريبُ يواصلُ الرنينَ بصرامةٍ عجيبة، كأنه يرفضُ التراجع. رفعت أمُّ سارة رأسها من العناق، وتطلعت إلى الهاتف ثم إلى وجه ابنتها الشاحب، وهزت رأسها بضعفٍ تشجعها على الرد.
ضغظت سارة على زر الإجابة، ووضعت الهاتفَ على أذنها بصمتٍ مشدود. أتاها من الطرف الآخر صوتٌ رجاليّ عميق، ثقيلُ النبرة، يحملُ في طياته جديةً لا تحتملُ المزاح
السلام عليكم.. الأنسة سارة معايا؟
ردت سارة بصوتٍ متقطع يحاول استعادة توازنه
أيوه.. مين معايا؟
تنهد الصاحبُ المتصل عبر الهاتف، ثم قال بنبرةٍ حاسمة
أنا الأستاذ محمود، صاحب المحل اللي داليا أخت عمر كانت بتشتري منه الإسدال والهدوم.. أنا آسف إني بكلمك في وقت زي دا، بس ضميري ما سمحليش أسكت بعد اللي شفته النهاردة.
اعترت الصدمةُ ملامحَ سارة، وعقدت حاجبيها في ذهول
محل الإسدال؟! مش فاهمة.. وحضرتك جبت رقمي منين؟ ومعاك إيه تخصني؟
أجابها محمود بصوتٍ خفيض يحملُ تحذيراً خطيراً
داليا جَتلي المحل من أسبوع ومعاها الإسدال، وطلبت مني أفك البطانة السفلية وأخيط جواها الورقة اللي لقيتوها.. طبعاً أنا رفضت وطردتها، بس هي استغلت زحمة المحل وراحت للولد الشغال عندي وادتلو فلوس عشان يعملها الموضوع دا من غير ما أعرف. أنا عرفت بالصدفة لما راجعت كاميرات المراقبة النهاردة الصبح وشفتها وهي بتديلو الورقة وبتحطهالو بنفسها!
اتسعت عينا سارة، وشعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها، بينما اقتربت أمها منها أكثر لتميل بأذنها نحو السماعة. وواصل محمود كلامه بلهجةٍ أشد جدية
أنا طردت الولد من المحل خلاص.. بس أخدت رقمك من أختها لما كانت بتسجل بيانات التوصيل زمان، وكلمتك عشان أحذرك.. داليا مش بس عملت الورقة دي في الإسدال، داليا كانت بتسأل الولد عن مكان شيخ معين في أطراف
البلد، وسمعتها بتبعتله بصمت صوتية بتقوله الخطوبة هتتفركش بكرة، ولازم الحساب يبدأ من ليلة الفركشة!
تسمرت سارة في مكانها، وسقطت منها كلمةٌ واحدة بصوتٍ خافت
حساب إيه؟!
رد محمود بثقل
ما أعرفش يا أنسة سارة.. بس هي كانت ناوبة على شر أكبر بكثير من مجرد فركشة الخطوبة.. خلي بالك من نفسك ومن أهل بيتك، والأحسن تبلغوا الشرطة بالكاميرات اللي عندي قبل ما تنفذ بقية اللي في دماغها.
أُغلق الخطُ، وساد الغرفةَ صمتٌ أشدُّ هولاً من الأول. سقط الهاتفُ من يد سارة على الأريكة، ونظرت إلى أمها التي كانت تتنفسُ بصعوبةٍ من هول ما سمعت.
وفجأةً، وقبل أن تستوعبا ما قيل، انقطعت الكهرباءُ عن الشقة بالكامل! أظلمت الصالةُ فجأة، وهبت نسيمُ هواءٍ باردٍ ومفاجئ من نافذة الشارع، محتملاً برائحةٍ غريبة كأنها رائحةُ حريقٍ خفيف.. وفي نفس اللحظة، تعالت طرقاتٌ متسارعة وقوية جداً على باب الشقة الخارجي!
الكاتب_رومانى_مكرم_
تجمدت سارة وأمها في ظلام الصالة الدامس. كانت الطرقاتُ على الباب تزدادُ شدةً وعنفاً، كأن أحداً يحاول دكهُ بيده، فيما كانت رائحةُ الحريقِ الخفيفة تتسللُ من تحت العقب السفلي للباب وتنتشرُ في أرجاء الشقة.
تمسكت سارة بساعد أمها برعب، وقالت بصوتٍ يرتجف
مين اللي يخبط بالطريقة دي يا ماما؟ الكهربا قطعت ليه فجأة؟
حبست الأمُّ أنفاسها، وسحبت ابنتها خلف ظهرها ببطء وهي تتجهُ بخطواتٍ حذرة نحو الباب. اقتربت من الثقب البصري، وقبل أن تضع عينها عليه، سكنت الطرقاتُ فجأة.. وعاد الصمتُ المريب ليخيم على الممر الخارجي.
نادت الأمُّ بصوتٍ محشور بالخوف يحاول أن يبدو قادراً على المواجهة
مين برة؟! مين اللي بيخبط؟!
لم يأتِها ردٌّ إنساني، بل سمعت صوتَ خطواتٍ متسارعة تهبط الدرج بسرعةٍ جنونية، يعقبها صوتُ اصطدامِ شيءٍ معدني ثقيل على الأرض أمام الباب مباشرة!
بحركةٍ سريعة، أضاءت سارة كشاف هاتفها المحمول، وجاءت تقف بجوار أمها. أدارت الأمُّ المقبضَ بحذر، وفتحت الباب ببطء.. ليتصاعد في وجوههن جدارٌ من الدخان الأسود الخفيف.
على عتبة المنزل، كانت هناك زجاجةٌ زجاجية مكسورة يتصاعد منها دخانٌ كيهمي كريحة البارود،
وبجوارها حقيبة قماشية سوداء صغيرة. تقدمت الأمُّ وشكلت ضوء الكشاف نحو الحقيبة، ثم مدّت يدها وفتحتها بطرف قطعة خشبية كانت مجاورة للباب.
داخل الحقيبة.. كانت تقبع صورةٌ شخصية لسارة، تم إحراق أطرافها بعناية، ومكتوب في ظهرها بأسلوبٍ ملطخ بالمداد الأسود الحساب بدأ.. ولن ينتهي بالشبكة.
صرخت سارة وغطت وجهها بيديها، بينما اشتعل رأسُ الأمِّ بالغضب والوعي الحاد. أدركت الأمُّ فوراً أن داليا لم تكتَفِ بالافتضاح، بل اندفعت في طريق الانتقام الأعمى بعد أن انكسرت أمام أخيها وأمها.
سحبت الأم الصورة والحقيبة، وأغلقت الباب بقوة وقفلته بالمفتاح المزدوج، ثم التفتت إلى سارة وقالت بصوتٍ صارم لا يقبل التردد
ما فيش خوف بعد النهاردة يا سارة! البت دي اتجننت والشر عمى عينيها.. تلفونك فين؟
التقطت سارة هاتفها بيدين ترتعشان
أهو يا ماما.. هنعمل إيه؟ نكلم الأستاذ محمود صاحب المحل؟
ردت الأم وهي تضيء الشمعة الموجودة على الطاولة
هنكلم الأستاذ محمود ناخد منه تسجيلات الكاميرات فوراً.. وهنطلب عمر أختها يجيب أمه وييجي هنا فوراً يشوف المهزلة دي بنفسه، قبل ما نروح نعمل بلاغ رسمي في النيابة بتهمة السحر والتهديد والاعتداء!
اتصلت سارة برقم عمر. رن الهاتف لعدة ثوانٍ قبل أن يأتيهم صوته المكسور والمحمل بالهموم
أيوة يا سارة.. خير؟
صرخت الأم في الهاتف قبل أن تتكلم سارة
اسمع يا عمر! أختك مجنونة وبرقبتك أنت وأمك! انزل شوف المصيبة اللي رمتها قدام باب بيتنا وحرق الشقة اللي كان هيحصل! لو ما جيتش حالا ومعاك أختك وأمك، تسجيلات المحل وبلاغ السحر هيكونوا في القسم خلال نص ساعة!
على الطرف الآخر، ساد صمتٌ ذهوليّ من عمر، قبل أن يُسمع صوتُ حركةٍ جارفة وصراخُ أخته داليا من خلفه وهي تحاول منعه، ليرد عمر بنبرةٍ مرعوبة
أنا جاي حالا يا أم سارة.. أرجوكي استني ما تعمليش حاجة لما أصل!
الكاتب_رومانى_مكرم_
مرّت الدقائقُ العشرين التاليةُ كأنها دهورٌ من الجمر. كانت الصالةُ تغرقُ في ضوء الشمعة الضعيف الذي يراقصُ الظلالَ على الجدران، بينما جلست سارة بجوار أمها، تحتضنان بعضهما وسط رائحة الدخان الكريهة التي بقيت عالقةً
في الممر. لم تكن سارة تبكي، بل كانت تتابع الصورةَ المحروقة
تم نسخ الرابط