خطوبتي اتفسخت
المحتويات
الأطراف القابعة على الطاولة المجاورة لعلبة القماش السوداء، وتشعرُ بأن غشاوةً ثقيلةً قد أُزيحت عن عينيك؛ خطوبةٌ كادت أن تسحبها إلى جحيمٍ أبدي لو لم يتداركها قدرُ الله في الوقت المناسب.
وفجأةً، ارتجت العمارةُ بوقعِ خطواتٍ صاعدةٍ مسرعة، تلاها صراخٌ مكتوم وشجارٌ حاد في الممر الخارجي. تقدمت الأمُّ بخطواتٍ ثابتة، وأدارت المفتاحَ في القفل لتفتح الباب على وسعه.
كان المشهدُ في الممر محتدماً.. وقف عمر يمسكُ بذراع أخته داليا بقوةٍ وصرامة، وجهه متفحمٌ بالخجل والغضب، ووراءهما تقف الأمُّ واضعةً يدها على قلبها وتستغيثُ بصوتٍ خافت. كانت داليا تتخبطُ بين يديه كالمجنونة، عيناها متسعتان بشرٍّ طائر، وثوبها متسخٌ بغبار السلم، تنظرُ إلى سارة وأمها بنظراتٍ ممتلئة بالكره والأحطاط.
دفعها عمر إلى داخل الصالة بقوة، وأغلق الباب خلفهم ثم جثا على ركبتيه تقريباً أمام أم سارة، وقال بصوتٍ مبشوح ينبضُ بالندم والعجز
يا أم سارة.. أنا حافي القُدمين قدامكم النهاردة! حقكم على رأسي، ومستعد أعمل أي حاجة تطلبوها.. أنا ما كنتش أعرف إن الشر وصل بأختي للمرحلة دي!
صاحت داليا بصوتٍ هيستيري وهي تحاول الفكاك من قبضة أخيها
ما تتأسفش لحد يا عمر! دول ناس جعانين! أخدوا منك أحسن أياّم حياتك وسابوك! أنا كنت باخد حقك وحق الفلوس اللي اترمَت عليهم! كنت بعمل اللي يقصر لسانهم للابد!
تقدمت أمُّ سارة نحوها بخطوةٍ واحدة، ولم ترفع يدها لتضربها، بل اكتفت بنظرةٍ ممتلئة بالاحتقار الشديد، وقالت بصوتٍ رزين زلزل أركان داليا
حق مين يا بنت الجعانة؟! الفلوس اللي بتتكلمي عنها بنتي كانت بتصونها وتصون أخوكي! الهدية والفاكهة والأكل اللي طالعين تتمنوا بيه، بنتي وردت أضعافه احتراماً وأصولاً! بس اللي جوّاه نقص.. ما يملأش عينيه غير تراب القبر! بتعملي أعمال وسحر لبنتي عشان رفضت تهانتك ورجعتلك إسدالك اللي حطيتي فيه سمّك؟!
ثم سحبت الأمُّ الصورةَ المحروقة والحقيبة السوداء من على الطاولة، وألقتها في وجه داليا وعمر
شوف يا عمر! شوف أختك جاية تدبّ الحرائق عند باب بيتنا بعد ما مشيتوا! شوف السحر اللي كتباه
انهار عمر بالكامل، وتلفت نحو أخته وصدمها بصعةٍ قوية على وجهها أطارت برأسها جانباً
أنتِ إيه؟! أنتِ مش بني آدمة! أنتِ جيبتيلنا العار والخراب لحد بيتنا! بقى بتعملي أعمال وسحر وتدوري في الدجل والخراب عشان ترضي غلك؟!
سقطت داليا على الأرض تشدُّ وجهها، وبكت لأول مرة ليس ندماً، بل هواناً وانكشافاً بعد أن سقطت كل أوراقها. أسرعت أمُّ عمر وجثت بجوار ابنتها وتبكي بحرقة، متوسلةً لأم سارة
استري علينا يا أم سارة.. استري علينا يسترها عليكِ ربنا في بنتك! لو البلاغ دا اتعمل في القسم، أختها ومستقبلها وهيضيعوا، وعمر مش هيعرف يرفع رأسه بين الناس تاني! ابوس إيدك سامحينا وحقكم فوق راسنا!
نظرت سارة إلى هذا المشهد المأساوي.. عريس الأمس الذي كان يطالب بحساب الفاكهة والعيديات، وأخته التي كانت تتبختر بالغرور والإسدال، أضحيا الآن أثرين مكسورين تحت أقدام الحق. رفعت سارة رأسها وقالت بصلابة
التنازل مش هيدخل بيتنا ببلاش يا أم عمر.. البلاغ هيفضل محطوط في القسم لو داليا ما امضتش بكرة الصبح على تعهد بعدم التعرض، وتكتب إقرار بخط إيدها بتعويض كل التلفيات وإبطال العمل اللي عملته، وتسيب البلد كلها لو لزم الأمر! وأما الشبكة والهديا فتاخدوها وتمشوا فوراً.. وما أشوفش وش حد فيكم قدام باب بيتنا تاني لطول العمر!
نظرت داليا بسخط، لكن عمر قاطعها بصوتٍ قاطع كالسيف
هتمضي على كل اللي يطلبوه يا داليا.. ورجلك مش هتخطّي الشارع دا تاني طول ما أنا حَي! ولو فكرتِ تئذيهم بحرف واحد، أنا اللي هسلمك للشرطة بإيدي!
في تلك اللحظة، عادت الكهرباءُ فجأةً لتضيء الصالة بالكامل، وتكشفَ عن وجوههم المتفحمة الخائبة. أخذ عمر علبة الشبكة والحقيبة، وجرّ أخته وأمه الخائبتين إلى الخارج، وأغلقوا الباب خلفهم لآخر مرة.
تنفسَت سارة وأمها الصعداء، واحتضنتا بعضهما في لحظة انتصارٍ وحرية نادرة.. لكن، حين التقطت سارة هاتفها لتغلق التسجيلات، وجدت رسالةً
تسمرت سارة في مكانها وهي تحدق في شاشة الهاتف، بينما كانت أمها تجمع أطراف الشمعة المحترقة لترميها في القمامة. ارتجفت أصابع سارة وهي تفتح الرسالة النصية التالية التي وصلتها من الرقم المجهول. لم تكن الرسالة مجرد كلام، بل كانت مرفقة برابط وصورة مصغرة لمقطع فيديو.
فتحت سارة الفيديو بقلبٍ يخفق كطبول الحرب. كان مقطعاً مصوراً بوضوح، يظهر فيه عمر نفسهخطيبها الذي غادر الشقة منذ لحظات يتظاهر بالندم والانكساروهو يجلس في سيارة مع شخص غريب قبل الخطوبة بأسابيع قليلة!
في الفيديو، كان عمر يتحدث بوضوح ولهجة حاقدة لم تسمعها سارة منه من قبل
أنا مش فارق معايا الجوازة دي اصلاً يا معلم.. أنا بس مستني لما آخد منها التنازل عن الشقة اللي باسمها، وبعدها هرميها هي وأمها في الشارع وأخلي أختي داليا تستلم كل حاجة. داليا مش بتتصرف من دماغها، دي تنفيذاً للي اتفقنا عليه جميعاً!
تراجعت سارة خطوتين إلى الخلف، وسقط هاتفها على الأريكة. كانت الصدمة هذه المرة أشدّ وأقسى من سحر داليا ورسائل التهديد، فالقناع الذي كان يرتديه عمر طوال تلك الأشهر سقط بالكامل، وتبين أن المسرحية التي أدّاها قبل قليل لم تكن سوى محاولة لإنقاذ نفسه من الفضيحة والقانون!
لاحظت الأم الشحوب المرعب على وجه ابنتها، فأسرعت إليها وأمسكت بكتفيها
مالك يا سارة؟! في إيه تاني؟! الرقم المجهول دا بعتلك إيه؟!
أشارت سارة بيد متيبسة نحو الهاتف
عمر يا ماما.. عمر كان متفق مع داليا من الأول.. اللعبة أكبر من مجرد إسدال وفاكهة وعيديات، دول كانوا طمعانين في الشقة والبيت ورتبوا كل حاجة من زمان!
التقطت الأم الهاتف وشاهدت الفيديو، وفي تلك اللحظة لم تبكِ ولم تصرخ، بل تحولت ملامحها إلى جدار من الصخر. أدركت الأم أن العائلة بأكملها كانت شبكة من المحتالين، وأن ندم عمر وإلقاءه اللوم على أخته أمامهم لم يكن سوى تمثيلية خبيثة لامتصاص غضبهم ومنعهم من إبلاغ الشرطة.
وقبل
أنت مين؟! وليه بتبعتلي الفيديوهات دي دلوقتي؟!
جاءها صوت هادئ وواثق من الطرف الآخر، صوت امرأة يبدو عليها الوقار
أنا صاحبة الشقة اللي كان عمر مأجرها زمان يا أنسة سارة.. عمر وعيلته نصبوا عليّ بنفس الطريقة وطردوني من ملكي بالقوة والبلطجة بعد ما استغلوا طيبتي.. أنا بتابعهم من فترة وعرفت إنهم دخلوا بيتك بنفس السيناريو، وما حبّيتش أسيبك تقعي في الفخ اللي وقعت فيه.
اتسعت عينا الأم وقالت بلهفة
يعني إيه يا أختي؟! يعني هما نصابين بمحاضر ورسمي?!
ردت المرأة عبر الهاتف
أيوة يا أم سارة.. عمر وداليا وأمهم شبكة منظمة، بيخطبوا البنات اللي عندهم أملاك أو شقق باسمهم، ويعملوا المشاكل والمكائد عشان يطفشوا البنت ويجبروا أهليها يتنازلوا تحت الضغط والفضايح! الفيديو اللي بعتهولك دا متسجل من شهرين، وأنا معايا ملف كامل بقضايا النصب اللي هما هربانين منها!
في هذه اللحظة، تعالت أصوات صراخ وشجار جديد في أسفل العمارة! أسرعت سارة وأمها إلى النافذة المطلة على الشارع، لتشاهدا مفاجأة لم تكن في الحسبان..
كانت سيارة شرطة تقف أمام باب العمارة، يحيط بها عدد من الجيران، بينما كان عمر وداليا وأمهما يحاولون الهرب نحو سيارتهم، لكن رجال الشرطة كانوا أسرع وأطبقوا عليهم الكلبشات في منتصف الشارع أمام أعين الجميع!
التفتت الأم إلى سارة وعيناها تلمعان بدموع الانتصار
ربنا ما بيضيعش حق حد يا سارة.. اللي افتكروه سحر وغل، كان السبب اللي كشفهم للناس كلها!
نزلتا إلى الشارع لمتابعة الموقف، وعندما رأت داليا سارة، صرخت بغل وهي تُساق إلى سيارة الشرطة
مش هنسيبك يا سارة! والله ما هنسيبك!
لكن عمر كان يطأطئ رأسه في الأرض، عاجزاً عن الحديث بعد أن أخرجت المرأة المجهولة الملفات للضابط في الشارع.
رجعت سارة وأمها إلى الشقة، وشعرتا لأول مرة بالهدوء الحقيقي يستقر في أركان البيت. لكن، أثناء تنظيف الصالة ومسح آثار الدخان من الممر، عثرت سارة على مفتاح غريب
متابعة القراءة