الزوجة الثانية اماني السيد
إنتي في البيت ده!
مايسه قامت وقفت بمنتهى الثبات، لمّت الفلوس من على الأرض ببرود، وحطتها على الترابيزة. ما صرختش، ولا ردت عليه بكلمة تزود النكد اللي هو مستنيه عشان يلاقي مبرر يضربها أو يقل بكرامتها أكتر.. بصت له نظرة واحدة أخيرة، نظرة واحد بيودّع جثة، ومشيت ودخلت أوضتها وقفلِت الباب بالمفتاح.
تاني يوم الصبح بدري، والشمس لسه بتشرق.. مايسه ما قعدتش تعيط. فتحت دولابها، لبست أحسن طقم عندها، جمعت كل الأوراق المفصلية اللي حوشتها طول السنين اللي فاتت
قسيمة الجواز.
شهادات ميلاد العيال.
روشتات المستشفى وتقارير الرعاية المركزة اللي جوزها رفض يجي يلحق ابنه فيها.
محاضر الامتناع عن الإنفاق ورسايل الشتائم والتهديد اللي كانت بتوصلها من جهاد ومنه.
خرجت من البيت بخطوة ثقيلة بس واثقة، وراحت مباشرة على مكتب محامي كبار متخصص في قضايا الأحوال الشخصية. قعدت قدامه، حطت الملف الكامل على مكتبه، وقالت بصوت هادي، متزن، ومقطوع منه الخوف
أنا مش جاية اشتكي ولا جاية أبكي.. أنا جاية آخد حقي بالقانون حتة حتة. عايزاك ترفع لي دعوى طلاق للضرر، وتطالب بكل حقوقي الشرعية نفقة زوجية بنوعيها، نفقة صغار، أجر حضانة، مؤخر الصداق، ومتعة عن السنين اللي اتظلمت فيها.. ومش هسيب مليم واحد!
المحامي بصلها وإبتسم بثقة وهو بيبص في الأوراق والتقارير
الأوراق اللي معاكي دي تدمر أي قضية يرفعها قصادك.. التقارير الطبية بالذات ورسائل الامتناع عن علاج الولد، تثبت الضرر الكامل وتخليه يدفع الثمن غالي جداً في المحكمة، غير إن شقة الزوجية من حقك أنتِ والعيال بقوة القانون لأنك الحاضنة.
مايسه هزت رأسها وقالت بابتسامة لأول مرة تظهر على وشها من سنين
أنا مش عايزة أكسره لمجرد الإنتقام يا متر.. أنا عايزة أعلمه وأعلم اللي معاها إن حق الضعيف ما بيموتش، وإن القانون بياخد حق الست اللي افتكروها مالهاش صاحب!
في شقة جهاد.. كانت قاعد فاردة ظهرها ومستمتعة بالنصر، وبتتكلم في الموبايل مع جوزها بثقة
برافو عليك يا حبيبي.. كده تفهمها إن ربنا حق، وتعرف إنك راجل ما يترواحش برأيك!
وفي لحظة ما هما في قمة نشوة الانتصار والمتعة الذاتية.. رن محضر المحكمة على باب شقة الزوجية القديمة، ولما ما لقاش حد، أعلنهم على عنوان شغل الزوج وعلى بيت جهاد الرسمي!
ورقة إعلان الدعوى وصلت لإيد جوزها في شريكتة.. فتح الورقة وإيديه بترتعش
دعوى طلاق للضرر، والمطالبة بتمكين شقة الزوجية للحاضنة، ودعوى نفقة متعة وأجر حضانة..
الأرقام المكتوبة في المطالبات المالية كانت كفيلة إنها تطير عيشتهم وتكسر ظهر ميزانيته، والشقة اللي جهاد كانت مخططة تبيعها أو تأجرها لحسابها، بقت تحت التهديد بالتسليم الجبري لمايسه والعيال!
الورقة كانت في إيده زي الجمرة.. عينيه رايحة جاية على السطور ومش قادر يستوعب تمكين من شقة الزوجية طلاق للضرر نفقة متعة حبس للامتناع عن الإنفاق خرج من شركته مجنون، طار بالعربية على شقة جهاد. دخل حافي من التوتر، رمى الأوراق قدامها على الترابيزة وهو بيلهث ووشه أصفر
الحقيني يا جهاد! الهانم راحت للمحامين وعملتها! رافعة عليا قضايا بالهبل، وعايزة تطردنا من شقة الزوجية وتاخدها تمكين عشان العيال! الأرقام اللي طالباها في النفقات هتيجي على القريب والبعيد وتخرب بيتي!
جهاد اتخضت، مسكت الأوراق بسرعة وعينيها بتقرأ بذهول وصدمة.. الثقة المطلقة والغرور اللي كانوا على وشها اتبخروا في ثانية، وحل محلهم غضب أعمى وذهول!
إيه الجنان ده؟! الشقة دي اللي كنا متفقين نكتبها باسمي أو نأجرها؟! وهي جابت الجرأة دي كلها منين؟! الست دي كانت بتموت قدامك ومن غير لسان!
بص لها بقلة حيلة وصوت واطي مكسور
أتاريه كان هدوء الموتى يا جهاد! التقارير بتاعت المستشفى اللي طنشتها ورسايل التهديد اللي كنتِ بتبعثيهالها من موبايلي وموبايلك.. المحامي حاططها في العريضة وبيطالب بحبسي بتهمة الإضرار والامتناع عن علاج طفل في حالة خطرة! أهلي عرفوا باللي حصل وأمي حرجت عليا ودعت عليا إن ما طلعتش من القصة دي برضاها!
في اللحظة دي، جهاد حسّت بخلل في العرش اللي بنته.. الراجل اللي كان لعبة في إيدها بكلمتين حلوين، بدا يتهز، وعينيه فيها نظرة لوم وعتاب كأنه بيقولها إنتي اللي ورطتيني وركبتيني المركب دي!
جهاد صرخت فيه عشان تداري خيبتها وخوفها
أنت هتضعف من أول قلم؟! أمال فين كلامك ورجولتك؟ اتصل بمحاميك فوراً ونزل لها القواضاي الضد! اتهمها بأي حاجة، اقطع عنها العيش والماي!
رد عليها بصوت ناشف خالي من أي مشاعر حب، ولأول مرة يكلمها بالأسلوب ده
أنا محاميّ قال لي الوضع طين! التقارير مظبوطة والأوراق حقيقية والقاضي مش هيرحم! الشقة هتاخدها بالقوة الجبرية، والنفقات هيتخصم نص مرتبي من الشركة بحكم محكمة! إنتي فاكرة المحاكم بتلعب؟ إنتي اللي أصرّيتي أقسى عليها وعلى عيالها لحد ما حطيتيني في الحيط!
الكلمة نزلت على جهاد زي الصاعقة.. إنتي اللي أصرّيتي!.. نفس الجملة اللي سمعتها من جوزها الأولاني لما رمى عليها اللوم والتهمة وسابها! العقدة القديمة صحيت جواها بغل، وعرفت إن المركب بتبدأ تغرق، وأن الراجل اللي باع أمه وعياله عشان شهوته ودلعه، مش هيردد لحظة إنه يبيعها هي كمان عشان ينفذ بجلده!
في نفس الوقت، مايسه كانت قاعدة في صالة بيتها الهادي، بتشرب كوباية شاي دافية.. المحامي اتصل بيها وبشرها
مساء الخير يا مدام مايسه.. الإعلان وصله في الشغل وفي البيت الجديد، ومحاميه اتصل بيا يحاول يطلب صلح ودي ويكتب لك اللي أنتِ عايزاه عشان ينزل عن قضايا الحبس والتمكين.
مايسه ابتسمت ابتسامة هادية، صافية، ابتسامة ست استردت روحها وكرامتها من قاع الضياع.. ردت بنبرة قوية وثابتة
مفيش صلح ودي يا متر.. القانون ياخد مجراه بالكامل. أنا مش هظلم حد، بس مش هسيب مليم واحد من حق عيالي وحقي.. خليهم يفهموا إن اللي يظلم، لازم يدفّع الثمن لحد آخر قرش.
قفلت الخط، وبصت لابنها اللي كان قاعد جنبها بيلعب وصحته بدأت ترجع له.. مسكت إيده وبستها، وقالت في سرها
كده الدائرة دارت.. والملكة اللي افتكرت نفسها ما بتموتش، بدأت تشوف عرشها
أيام قليلة مرّت، وكان منظر العرش اللي بنته جهاد بيبدأ يتشقق ويقع حجر حجر..
الأحكام القضائية بدأت تنزل بسرعة وبشكل متتالي؛ قرار تمكين بقوة القانون لشقة الزوجية لصالح مايسة والعيال، وحكم بخصم نصف مرتب أُنس من شركته بشكل مباشر لصالح النفقة وأجر الحضانة.
أُنس دخل شقة جهاد في ليلة من الليالي، مش هو نفس الراجل اللي كان بيمشي وراها زي الظل وبيطلب رضاها بشاوارة منها.. دخل وهو شايل جبال الهموم، وشّه شاحب، وعينيه مليانة حسرة وغضب. رمى مفاتيح العربية على الترابيزة وقعد على الكنبة بقلة حيلة.
جهاد قربت منه وهي بتحاول تسترد سيطرتها القديمة، وقالت بصوت فيه حدة ومحاولة كبرياء
وبعدين معاك يا أُنس؟ هتقعد تبصلي كده كأني أنا اللي رفعت عليك القضايا؟ ما تروح للمحامي بتاعك وتتصرف! مش معقول هتسيب الهانم تاخد الشقة وتقعد فيها بروقان وإحنا هنا بنتحاسب على المليم!
بصلها بصة طويلة.. بصة فيها كمية قرف وندم خلت
جهاد تتجمد مكانها. وقف ووجهلها كلامه بصوت واطي بس يرعب من كتر الهدوء اللي فيه
الهانم اللي بتتكلمي عنها دي.. أخدت حقها وحق عيالها بالقانون، عشان أنا سمعت كلامك وبعت إنسانيتي وأدنت نفسي عشان أرضيكي. الشقة اللي كنتِ عايزة تبيعيها وتآجريها، المحضر جاي بكره يتسلم لها رسمياً.. والنص الباقي من مرتب موش مكفي حتى إيجار الشقة دي ولا مصاريفنا!
جهاد رفعت رأسها بغرور وقالت
يعني إيه؟ عايزني أقبل إنها تنتصر عليا؟ أومال فين الوعود اللي وعدتهالي؟ فين الراجل اللي قال لي هخليكي ملكة وما ينقصكيش حاجة؟
ضحك ضحكة مكتومة مليانة مرارة
ملكة؟! ملكة على حساب مين؟ على حساب ابن كان بيموت وأنا سايبه عشان أسافر معاكي الساحل وننسى الدنيا؟ على حساب أمي وأختي اللي خسرتهم عشانك؟ إنتي مش ملكة يا جهاد.. إنتي كنتِ العقدة النفسية اللي أنا دخلت فيها ودمرت حياتي بسببها!
الكلمة نزلت على جهاد زي السكينة في قلبها.. الكابوس القديم بيرجع يتعاد بالحرف! نفس الكلمات اللي سمعتها من جوزها الأولاني لما طردها وقالها إنها السبب في نكده!
وقبل ما تنطق بكلمة، كمل كلامه القاضية
أنا راجع لأهلي أستسمحهم، وهقعد مع المحامي عشان أشوف إزاي ألم البواقي من حياتي اللي اتدمرت.. ورقتك هتوصلك يا جهاد، لأن القسوة والغدر اللي زرعتيهم، أنا بقيت بدفع تمنهم من صحتي وكرامتي كل يوم!
سابها وخرج ورزع الباب وراه، والبيت فضي عليها.. سابها لوحدها وسط الحيطان، لا طالت جوزها، ولا طالت نصرها، ولا قدرت تهزم الست اللي كانت فاكراها ضعيفة.
في نفس الوقت، كانت مايسة واقفة في البلكونة بتشرب القهوة في السكوت والهدوء اللي حرمت نفسها منهم سنين. الشقة رجعت لها رسمياً، والعيال بيلعبوا جوة وصوت ضحكهم مالي المكان دفء وأمان.. أختها قربت منها وبصت لها بابتسامة فخر وقالت
عارفة يا مايسة؟ إنتي النهاردة ما أخدتيش شقة ولا نفقات بس.. إنتي أخدتي كرامتك اللي كانوا فاكرين إنهم دافنينها تحت قسوتهم!
مايسة ابتسمت ابتسامة هادية وصافية، وفي عينيها ثقة جديدة تماماً، وقالت لنفسها
أنا عمري ما تمنيت الخراب لأُنس ولا لغيره يا أختي.. بس كان لازم يفهموا إن اللي بيظلم وبيستقوى على الضعيف، الدنيا بتدور عليه وبتردله القسوة أضعاف. الحق لما بيرجع بيمحي كل الوجع القديم.
وعلى الناحية التانية.. كانت جهاد قاعد في شقتها الضلمة، الموبايل في إيدها ساكت مابيرنش، وأُنس عمل لها بلوك من كل حتة بعد ما رمى لها ورقة الطلاق. بصت في المراية وشافت الست المطلقة للمرة التانية، الست اللي عاشت تنتقم من عقدة الماضي، فصنعت بإيدها نهايتها الجحيمية.. وعرفت ساعتها إن العرش اللي بيتبنى على خراب بيوت التانيين، بيقع في الآخر على رأس صاحبه!
مرّت الشهور، وعجلة الحياة دارت وكل واحد أخد نصيبه من اللي زرعه باختياره..
مايسة فتحت صفحة جديدة ناصعة البياض. بقوة الأحكام والتمكين، استقرت في بيتها مع عيالها في هدوء وراحة بال. الفلوس اللي بقت بتوصلها شهرياً بالقانون كفّت مصاريف العيال والبيت وزيادة، وبدأت مشروعها الصغير من البيت عشان تصرف منه وتأمن مستقبلهم وما تحتاجش ل أُنس في مليم. ابنها رجعت له صحته، وضحكته بقت تملى البيت، وأهله بقوا يجوا يزوروها ويلتمسوا منها السماح على موقفهم القديم بعد ما عرفوا حقيقتها وحقيقة جهاد.
أما أُنس.. فبقى عايش في دوامة ندم مابتخلصش. مرتوبه بقى يروح نصُه للنفقة والمؤخر وديون المحاكم، والنص التاني مابيكفيش إيجار شقته الجديدة ومصاريف معيشته. حاول كذا مرة يرسل لأهله أو يكلم أخته عشان يتوسطوا له عند مايسة ويرجعها، بس رد مايسة كان حاسم وواضح أنا أخدت حقي وعيالي عايشين في أمان، الباب ده اتقفل للأبد وما بقاش في مكان للرجوع. بقى يرجع كل يوم لشقته الفاضية، ندامان على اليوم اللي ضحى فيه ببيته وأولاده عشان شوية دلع ووهم.
وعلى الجانب الآخر.. جهاد كانت القاضية بالنسبة لها أشد قسوة.
الورقة وصلت لها بالبريد طالق. للمرة التانية في حياتها تلاقي نفسها برة اللعبة، مطلقة ومكسورة! صاحبتها منى جاتلها الشقة تطل عليها، لقيتها قاعدة في الصالة، الستائر متقفلة والبيت في ضلمة كئيبة.
منى بصت لها بأسف وقالت لها بصوت واطي
جهاد.. إنتي عملتي في نفسك كده ليه؟ للدرجادي عقدة طلاقك الأولاني كانت عمياكي؟
جهاد رفعت عينها لمنى، عينيها كانت دبلانة ومطفية، الشموخ والغرور واللؤم اللي كانت بتتفاخر بيهم اتبخروا تماماً، وقالت بصوت مكسور ومبحوح
أنا كنت فاكرة إن القسوة هي الحماية.. كنت فاكرة إني لما أكسر ست تانية وأخد منها جوزها وأرميها هي وعيالها، إني بكده بباخد حق جهاد القديمة وبثبت لنفسي إني قوية.. ما كنتش فاهمة إن الذنب بيدور، وأن الوجع اللي سببته لغيري هيتردلي أضعاف.
منى هازت رأسها بأسف
إنتي انتقمتي من الناس الغلط يا جهاد.. مايسة وعيالها مالهمش ذنب في اللي حصلك زمان، والنتيجة إنك خسرتي كل حاجة.. خسرتي أُنس، وخسرتي نفسك، ورجعتي لنفس المربع اللي هربتي منه.
جهاد حطت وشها بين إيديها وبكت بحرقة لأول مرة من سنين.. دموع مش على أُنس ولا على الجوازة، دموع على عمرها اللي ضاع