اطلقت وروحت أعيش في بيت أبويا حكايات شيمو
المحتويات
هدى. سمعت عن جوزك المسافر، وسمعت عن الفلوس الحرام، وسمعت كلام أمي وهي بتقول سيبوها تطحن نفسها ما هي ملهاش غيرنا!
البيت كله سكت. السكون كان يرعب. أمي حطت إيدها على بؤها، وبابا وطى راسه في الأرض مش قادر يحط عينه في عيني.
في اللحظة دي، جرس الباب رن.
فتحت الباب وأنا جسمي كله بيترعش لقيت قدامي راجل غريب، لابس بدلة ووشه جاد جداً، ووراه اتنين أمناء شرطة.
الراجل بصلي وقال
ده بيت الأستاذ أحمد؟
بابا طلع يجري على الباب ووشه أصفر
أيوه يا فندم خير؟ في إيه؟
الراجل طلع كارنيه وورقة رسمية من جيبه وقال بمنتهى الجدية
أنا أمر ضبط وإحضار للست هدى أحمد بتهمة التستر على أموال متحصلة من عمليات نصب وتبييض أموال مع جوزها المحبوس، ومعانا إذن بفتيش البيت!
دخل أمناء الشرطة البيت، وسادت حالة من الذهول والعرَج في المكان. أختي هدى صرخت صرخة هزت أركان الشقة، وراجعت لورا وهي بتستخبى ورا أمي اللي جسمها كله بدأ يترعش.
أبويا كان واقف مش قادر ينطق، وشه اتخطف وبقى لون الورق، وقرب من الضابط وهو بيهتز
يا بيه فيه إيه؟ تفتيش إيه وضبط إيه؟ دي بنتي، وجوزها هو اللي
الضابط قطعه بصرامة ونظرة حادة
جوزها المظنون فيه اعترف في التحقيقات إنه كان بيحول الأرباح والمبالغ اللي بينصب بيها على الناس باسم مراته، وهدى أحمد متهمة رسمياً بالتستر وإخفاء أموال متحصلة من جناية نصب وتسهيل الاستيلاء على أموال الغير. التفتيش هيتم فوراً، ويا ريت محدش يعطل شغلنا عشان الموضوع ما يكبرش.
أختي بدأت تصرخ وتصوت
والله ما أعرف حاجة! هو اللي كان بيبعتلي الفلوس ويقولي شيليها معاكي! أنا ما نصبتش على حد!
الضابط أشار لأمناء الشرطة، ودخلوا أوضتها وبدأوا يقلبوا الدوالايب والمطابخ والشنط.
ماما هما وياخدوا خالتي؟ هو إحنا هنعمل إيه؟
مسكت دموعي بالعافية، وطبطبت على راسها وقلت بصوت واطي
ما تخافوش يا حبيبتي أدخلوا جوه الأوضة واقفلوا على نفسكم.
خلال دقائق، طلع أمين شرطة وهو شايل شنطة هدى الصغيرة، وفتحها قدام الضابط. الشنطة كان فيها مبالغ مالية ضخمة بالجنيه والدولار، مع دفتر توفير وسائبة مش باسمها.
الضابط بص لهدى وقال
الفلوس دي كلها حلال وبريئة يا مدام؟ اتفضلي معانا على النيابة للتحقيق.
أمي اترمت على رجل الضابط وهي بتبكي بانهيار
أبوس إيدك يا بيه! دي عندها عيال صغار! سيبوها عشان خاطر ربنا! أنا السبب أنا اللي قلت لها خبي الفلوس وسكت!
الكلمة دي نزلت عليا أشد من الصدمة الأولى. أمي مش بس كانت عارفة، دي كانت شريكة بالتكتم والتغطية! التفت لأمي وأنا مش مصدقة حجم الزيف اللي كنت عايشة فيه. كل لحظة حرمان عشتها أنا وولادي، وكل لقمة ناشفة أكلناها، وكل قرش كنت بقطعه من جلدي وجلد ولادي عشان أصرف على البيت، كان في مقابل للتغطية على شوال الفلوس الحرام اللي مستخبي في الأوضة التانية!
الضابط زق إيد أمي بالراحة وقال
القانون مفيش فيه الكلام ده يا حجة. الكلام ده تقولوه في النيابة.
سحبوا هدى وهي بتصرخ وتستغيث بأبويا وبيا
الحقيني يا أختي! أمانة عليكي عيالي! يا بابا ما تسيبنيش!
خرجوا بيها، وسابوا البيت زي الجثة الهامدة. باب الشقة المفتوح كان بيعدي منه هواء بارد، والهدوء كان يخنق.
أبويا قعد على أقرب كرسي، وحط إيده على قلبه وهو بيلهث. أمي قعدت في الأرض بتلطم على خدودها وبتبكي بكسرة. عيال أختي التلاتة كانوا واقفين في الصالة بيعيطوا بهستيريا
أمي بصتلي بعيون مليانة دموع وغل في نفس الوقت، وقالتلي بصوت مجروح
مرتاحة دلوقت؟ شمتانة فيها؟ إنتي اللي جيبتي لها الأذى بوشك الشوم! من يوم ما دخلتي البيت بفقرك وعياطك والبيت اتخرب!
بصيت لأمي، ولأول مرة في حياتي ما أحسش بالذنب ولا بالخوف من غضبها. بصيت لها بمنتهى الجفاء وقلت
أنا اللي خربت البيت يا أمي؟ ولا الفلوس الحرام اللي كنتوا بتاكلوا منها وبتباركوا صاحبها؟ أنا اللي بقالي أشهر بطحن نفسي عشان أجيب أكل حلال لعيالي ولكم، وأنتم شايلين أكياس الفلوس تحت السرير وتخلوا أختي تتفشخر عليا وعلى ولادي وتذلهم بالدليفري؟
أبويا رفع رأسه بصعوبة، وصوته كان متهدج
خلاص يا بنتي خلاص. أبوكي اتقطم ظهره خلاص ما تذبحونيش أكتر من كده.
التفت لعيال أختي، كانوا خايفين ومرعوبين. رغم كل اللي عملته أختي، العيال مالهمش ذنب. قربت منهم، أخدتهم في حضني، وقلت لولادي
خدوا ولاد خالتكم جوه هاتي يا بنتي الجبنة والعيش اللي فاضلين واقسموهم مع بعض.
دخلت أوضتي، ولميت هدومي وهدوم ولادي في الشنط. كل حتة قماش وكل كتاب لولادي حطيته بصرامة.
أمي دخلت الأوضة وشافت الشنط، وشهقتها عليت
إنتي بتعملي إيه؟ رايحة فين في نص الليل كده؟ هتسيبيني أنا وأبوكي في ظروفنا دي؟ ومين هيصرف على البيت وعلى عيال أختك اللي مرميين دول؟
وقفت ورفعت شنطتي، وبصيت لأمي بثبات صلب
أنا أديتكم كل اللي أقدر عليه أديتكم صحتي ومرتبي وحبي واكتشفت إني مجرد شغالة بفلوسها بتغطي على الوساخة اللي في البيت. عيال أختي هاخد بالي من أكلهم وشربهم طالما هما في رقبتكم، بس أنا ولادي مش هيعيشوا ثانية واحدة في بيت ماليان كذب وحرام.
أبويا قام وقفل الباب بجسمه وهو بيبكي
عشان خاطري يا بنتي
بصيت لأبويا وقلت له بوجع
إنت اللي اخترت تسكت يا بابا وإنت اللي رضيت إن أختي تذل ولادي باللقمة. خايف من كلام الناس، وما خفتش من ربنا وإنت شايفني باتعصر كل شهر عشان أوفي طلباتكم؟
زقيت الباب بالراحة، وخرجت أنا وولادي في ضلمة الليل، وأنا مش عارفة هروح فين، ولا معايا فلوس تكفي أجر شقة، ومعايا خمس عيال ولادي وتلاتة عيال أختي اللي اضطريت أخد إيدهم معايا لأني ما قدرتش أسيبهم في وسط المأساة دي
خرجت للشارع وأنا مسكينة، بس المرة دي كانت دماغي مرفوعة لأول مرة من سنين.
مشيت في الشارع والليل كاحل، الهواء البارد بيخبط في وشوشنا، وخمس عيال ماشيين ورايا زي الكتاكيت الخايفة. ولادي التلاتة شايلين شنطهم الصغيرة، وعيال أختي التلاتة ماسكين في طرف عبايتي وبيعيطوا بصوت مكتوم. كنت حاسة إن خطاي ثقيلة، لكن المرة دي ثقل شرف، مش ثقل ذل وكسرة.
ابني الكبير قرب مني وشد إيدي بصوت يترعش
ماما إحنا رايحين فين؟ الشارع ضلمة أوي، وأنا خايف.
بصيت له وابتسمت ابتسامة بألم، لكن فيها قوة ما عرفش جابتيها منين
ما تخافش يا حبيبي طول ما بنآكل حلال وبنتقي ربنا، ربنا مش هيضيعنا. تعالوا معايا.
ما كانش قدامي غير وجهة واحدة؛ أم أمل ست كبيرة جارتنا القديمة من أيام ما كنت متجوزة، ست طيبة وساكنة لوحدها في بيت صغير على قدها، وكانت ديماً بتعزني وتعتبرني زي بنتها.
خبطت على بابها الساعة واحدة بعد نص الليل. لما فتحت وشافتني بالشنط والعيال دول كلهم، شهقت وحطت إيدها على صدرها
يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! إيه ده يا بنتي؟ إيه اللي خرجكم في الوقت ده؟
دخلتنا فوراً، وقفت المطبخ عملت شاي وعيش وجبنة للعيال اللي
متابعة القراءة