يوم خروج عمي من حكايات زهرة الربيع
المحتويات
يرن لحد ما يسكت لوحده.
الطريق قدامي كحل مفيش فيه نقطة نور.
بس في عقلي، مفيش غير كلامهم اللي بيرددوه
مش رايحين.
قلة قيمة.
اللي هيروح هناك ملوش مكان في العيلة دي تاني.
ضحكت بصوت واطي... ضحكة حسرة.
من عشر سنين، اليوم اللي العساكر حطوا الكلابشات في إيده وأخدوه، الكبار كلهم أدو له ظهرهم ولبسوا الوش الخشب.
بس هو... وقف قدامي أنا بالذات.
بصلي وابتسم ابتسامة مكسورة وقال
ركز في دروسك يا حازم... واطلع راجل.
واوعى تتعلم من الكبار... إنك تبيع في ثانية كدا.
الجملة دي عاشت معايا وجوايا عشر سنين كاملين.
الساعة كانت واحدة وستة عشر دقيقة بالليل.
جروب العيلة فجأة بقى قايد نار رسائل.
أبويا كتب
حازم مش في البيت.
الجروب اتقلب في ثواني.
عمتي كانت أول واحدة ترد بذعر
يكون راح يستنى هشام على باب السجن؟!
عمي الكبير
عمال يبعت
كلموه يرجع فوراً! خلوه يلف ويرجع!
وأمي باعتة فويسات ورا بعض.
ما فتحتش ولا واحد فيهم.
بعديها بثواني، جالي مسج خاص من أبويا، كلمتين وبس
لو كملت في السكة دي يا حازم... اعتبر نفسك مفيش ليك بيت ترجع له تاني.
الكلمتين بتوع أبويا نزلوا عليا زي المية الساقعة، بس في نفس الوقت شعللوا النار جوايا أكتر. اعتبر نفسك مفيش ليك بيت ترجع له ثاني... هو للدرجة دي؟
طول الثمانمية كيلو، الليل كان بيعدي بطيء وثقيل. الراديو مكنش شغال غير بوش خفيف، وأنا كل محطة بنزين أقف عندها أفوّل العربية وأشرب قهوة عشان عيني ما تقفلش. عمتي، أبويا، عمي الكبير.. كلهم كانوا بيحاولوا يتصلوا، وفي الآخر لما لقوا مفيش فايدة، الاتصالات وقفت. الهدوء اللي جه بعد العاصفة دي كان مرعب أكتر من الرسائل نفسها.
وصلت قدام السجن العمومي على الساعة سبعة وربع الصبح. الشمس كانت لسة بتشق
طريقها بالعافية وسط شبورة خفيفة مغطية المكان. أسوار عالية، أسلاك شائكة، وحراس واقفين بأبراج المراقبة. يرعب أي حد بيبص له من برة. ركنت العربية على جنب، ونزلت. حطيت إيدي في جيبي ووقفت وسط كام عيلة كدة واقفين يستنوا أهاليهم.. ناس شكلها مهدود، وعيونها فيها دموع الخوف والرجاء.
الساعة جات تمانية بالظبط. الباب الحديدي الكبير بدأ يتحرك بصوت صرير يوجع الضرس. قلبي بدأ يدق في قفصي الصدري زي الطبلة. خرج واحد، وبعديه اثنين.. حضن ودموع وصرخات فرحة. وأنا عيني معلقة على العتبة.
وفجأة.. خرج
عمي هشام.
مكانش الشاب الرياضي اللي كان بياخدني على كتفه ويرميني في الترعة. شعر رأسه بقى أبيض خالص زي القطن، ظهره منحني حبة، ولابس قميص أسود واسع عليه، في إيده شنطة قماش قديمة ومتهالكة. وشه مكرمش، وعينيه غرقانة في الحزن والكسرة.
أول ما شفته، نسيت التعب، نسيت الثمانمية كيلو، ونسيت تهديد أبويا. جريت عليه بلهفة والشوق يوكل في قلبي، وصرخت بصوت عالي
عمي هشام!!
وقف مكانه. بصلي.. عينه جت في عيني.
أنا كنت متوقع إنه يدمع، يترمي في حضني، يقولي كبرت يا حازم، يطبطب
عليا ويقولي أصيل يا ابن أخويا..
بس اللي حصل كان صدمة شلتني في مكاني
عمي هشام ما اتحركش خطوة واحدة ناحيتي. ولا حتى ابتسم.
بالعكس.. أول ما عرفني، وشه اتغير. عيونه اتملت رعب وغضب في نفس الوقت.
رجع خطوة لورا كأنه شاف عفريت، ورفع إيده في وشي بحدة وقسوة ما شفتهاش في حياتي من بني آدم، وزعق بصوت شاحج ومبحوح طلع بالعافية من زوره
إنت إيه اللي جابك هنا؟! ارجع.. ارجع مكان ما جيت يا حازم!!
اتسمرت في أرضي. أكن حد ضربني بالقلم على وشي.
عمي.. أنا حازم! أنا جيت أخدك بالعربية، الطريق طويل وأنا...
قاطعني بصوت طالع بالعافية، بس كل كلمة فيه كانت زي السكينة
مش عايز أراك! مش عايز أشوف حد منكم! إنتوا إيه.. ما بتفهموش؟
مسك شنطته القماش بصرامة، ولَف ظهره ليا ومشي بفركة كعب ناحية أول الشارع، يتكعبل في خطواته وعينه على الأرض، كأنه بيهرب مني.. مش بيهرب من السجن!
وقفت في نص الطريق، الناس المحيطة بيا بدأت تبصلي باستغراب. الريح كانت بتطير التراب حواليا، وأنا واثق إن دموعي كانت خلاص نازلة بس مش حاسس بيها من الشلل اللي صابني. هو ده العم اللي بعت كل حاجة وجيت له؟ هو ده الراجل اللي أنا ضحيت بعلاقتي مع أبويا وأمي عشان أستقبله؟
مشيت وراه بشويش من غير ما يحس. كان ماشي مهدود، ودخل الموقف العمومي القريب من السجن. قعد على دكة خشب مكسورة مستني ميكروباص. قربت منه تاني بالراحة، وقعدت على نفس الدكة بس من الناحية الثانية.
هو حس بيا. ما بصليش،
بس أيده كانت بترتعش وهو ماسك الشنطة.
قلت له بصوت مكسور
طب ليه؟ يفيد بإيه كل ده؟ أبويا طردني من البيت عشان جيتلك.. العيلة كلها اعتبرتني خاين عشان ما رضيتش أسيبك تطلع لوحدك.. تقوم إنت تعمل فيا كدة؟ هو إيه اللي حصل زمان يا عمي؟ إيه السر اللي خلى الكل يكرهك وإنت تكرهنا للدرجة دي؟ قضية الشيكات دي ما تزعلش حد كدة!
عمي هشام فضل ساكت. كان بيبص للفراغ، وبعد دقيقة طويلة أوي، مسح وشه بإيده المرتعشة،
بصلي أخيراً،
متابعة القراءة