يوم خروج عمي من حكايات زهرة الربيع
ولأول مرة أشوف في عينيه الدموع.. بس مش دموع ضعف، دي دموع قهر.
قال بصوت واطي ومبشوم
إنت غبي يا حازم.. غبي وأحين منك ما شفتش. فاكر نفسك بطل؟ فاكر إنك جاي تنقذ عمك الطيب من ظلم العيلة الشريرة؟
أمّال إيه الحقيقة؟ فهماني!
قرب مني وشه، وريحته كانت طالعة شوك وسجاير مكتومة، وقال بهمس مرعب
الحقيقة إن الشيكات والقضية والأموال العامة دي كانت بتاعت أبوك إنت!.. مش بتاعتي أنا!
الكلمة نزل عليا زي الصاعقة. حسيت الدنيا بتدور بيا.
إنت بتلخبط يا عمي.. بتقول إيه؟
ابتسم ابتسامة مكسورة وفيها مرار الدنيا كله
أبوك زمان دخل في تجارة شمال مع ناس واصلين، ودبس نفسه في شيكات بمليونات. كان هيدخل السجن ويضيع، وشركته تتقفل وببيته يتخرب.. وإنت وأمك تتردوا في الشارع. أبوك جه بكى تحت رجلي زمان يا حازم.. قال لي يا هشام إنت مالكش عيال ولا زوجة، أنا عندي حازم
وأمه هيروحوا فين؟ شيلها عني وأنا هتكفل بيك وبكل حاجة لحد ما تخرج.
بلعت ريقي بصعوبة، وحسيت بريق ناشف زي الحطب
وإنت.. إنت وافقت؟
وافقت عشانك إنت.. وعشان أخي. لبست القضية وشيلت العشر سنين من عمري في السجن. بس اللعبة ما خلصتش هنا.. الاتفاق كان إنه يفضل يزورني، ويدفع المحاميين، ويراعي العيلة. عارف أبوك عمل إيه بعد أول سنة؟
سكت، ومسح دمعة خانته ونزلت على خده المكرمش.
أبوك خاف.. خاف إن الناس تعرف إن القضية أصلها بتاعته لو فضل يزورني أو يسأل عني. اتأفق مع باقي العيلة عمتك وعمك الكبار إنهم يمسحوني من حياتهم خالص. أقنعهم إن وجودي وصمة عار في العيلة، وإن التبرؤ مني هو الحل الوحيد عشان محدش ينبش ورا القضية ويعرف الحقيقة! أبوك شسّلني ذنبه، وبعدها رمى طوبتي ودفن اسمي وهو حي عشان يحمي نفسه!
حسيت رأسي بتلف. الأوكسجين قل من حولي. الصور كلها بدأت تترتب في دماغي زي المكعبات.. الصورة الجماعية اللي شالوه منها، صمت أبويا، تحذير أمي، والرسالة اللي جتلي على التليفون من ساعات!
عمي كمل بصوت يقطّع القلب
أنا لما شفتك النهاردة.. ما كنتش خايف منك يا حازم، أنا كنت خايف عليك! أبوك لو عرف إنك جيتلي وفهمت.. مش هيسيبك. أبوك بقى شخص ثاني خلاص، الشخص اللي يبيع أخوه عشان يسلم نفسه، يقدر يبيع أي حد. أنا خايف يدمر مستقبلك زي ما دمر عمري. أنا ما رضيتش أحضنك عشان ما أتعودش عليك تاني.. أنا طالع من هنا ماليش حد، ومش عايز
منكم حاجة. ارجع يا حازم.. ارجع لأبوك، ومثّل إنك ما شفتنيش، ومثّل إنك بتكرهني زي ما هما بيكرهوني، عشان تعرف تعيش وسطهم!
الراجل قام وقف، الميكروباص كان وصل وركن في الموقف. مسك شنطته المتهالكة، وبصلي بصة أخيرة فيها كل معاني الحنان القديم اللي كنت فاكره، وقال
افتكر كلمة عمك.. التعليم مفيش فيه توفير، بس النذالة.. ليها ألف باب وباب. أوعى تطلع زيهم يا حازم.
ركب الميكروباص، والباب الاتقفل بصوت عالي، والميكروباص مشي وساب وراه عفرة غطت الطريق.
قعدت على الدكة لوحدي. التليفون
طولته.. لقيت اسم أبويا ينور على الشاشة.
رديت المرة دي.
صوت أبويا جه من الناحية الثانية، عصبي ومشدود وفي نبرة تهديد
إنت فين يا حازم؟ وصلت لعمك ولا لسة؟ أوعى تكون كلمته يا ولد!
بصيت للصحراء الممتدة قدامي، وحسيت إن الولد الصغير اللي كان بيقع في الترعة مات النهاردة، وإن حازم الجديد هو اللي واقف على رجليه.
تنفس بصوت هادي، وقلت ببرود يخوف
لا يا بابا.. ما قصرتش. وصلت، وشفته.. وفهمت كل حاجة.
السكوت ساد الناحية الثانية من الخط. أبويا ما نططقش، بس كنت سامع صوت أنفاسه العالية والارتباك اللي حل عليه.
كملت كلامي وأنا بفتح باب عربيتهم اللي اتكتبت بدم عمي
أنا راجع يا بابا.. بس مش راجع بيتك. أنا راجع عشان أخد حاجتي.. ومفيش حد في العيلة دي هشوف وشه تاني.
قفلت السكة في وشه، ورميت التليفون على الكرسي
اللي جنبي، ودست بنزين.. وأنا عارف إن الطريق اللي قدامي مش مجرد تمانمية كيلو راجعهم،