بعد جوازنا بثلاث أيام جوزي قلب سفرة الأكل برجله منى السيد
المحتويات
ليه؟ عشان كنت عايزة أشوف لغاية هتوصل، وعايزة أكتشف القناع هيوقع امتى. وادي القناع وقع، وفي أقصر وقت ممكن.. تلات أيام بس! تسلم إيدك والله، ريحتني من تعب سنين في إني أخمن إنت مين بجد.
سكت شوية، والمطبخ بقى فيه سكون تام.. مفيش غير صوت المطر اللي بره بيخبط على الازاز بعنف، كأنه بيأكد على قسوة الجو جوه وبره.
أحمد حاول يجمع بقايا غروره المهشم، وبلع ريقه وقال بصوت واطي ومرتجف
طي.. طيب يا ستي، حقك عليا.. العصبية عماني، والمطر والزحمة كانوا مخليني مش في شعوري.. سامحيني، دي ساعة شيطان!
بصيتله ببرود وأنا برفع حاجب واحد
ساعة شيطان؟ لا يا أحمد، دي مش ساعة شيطان.. دي حقيقتك اللي كنت مخبيها ورا ابتسامتك البلهاء طول فترة الخطوبة. بس ولا يهمك.. مادام اللعبة بدأت، لازم نكملها للآخر، بس القواعد مش هتحطها إنت.. القواعد أنا اللي هكتبها من اللحظة دي.
اتراجع لورا لحد ما خبط في الثلاجة، وقال بصوت مرعوب
ناوية تعملي إيه؟!
ولا حاجة.. النهاردة إنت هتنظف كل الأكل اللي وقع على الأرض ده بإيدك.. حتة حتة.. ومن غير ولا كلمة اعتراض. وبكرة الصبح، لما تصحى الساعة خمسة زي ما كنت بتقول.. مش هتلاقي فطار مستنيك، هتلاقي ورقة محترمة مجهزاها لك فيها شروط استمرارك معايا في الشقة دي، والشروط دي هتتنفذ بالحرف، لو خالفت حرف واحد.. مش هكتفي بإنك تطلع برا بيتي، ده أنا هخليك تلف حوالين نفسك في المحاكم والديون لحد ما تتمنى الأرض تنشق وتبلعك.
بص للسيراميك المليان أكل ومناظر الأطباق المكسورة، وبعدين بصلي.. وشاف في عيوني جبل من الإصرار والقوة ميتزحزحش بكلمتين تملق رخيص. حس إن كل أحلامه في السيطرة والتحكم بقت حطام زي الأطباق
نزل على روحه ببطء، وبدأ بإيد مرتعشة يلم إزاز الأطباق المكسورة، ووجهه ملوش أي ملامح غير الصدمة والذل.. وأنا وقفت مكاني مكتوفة الإيدين، بتفرج عليه ببرود، وأنا بكرر في سرّي دي لسه البداية يا أحمد.. والجاية أقسى بكتير.
مرت الساعات الأولى من الليل بطيئة وثقيلة كأنها دهور. أحمد خلص تنظيف المطبخ وهو صامت تماماً، مفيش صوت بيطلع منه غير أنفاسه المتقطعة اللي كانت بتتردد في أرجاء الشقة الواسعة. خلص شغله ووقف في نص المطبخ زي العيل الصغير اللي استخبى من عقاب أهله، عيونه في الأرض ومش دايس على طرف.
بصيتله نظرة أخيرة وأنا ماشية خارجة من المطبخ على الصالة، وقلت بنبرة هادية بس قاطعة زي السيف
الأوضة اللي جوه على الشمال.. دي بتاعتك من الليلة دي، وأوضتي أنا ممنوع تقرب منها، ولما تحب تخرج أو تدخل، اعدل لسانك واعرف بتكلم مين. تصبح على خير يا جوزي العزيز.
سبته واقف مكانه، ودخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح من جوه. رميت نفسي على السرير الواسع، وبصيت للسقف.. مكنش فيه أي دمعة ندم على الجوازة دي، بالعكس.. كنت حاسة بنشوة النصر المبكر. تلات أيام بس كانوا كفاية عشان يثبتوا لي إن الست اللي تبني نفسها بنفسها وتعتمد على عقلها وخبرتها، مفيش مخلوق يقدر يكسرها أو يقلل منها.
بس وأنا مغمضة عيني، كنت عارفة كويس إن أحمد مش هياخد الموضوع ببساطة كده. الراجل اللي متعود على سيطرة واهمة، مستحيل يستسلم بالسهولة دي، وإن اللي جاي مش مجرد حرب في البيت.. دي حرب كرامة واستمرار، وهتحتاج مني ذكاء ودهاء أكبر بكتير من مجرد رد فعل عصبي.
فتحت عيني تاني في الظلمة، وابتسمت بشرود وأنا بفكر في بكرة الصبح، والورقة اللي
صحيت الساعة ستة الصبح على صوت المطر اللي كان لسه بيخبط في أزاز الشباك بانتظام، وكأن الجو بره بيهيأ المسرح للملحمة اللي هتتم جوه الشقة. قمت من السرير بكل ثبات وراحة بال، مفيش أي أثر للتردد أو الخوف في قلبي. أخدت دُش دافي ولبست طقم شغلي الأنيق جداً، حطيت الميك أب بتاعي بالمللي، وكأنني رايحة صفقة مالية بملايين، مش رايحة أواجه راجل مفكر نفسه سي السيد على غفلة.
فتحت باب الأوضة وخرجت للصالة الواسعة. الشقة كانت هادية، بس السكون ده كان وراه توتر يعلم بيه ربنا. مشيت بخطوات وثيقة ناحية المطبخ، فتحت النور، الشقة كانت متنضفة وزي الفل، والأكل المكسور بتاع امبارح اختفى تماماً. أحمد عمل اللي طلبته منه بالحرف، بس أنا عارفة إن الذل ده هينبت جواه غل أعمى، وده المطلوب بالظبط.. عشان لما الراجل يتصرف بغير عقل، يغلط أغلاط كارثية.
عملت الفنجان البني بتاعي، وشلت الورقة والألم الجاف اللي كنت مجهزاه من بالليل، وحطيتهم على الترابيزة الكبيرة اللي في الصالة.
خرج أحمد من الأوضة الصغيرة.. كان شكله يزعل، عينيه منفخة من كثرة التفكير وعدم النوم، وهدومه مش مترتبة، وشعره منكوش. أول ما شافني واقفة بكامل أناقتي والقهوة في إيدي، اتثمر في مكانه، وبصلي بنظرة متخلطة بين الغل والخوف والكسرة.
صباح الخير يا عريس.. قلتها بنبرة ساخرة وأنا باخد بق من القهوة.
بلع ريقه وصوته طلع مجهد وناشف
صباح النور يا نهى.. إيه ده؟ إنتِ نازلة الشغل عادي كدة؟ إحنا بقالنا تلات أيام
ابتسمت ابتسامة عريضة وقربت منه
الناس؟ هما الناس دول اللي بيدفعوا أقساط الشقة يا أحمد؟ ولا هما اللي هيدفعوا ديون ورشتك اللي المحامي بتاعي جمعلي عنها كل الأوراق امبارح بالليل؟ وبعدين هو مش إنت اللي كنت امبارح بتقولي من بكرة هتصحي الساعة خمسة وتخدميني؟ أهو أنا صحيت خمسة، بس عشان أخدم نفسي ومستقبلي.. مش عشان أعملك فطار.
وشه جاب ألوان، الغضب فار جواه، بس المرة دي كان كاتمه بقوة، خايف يتهور فياخد ضربة أشد من بتاعة امبارح.
شاور بأصبعه على الورقة اللي على الترابيزة وسأل بصوت محشور
إيه الورقة دي؟
دي بقى دستور البيت الجديد.. اقعد واقراها بتركيز يا أحمد، عشان الورقة دي هي الخيط الرفيع اللي فاضل ومخليك عايش تحت السقف ده وفي الشقة دي باسم جوزي.
اتمشى بخطوات تقيلة وقعد على الكرسي، مسك الورقة بأيد بتترعش خفيف، وبدأ يقرأ الكلام اللي أنا كتبته بخط واضح ومحدد
الملكية والسيادة الشقة وكل محتوياتها ملك خالص للزوجة نهى، ولا يحق للزوج المطالبة بأي حق فيها أو التصرف في أي قطعة أثاث تحت أي مصفى.
الاستقلالية المالية حساباتي البنكية والمرتب الخاص بيا خط أحمر، ولا يحق لك السؤال عن الفيزا أو طلب أي مبالغ مالية تحت أي بند.
مصاريف البيت الشراكة تقتضي إنك تدفع نص مصاريف البيت والأكل والمرافق شهرياً بالمللي، وبدءاً من أول الشهر الجديد.
الاحترام والحدود الصوت العالي، العنف، التهديد، أو حتى مجرد التفكير في مد الإيد يعني الخروج المباشر من الشقة فوراً ورسالة محترمة للمحامي ببدء إجراءات القضايا اللي مش هتخلي في جيبك جنيه واحد.
شغلك
متابعة القراءة