أخت جوزي ضربتني بالقلم
المحتويات
جارة ورايا شنطة هدومي، جارة معاها سنتين من عمري عشتهم وأنا بحاول أرضي كل الأطراف على حساب نفسي. الشمس كانت لسه بتشقشق في سما البلد، والجو الصبح فيه نسمة برد بتخبط في وشي مطرح ما علم قلم شيماء. الغريب إني مكنتش حاسة بالبرد، كنت حاسة بنار قايدة جوايا، نار المظلوم لما يقرر إنه مش هيسكت تاني.
كريم منزلش ورايا، كبرياؤه منعه، أو يمكن تلاقيه قال في نفسه سيبوها تروح لأبوها تتربى يومين وتعرف قيمتي وترجع لوحدها. هما دايماً بيحسبوها كده، فاكرين إن الست ملهاش ملجأ ولا سند برة بيت جوزها، وناسيين إن بيت الأهل بيفضل مفتوح ودافي مهما دارت الأيام.
ركبت مواصلة وطلعت على بيت أبويا. طول السكة وأنا باصة من الشباك والدموع نازلة من تحت النظارة الشمس اللي لبستها عشان أداري عيني الورمانة من العياط. كنت بفكر في شكل أبويا لما يشوفني بالشنطة دي، يا ترى هيتحمل؟ يا ترى صحته هتستحمل حرقة قلبي؟
وصلت قدام البيت، بيت عيلتي الصغير البسيط اللي في أول البلد. وقفت ثواني أجمع شتات نفسي، مسحت دموعي، وأخدت نفس طويل، وفتحت الباب بالمفتاح اللي لسه محتفظة بيه في ميداليتي من يوم ما اتجوزت.
دخلت الصالة، كانت أمي قاعدة على المصلاية بتقرأ في المصحف بعد صلاة الصبح. أول ما سمعت صوت الباب وبصت وشافت الشنطة في إيدي، المصحف صدم في حجرها ووقفت مخضوضة سمر؟! يا بنتي في إيه؟ إيه الشنطة دي؟
في اللحظة دي، كل الحصون اللي بنيتها طول السكة اتهدت. سبت الشنطة من إيدي وبكيت بكاء هير القلب. كنت بشهق وزي العيل الصغير اللي بيدور على أمان تاه منه. أمي فضلت تطبطب عليا وتدعي يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. استرها يا رب، في إيه يا سمر؟ جوزك جرى له حاجة؟ أنتم اتخانقتم؟
على صوت عياطنا، خرج أبويا من أوضته وهو بيجر رجله بتعب، وبص لي بنظرة كلها خوف وقلق في إيه يا جماعة؟ سمر؟ أنتي إيه اللي جابك في وقت زي ده يا بنتي؟
قعدت على الكنبة، وأمي جابت لي كوباية مية وأنا برتعش. بصيت لأبويا ولقيت نفسي مش قادرة أخبي، الخبث والمداراة مبيجيبوش غير الوجع. قولت لهم كل حاجة.. من أول ما وصلنا الفرح، لحد خبطة البنت الصغير، لقلم شيماء اللي طرشّق في القاعة، ليمين الطلاق اللي كريم رمى بيه عليا عشان يحمي أخته ويجبرني أعدي الإهانة، لحد ما محمود جوز شيماء طردها وجاءت تعتذر الصبح وكريم فاكر إن الموضوع كده خلص.
أبويا كان بيسمعني وهو حاطط إيده على قلبه، وشه بيجيب ألوان، وعروق وشة بارزة من الغضب. أول ما خلصت كلامي، وقف على رجله ورغم تعبه حسيت بجبروت الأب وسنده وقالي بصوت زلزل البيت قلم؟ أخت جوزك تمد إيدها عليكي في وسط البلد وجوزك يقف يتفرج ويحلف عليكي بالطلاق عشان متخديش حقك؟! ده لو مكنش في راجل يحميكي، يبقى البيت ده ملوش حزام! والله يا سمر، لو رجعتي له تاني لا أنتي بنتي ولا أعرفك! كرامتك من كرامتي يا بنتي، واللي يكسرك يكسرني أنا الأول.
أمي كانت بتلطم على صدرها وتقول يا مري! بقى كريم ابن الناس الطيبين يعمل كده؟ يقف
كلام أبويا رجع لي روحي. حسيت إن الظَهر اللي اتقطم امبارح في الفرح، رجع يتصلح تاني. نمت انا و أمي اليوم ده وأنا حاسة بإرهاق شديد، نمت نوم عميق مكلتش فيه ولا شربت، بس كنت حاسة إني مش لوحدي.
على العصر، البلد كلها كانت مقلوبة. الفيديوهات اللي الناس صورتها في الفرح كانت اتسربت على الموبايلات، والناس في الأرياف مابتصدق تلاقي سيرة تتكلم فيها. كريم وأهله بقوا في موقف لا يحسدوا عليه. الناس بدأت تتكلم إن محمود جوز شيماء راجل وعرف يربي مراته وطردها، وإن كريم مش راجل عشان مقدرش يحمي مراته في وسط عيلته وجاء عليها. الكلام ده كان زي السكاكين في صدر كريم، لأن الراجل في بلدنا ميعيبوش غير قلة هيبته.
سمعت صوت خبط جامد على الباب برة. قومت من السرير مخضوضة، لقيت أبويا خارج للصالة وبيقول لأمي خليكي جوة مع بنتك، ومحدش يفتح الأوضة.
بصيت من ورا الشيش بتاع الأوضة، لقيت كريم واقف برة ومعاه عمي الكبير وعم كريم الحاج صالح، راجل من كبار البلد وكلمته مسموعة. أبويا فتح الباب ببرود ووقف على العتبة، مسمحلهمش يدخلوا الصالة.
الحاج صالح قال السلام عليكم يا حاج أحمد، إحنا جايين في حق وخير، مينفعش نفضل واقفين على الباب كده، عيب في حقنا وحقك.
أبويا بص له وقاله العيب عرفناه امبارح يا حاج صالح، لما بنتي انضربت وسط عيلتكم وابنكم وقف يتفرج ويحلف بالطلاق. اللي ملوش أمان في بيته، ملوش ترحيب في بيتي. اتفضلوا قولوا اللي عندكم هنا على الأعتاب.
كريم حاول يتكلم وقال بنبرة فيها عصبية مكتومة يا عمي أحمد، أنا جيت لسمر الصبح وأختي اعتذرت لها وبست على راسها، والموضوع خلص. سمر اللي ركبت رساها ولمت هدومها وجات عندك عشان تعمل شوشرة ملهاش لازمة وتكبر الموضوع وسط الناس.
أبويا قاطعه بزعقة خلت كريم يرجع خطوة لورا اخرس خالص يا كريم! متطقش اسم بنتي على لسانك. بنتي مش بتاعة شوشرة، بنتي راحت معاك بكرامتها وبعبايتها البيضا، وترجع لي بكرامتها. أختك غلطت وجوزها أدبها، ده حق جوزها عليها. لكن حقي أنا وبنتي عندك أنت! أنت اللي حلفت بالطلاق عشان تكسرها وتصغرها قدام الناس! أنت اللي محمتش عرضك!
الحاج صالح تدخل عشان يهدي اللعب يا حاج أحمد، صلِ على النبي، الشيطان دخل بين العيال، وإحنا جايين نصلح. كريم غلطان وإحنا معترفين، واليمين اللي قاله ده يمين لغو في ساعة غضب، هنروح لشيخ الأزهر في المركز ونستفتي وهيطلع كفارة إطعام مساكين والمسألة تنتهي، والست سمر ترجع بيتها معززة مكرمة وإحنا نكتب لها ترضية.
أبويا بص لكريم وقال يمين الطلاق ده أمره عند ربنا والشيخ، لكن يمين الكرامة ده عندي أنا. ترضية إيه اللي بتتكلم عنها يا حاج صالح؟ بنتي مش هترجع البيت ده غير بشروط، وأولها إن ابنكم يعرف يعني إيه شريكة حياة ويعني إيه راجل يصون مراته.
كريم قال بغضب شروط إيه دي يا عمي؟ أنا مش عيل صغير هتملي عليا شروطك! أنا جيت بأصول
أبويا قاطعه وقفل الباب في وشهم بقوة وقال الباب يفوت جمل يا كريم! وأعلى ما في خيلك اركبه!
بعد الموقف ده، الأمور اتعقدت أكتر. كريم حس إن كرامته اتهانت لما أبويا قفل الباب في وشه قدام عمه وكبير البلد. وبدل ما يعتذر ويهدي الأمور، العند ركبه والشيطان وزّ في ودنه.
بعدها بأسبوع، جالي المحضر بالملف إنذار بالطاعة.
كريم باعت لي إنذار في المحكمة بطلب في الطاعة، يعني يا إما أرجع بيت الزوجية في خلال ثلاثين يوم، يا إما يرفع عليا قضية نشوز وأتحرم من كل حقوقي ونفقتي!
أمي أول ما شافت الورقة قعدت تعيط وتصوت يا لهوي يا بنتي! المحاكم دخلت بينكم؟ كده خلاص الخراب دخل البيت، كريم ناوي على شر وبيرد القلم اتنين.
أنا مسكت الورقة بإيدي وأنا ببتسم ابتسامة باردة. سبحان الله، الراجل اللي حارب عشان يسكتني امبارح، هو نفسه اللي بيحارب دلوقتي بالمحاكم عشان يذلني ويوثق كسرتي بالورق والقانون. بصيت لأمي وقولت لها متبكيش يا أمي. المحاضر ده مبيخوفش غير الست الضعيفة اللي ملهاش ضهر. كريم فاكر إنه بالورقة دي هيجبرني أرجع أعيش معاه ذليلة ومطأطأة الراس، بس هو لسه معرفش سمر على حقيقتها.
أبويا أخد الورقة وراح لمحامي كبير في المركز، راجل محترم وصديق عمره. المحامي طمن أبويا وقاله قضية الطاعة دي لعبة قديمة، إحنا هنرد عليها ب اعتراض على إنذار الطاعة وبدل ما هي قضية ضد سمر، هنقلبها قضية طلاق للضرر بسبب سوء المعاملة والإهانة اللي اتعرضت لها قدام الناس، والفيديوهات اللي في الفرح دي هتكون أكبر دليل للقاَضي إن البيت ده مأمونش على البنت فيه.
في نفس الفترة دي، شيماء أخت جوزي كلمتني من تليفون حماتي. كانت بتعيط وبتقول سمر، ابوس إيدك اتنازلي وخلي الأمور تمشي، محمود جوزي عرف إن كريم رافع عليكي قضية طاعة، وقال لي أخوكي مبيصونش حريم، وإللي ملوش خير في مراته ملوش خير في حد، وأنا مش هسيب مراتي في بيت عيلة مبيحترمش الأصول، محمود عايز يطلقني رسمي يا سمر لو أنتم مطلقتوش أو اتصالحتم! بيتي بيتهد بسبب العند بتاعكم!
قولت لها ب نبرة هادية وبدون أي غل يا شيماء، أنا قولتلك إني مسمحاكي، واديكِ شفتي إن ظلمك ليا دار ولف ورجع لبيتك وعيالك. ربنا مبيسيبش حق حد يا بنتي. بس مشكلتي دلوقتي مش معاكِ، مشكلتي مع أخوكِ اللي بايع ومفكر إن الست لعبة في إيده يطلقها باللسان ويرجعها بالمحكمة. قولي لأخوكِ يلم الدور، لأن الخسارة المرة دي مش هتبقى بيتي أنا بس، دي هتبقى خسارة العيلة كلها.
مرت الأيام، وجاءت أول جلسة في المحكمة. كنت واقفة مع أبويا والمحامي في الممر، ولقيت كريم داخل ومعاه محاميه. كريم كان باصص لي بنظرة تحدي، وكأنه بيقول لي وريني هتعملي إيه بالورق والقانون.
دخلنا قدام القاضي. محامي كريم بدأ يتكلم ويقول إن الزوجة ناشز وخرجت عن طوع جوزها بدون وجه حق وسابت بيتها وعيالها في ساعة غضب.
هنا وقف المحامي بتاعي، وبكل هدوء
القاضي بص لكريم بنظرة صارمة، وطلب يشوف الفيديوهات، ووش كريم بدأ يقلب وجاءت عليه علامات الصدمة، مكنش متوقع إن الفيديوهات دي هتوصل للمحكمة وتبقى دليل رسمي ضده.
خرجنا من القاعة مستنيين قرار القاضي، وكريم جه ورايا بسرعة وهو وشه أحمر من الخزي وقالي بصوت واطي سمر.. أنتي عايزة تخربي بيتنا بجد وتفضحينا في المحاكم؟
بصيت له بكل قوة وعيني في عينه وقولت الفضيحة أنت اللي عملتها يوم ما سيبت إيدي تنضرب يا كريم. المحكمة دي مش عشان أخرب البيت.. المحكمة دي عشان أجيب حقي اللي أنت همست في ودني وقولت لي عليّا الطلاق مش هتاخديه. أديني باخده بالقانون وبأصول ربنا، والبادئ أظلم.
وقف كريم مذهول في ممر المحكمة، الكلمات تاهت من على لسانه وهو شايف البنت الغلبانة، اللي كانت ماشية جنب الحيط وبتقول يا رب استرها معايا، واقفة قدامه بقوة وشموخ ومبتتهزش. حاول محاميه يجرّه بعيد وهو بيهمس له المنظر مش في صالحنا يا كريم يا ابني، الفيديوهات دي لو القاضي اعتمدها، قضية الطاعة بح، وهتتحكم لها بالطلاق للضرر والنفقة والمؤخر كامل، وهتخرج من المولد بلا حمص.. لازم نشوف حل ودي بسرعة.
لكن كريم، من كتر الصدمة والعند اللي عمى عينيه، نفض إيد محاميه ومشي وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم، وعينيه بتطق شرار. لفيت ضهري وبصيت لأبويا اللي كان ساند على عكازه، وابتسامة فخر مرسومة على وشه التعبان. طبطب على كتفي وقال عاش يا بنتي.. الراجل اللي ميعرفش يقيم مراته في الهنا، ملوش كلمة عليها في الزعل. يلا بينا نروح.
رجعنا البيت، والبلد كلها مكنش وراها سيرة غير سمر اللي وقفت لجوزها وعيلته في المحكمة. الأرياف مفيهاش أسرار، وبمجرد ما المحامين والشهود رجعوا، الخبر انتشر زي النار في الهشيم. في وسط الأيام دي، بدأت أحس بإن ربنا سبحانه وتعالى بيعوضني عن كل ليلة نمت فيها مقهورة؛ الستات في البلد اللي كانوا بيشفقوا عليا امبارح، بقوا بيبصوا لي اليوم بنظرة إعجاب، والكل بقا يعمل حساب ل سمر بنت الحاج أحمد اللي متقبلش العيبة.
بعد الجلسة بأسبوع، الباب خبط في وقت متأخر من السهرة. أمي فتحت، ولقينا الحاج صالح، عم كريم وكبير عيلتهم، داخل ومعاه راجلين من أعيان البلد، بس المرة دي كريم مكنش معاهم.
أبويا استقبلهم في الصالة بكل أدب، وقعد وهو حاطط رجله فوق رجله، ملامحه هادية بس حاسمة.
الحاج صالح اتنهد وقال يا حاج أحمد، إحنا جايين لك المرة دي وإحنا عارفين إن عيلتنا غلطت في حقكم، والولد
متابعة القراءة