أخت جوزي ضربتني بالقلم
انزاحت، والنفوس صِفيت. وأنا قدام عمنا الحاج صالح والكل، بقول لشيماء مراتي مرات أخوكي دي تشيليها فوق راسك، وتتعلمي منها الأصول، والبيت ده ملوش سيرة غير بالخير من هنا ورايح.
شيماء هزت رأسها بالموافقة وقالت حقكم عليا جميعاً، وسمر دي أختي الكبيرة ومقامها على راسي.
رديت عليها وقولت إحنا ولاد عيلة واحدة يا أبو عيالنا، والصلح خير.
في اللحظة دي، بصيت لكريم اللي كان قاعد جنبي، شفت في عينيه نظرة امتنان عميقة جداً. كان عارف إن تصرفي ده، ومسامحتي لأخته في العلن ومساعدتها قدام جوزها، هو اللي قفل باب الفضيحة تماماً، وهو اللي رجع لعيلته هيبتها اللي تاهت في الفرح. كريم فهم إن الست القوية مش اللي بتستمر في الانتقام، الست القوية هي اللي بتعرف إمتى تضرب بالحق، وإمتى تعفو وتكبر من مكانة جوزها لما تلاقيه صانها بجد.
رجعنا بيتنا في سهرة اليوم ده. الشارع كان هادي، ونور شقتنا كان دافي ومريح. دخلنا، وكريم قفل الباب ورايا. التفت إليّ، وأمسك إيدي الاثنين، وبص في عيني ونزل على ركبه قدامي في وسط الصالة!
اتخضيت وقولتله في إيه يا كريم؟ بتعمل إيه؟ قوم!
نظر إليّ وعينيه مغرورقة بالدموع وقال سمر.. أنا النهاردة بس حسيت إني رجعت راجل بجد. أنتي النهاردة كبرتي بيا قدام أهلي وعيلتي وعمامي كلهم. أنتي عفتِ عن أختي وساعدتيها في بيتها بعد ما كنتي تقدري تذليها وتذليني معاها. أنا عمري ما هنسى ليكي الموقف ده يا سمر. الورق والشروط اللي مضيت عليها في بيت أبوكي كانت حقك، لكن اللي عملتيه النهاردة ده فوق الحق.. ده أصل وفضل مش بيطلع غير من بنت أكابر بجد.
قومت قعدت جنبه على الأرض، وأمسكت وجهه بإيدي وقولت له بصوت كله حنان يا كريم، أنا لما حاربت، محاربتش عشان أخرب بيتي، ولا عشان أذلك قدام الناس. أنا حاربت عشان أفوقك، عشان أعرفك إن مراتك دي شرفك وعرضك، واللي يقبل على مراته الإهانة، الناس بتهينه هو الأول. أنا النهاردة كبرت بيك لأنك بقيت جوزي وسندي بجد، والست لما تلاقي راجلها ضهر ليها، بتشيله فوق راسها وبتفدي أهله بعينها.
بكى كريم مثل الطفل الصغير الذي وجد أمانه بعد طول غياب. في تلك الليلة، انمحت آخر نقطة سوداء كانت في قلبي من ناحيته. حسيت إن المركب اللي كانت بتغرق امبارح، النهاردة رست على بر الأمان، مش بالخوف ولا بالتهديد ويمين الطلاق، بل بالحب والاحترام والأصول المتبادلة.
مرت الأيام والشهور، وأصبحت حياتنا مثالاً يُحتذى به في البلد كلها. شيماء أصبحت حريصة على ودّي، وتأتي لزيارتي وهي محملة بالهدايا وتستشيرني في كل صغيرة وكبيرة في بيتها. وحماتي تفتح لي قلبها ودعواتها لا تنقطع عني وعن بيتي.
وفي صباح يوم مشمس، كنت واقفة في المطبخ بجهز الفطور لكريم وهو بيستعد للذهاب لشغله. شعرت بدوار خفيف، وتعب مفاجئ لم أعهده من قبل. ابتسمت في سري وأنا بفتكر الأيام اللي فاتت، وقولت في نفسي سبحان مغير الأحوال من حال إلى
خرجت للصالة ولقيت كريم لابس ومتأنق، جئت أضع له الفطور، فنظر إليّ بقلق وقال مالك يا سمر؟ وشك أصفر وتعبانة ليه كده يا بنتي؟
أمسكت إيده وحطيتها على بطني وقولت له بابتسامة مليانة دموع وفرحة مفيش يا كريم.. شكل الشروط الجديدة اللي كتبناها في العقد، ربنا هيبارك لنا فيها بفرع جديد يملأ علينا البيت.
كريم اتصدم، وساب الشنطة من إيده، وشالني ولف بيا في الصالة وهو بيصرخ من الفرحة ويدعي ربنا ويبكي. في اللحظة دي، بصيت للسماء وقولت الحمد لله يا رب.. الحمد لله اللي نصرني بالحق، وجبر بخاطري، وعوضني عن كل ليلة قهر عشتها. الكرامة غالية، والأصول مبتخسرش أبداً، والبيت اللي بيتبني على العدل، ربنا بيعمر فيه الخير والبركة لآخر العمر.
كان خبر الحمل بمثابة طوق النجاة الأخير الذي رسخ جذور بيتنا في أرض طيبة، وجعل الأيام العصيبة التي عشناها مجرد ذكرى بعيدة نمر عليها لنأخذ منها العبرة، لا لنبكي على أطلالها. تبدلت أحوال البيت تماماً؛ كريم الذي كان في الماضي يرى في طلباتي ثقلاً، بات اليوم يتلمس رضايا في كل لفتة، وأصبحت راحتي هي شغله الشاغل. لم يكن يفعل ذلك خوفاً من الشروط المكتوبة أو الورق الذي بيننا، بل كان مدفوعاً بوعي جديد، وعي الرجل الذي أدرك قيمة الجوهرة التي بين يديه بعدما كاد يفقدها للأبد.
مرت شهور الحمل الأولى ثقيلة ومتعبة على جسدي، لكنها كانت خفيفة مبهجة على روحي. لم تتركني أمي لحظة واحدة؛ كانت تأتي من أول البلد محملة بالخيرات والدعوات، وتجلس معي بالأيام لترعاني. وحماتي كذلك، الست الطيبة التي لم تزدها الأيام إلا حباً لي، كانت تدق بابي كل صباح وهي تحمل لي طعام الإفطار الساخن، وتوصي كريم بي قائلة شيلها في عينيك يا ابني، سمر دي هي البركة اللي دخلت بيتنا، وهي اللي صانت عرضنا وعفت عن بنتي لما كانت قادرة تكسرها.
أما شيماء، فقد تبدل حالها سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال. الغيرة التي كانت تأكل قلبها انطفأت، وحل محلها نوع من الاحترام العميق الهادئ. أصبحت تأتي لزيارتي بخطوات خفيفة، تجلس معي لتساعدني في ترتيب المنزل، وتستشيرني في أدق تفاصيل حياتها مع زوجها محمود. وفي كل مرة كانت ترى فيها بطني المرتفعة، كانت تدمع عيناها وتقول ربنا يقومك بالسلامة يا سمر، ويجعل مولودك وش السعد علينا كلنا، زي ما كنتِ أنتي وش السعد من يوم ما رجعتي بيتك بالحق والعدل.
وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة، وفي الشهر التاسع من حملي، كنت جالسة مع كريم في الصالة نشاهد التلفاز والدفء يملأ أركان شقتنا. فجأة، شعرت بآلام مخاض قوية وعنيفة لم أتحملها. صرخت وأمسكت بمعصم كريم، الذي انتفض من مكانه وكأن صعقة كهربائية أصابته.
تسمر في مكانه لثوانٍ من الخوف، ثم بدأ يتحرك في كل اتجاه وهو يصرخ سمر! في إيه؟ الولادة؟ طب نعمل إيه؟ أكلم أمي؟ أطلب الإسعاف؟
ورغم ألمي، ابتسمت من وسط دموعي على منظره وقولت له بصوت متقطع كلم.
في دقائق معدودة، كان كريم قد اتصل بالجميع. نزلنا السلم وهو يسندني بكل قوته، يهمس في أذني بآيات من القرآن ويقبل رأسي في كل خطوة. وصلنا إلى المستشفى في المركز، وخلال نصف ساعة، كانت العائلة كلها متجمعة في الممر الخارجي. أمي تبكي وتدعو، وأبويا يستند على عكازه وعيناه معلقتان بباب غرفة العمليات، وحماتي وشيماء ومحمود.. الكل واقف على قدم وساق، ينتظرون بلهفة قدام الباب.
دخلت غرفة العمليات، وكنت أسمع من وراء الجدران صوت كريم وهو يتوسل للطبيبة أرجوكي يا دكتورة، سمر أهم حاجة.. طمنيني عليها هي الأول. وفي تلك اللحظات الصعبة، لم أكن أشعر بالخوف؛ كنت أشعر بسلام داخلي غريب، لأنني أعلم أنني لست وحيدة، وأن وراء هذا الباب رجالاً وأهلاً يحبونني ويخافون عليّ، وأن كرامتي التي حاربت من أجلها، أثمرت اليوم حباً حقيقياً يحيط بي من كل جانب.
ساعات قليلة، وخرجت إلى الدنيا طفلتي الجميلة تاج. أسميتها تاج لتكون تاجاً لقصتي، ورمزاً للكرامة التي رفضت أن أتنازل عنها يوم أن أهنت وسط الزحام.
عندما أفقت من البنج، وجدت نفسي في غرفتي بالمستشفى، والجميع من حولي. كان كريم أول من اقترب مني، وعيناه ممتلئتان بدموع الفرح الهاربة. انحنى وقبل جبيني طويلاً، ثم أخذ الطفلة الصغيرة من الممرضة ووضعها بين يدي وهو يهمس بصوت مرتعش مبروك يا أم تاج.. مبروك يا غالية يا بنت الأكابر. ربنا يخليكي ليا ولبيتنا، ويقدرني أسعدك وأعوضك عن كل وجع شفتيه بسببي.
أبويا اقترب مني وهو يبتسم بفخر، أخذ الصغيرة وأذن في أذنها، ثم التفت لكريم وقال بنبرة الأب الحكيم الفرع الجديد ده يا كريم أمانة في رقبتك، زي ما أمه كانت أمانة وضيعتها ورجعت صنتها. البنت في بيت أبوها بتكون ملكة، وفي بيت جوزها لازم تعيش أميرة، والراجل الحقيقي هو اللي بيخلي مراته رافعة راسها قدام الدنيا كلها.
هز كريم رأسه بوقار وقال في عيني يا عمي أحمد، سمر وتاج في عيني وقلبي، وعهدي قدام ربنا وقدامكم كلكم إني مش هسمح لنسمة الهوا تضايقهم.
اقتربت شيماء وعيناها تلمعان بالدموع، نظرت إليّ وقالت تربى في عزكم يا سمر، مبروك يا أمي المحترمة. شكرتها وابتسمت لها، وشعرت في تلك اللحظة أن كل الحسابات القديمة قد تلاشت، وأن النفوس صفت تماماً ولم يعد هناك مكان للضغينة.
بعد مرور أسبوع على الولادة، أقمنا عقيقة كبرى لتاج في البلد. أصر كريم على أن تكون العقيقة أمام البيت، في نفس الشارع والصوان الذي شهد واقعة الفرح المشؤومة قبل أكثر من عام. قال لي وهو يجهز الذبائح والأنوار يا سمر، المكان اللي انكسرتِ فيه قدام الناس زمان من غير ذنب، لازم يكون هو نفس المكان اللي ترفعي فيه راسك والناس كلها تيجي تهنيكي وتعرف قيمتك.
كان اليوم أشبه بالعرس الكبير. جاء أهل البلد كلهم، من عقر دارنا ومن العائلات المجاورة. طاولات الطعام امتدت
جلس كريم بجانب عمي أحمد وأبويا والحاج صالح ومحمود جوز شيماء، وكان يتحدث بفخر واعتزاز عن بيته وعن زوجته وعن الفرحة التي ملأت حياته. لم يكن هناك همس أو شفقة في عيون الحاضرين هذه المرة؛ بل كانت نظرات إعجاب واحترام لقصة الست التي عرفت كيف تأخذ حقها بأصول ربنا وقانونه، وكيف تعيد بناء بيتها على أساس من العزة والكرامة.
في نهاية السهرة، بعد أن انصرف المعازيم وهدأت ضوضاء الاحتفال، صعدنا أنا وكريم إلى شقتنا. كانت الطفلة تاج قد نامت في سريرها الصغير بسلام. خرجت إلى البلكونة لأستنشق الهواء العليل، وأتأمل شوارع البلدة الهادئة تحت ضوء القمر.
جاء كريم من خلفي، ووضع عباءتي على كتفي ليحميني من برد الليل، ثم أحاطني بذراعيه وقال بصوت مليء بالهدوء والرضا بتفكري في إيه يا سمر؟
التفت إليه، ونظرت في عينيه اللتين باتتا تعكسان الأمان الذي طالما بحثت عنه، وقلت له بنبرة هادئة بفكر في الدنيا يا كريم.. بفكر في اللحظة اللي الدنيا لفت بيا فيها في الفرح، لما انضربت بالقلم وحسيت إن الأرض بتبلعني وإن بيتي وحياتي انهاروا في ثانية. وبفكر في حالي دلوقتي وأنا واقفة في نفس المكان، وبيتي معايا، وجوزي سندي، وبنتي، وكرامتي ممسوسة بل مصونة ومحفوظة.
أمسك إيدي وقبلها وقال الدنيا بتلف يا سمر عشان تصحي الغافل وتعرف الظالم إن في رب للحقوق. أنا كنت غافل، والعند والتعصب الأعمى لعيلتي كان يعميني عن الحق. القلم اللي ضربتهولك أختي كان فوق راسي أنا اللي فوقني وعلمني إن الرجولة مش فرض سيطرة ولا يمين طلاق بترمي في ساعة غضب، الرجولة هي احتواء وحماية وأصول. أنتي صبرتي، ولما جيتي تاخدي حقك، أخدتيه بأدب وبنت ناس، وعشان كده ربنا نصرك وكبرك في عيون الكل وعيوني أنا الأول.
ابتسمت وقولت له المركب اللي كانت ماشية بالدادي والسكوت يا كريم، كانت هتغرق في أول موجة. لكن المركب اللي بتمشي بالعدل، وبأن كل واحد يعرف حقه وواجباته، ويسند التاني ويحترم كرامته، هي المركب اللي بتعيش وبتعبر أي بحر مهما كان هائج.
سكتنا طويلاً، ونحن ننظر إلى السماء الصافية. شعرت في تلك اللحظة أن رسالتي قد اكتملت، وأن التجربة القاسية التي مررت بها لم تكن لعنة، بل كانت رحمة من الله لتعيد صياغة حياتي وحياة عائلتي بالكامل. تعلمت أن الست الطيبة الغلبانة التي تسير بجانب الحيط ليست ضعيفة، بل هي قوية بأصلها، وعندما يفيض بها الكيل وترفض الظلم، يقف الكون كله احتراماً لثورتها بالحق.
دخلنا شقتنا الدافئة، وأغلقنا الباب وراءنا، تاركين وراء ظهرنا كل ما مضى من وجع وقهر، مستشرفين مستقبلاً جديداً بنيناه بأيدينا، خطوة بخطوة، على أرض صلبة من الحب، والاحترام، والأصول
تمت بحمد الله