أخت جوزي ضربتني بالقلم
المحتويات
إحنا ولاد بلد واحدة، والمحاكم دي بتاكل من سمعة العيلتين، وميرضيش ربنا إن الأمور توصل للطلاق والخراب والمحاضر.
أبويا رد بكل رزانة والله يا حاج صالح، الخراب ده ابنكم هو اللي جابه برجله لحد بيتنا. بنتي راحت عنده مصونة، وانضربت قدام أهله وناسه، وبدل ما ينصرها، حبس حقها بيمين طلاق. ولما جينا نعاتب بالأصول، جاب لي المحضر بإنذار طاعة عشان يكسر رقبتها. تفتكر بعد كل ده، لسه في مكان للأصول؟
الراجل اللي مع الحاج صالح اتكلم وقال عندك حق يا حاج أحمد، وكريم غلطان ومحجوج، وإحنا جايين دلوقتي ب قعدة حق.. قعدة عرب ورجالة، وشروطك اللي هتقولها هتمشي على رقبة كريم وعلى رقبتنا كلنا، بس بلاش المحاكم والفضايح، والست سمر ترجع بيتها مكرمة، وكريم يكتب لها الترضية اللي ترضيها.
أبويا بص لي، وسألني برأيي بنظرة عين فهمتها. قومت وقفت ووقفت وسط الرجالة بكل أدب وقولت يا حاج صالح، أنتم على راسي من فوق، والأصول إحنا أولى الناس بيها. أنا مش غاوية محاكم ولا خراب بيوت، وأنا وافقت على قعدة الحق دي عشان خاطركم وخاطر بلدنا، بس شروطي مفيهاش فصال، ولو كريم موافقش عليها، يبقى القاضي هو اللي هيحكم بنا.
الحاج صالح قال قولي يا بنتي وشروطك مجابة.
قولت بثقة أولاً، كريم يطلقني يمين على يد مأذون عشان يمين الطلاق اللي رماه في الفرح نخلص من شبهته شرعاً، ويردني بعقد ومهر جديدين، عشان يعرف إن رجوعي مش ببلاش. ثانياً، شقة الزوجية تتكتب باسمي أو يتكتب لي وصل أمانة بقيمتها كضمان. ثالثاً، شيماء أخته متدخلش بيتي ولا تلمح وشي، وعلاقتي بحماتي الست الطيبة هتفضل على راسي، لكن شيماء خط أحمر. ورابعاً وأخيراً.. كريم يعتذر لي قدام عيلتي كلها في قعدة الرجالة دي، ويرد لي اعتباري زي ما ساب كرامتي تتداس في الفرح.
الرجالة بصوا لبعض، الشروط كانت تقيلة وتكسر عين أي راجل مغرور، بس الحاج صالح هز راسه وقال حقك يا بنتي، واللي صان عرضه وصان كرامته يستاهل. أنا هروح لكريم وأقعد معاه، وإن شاء الله قعدة الحق هتكون الخميس الجاي في بيت أبوكي.
لما كريم عرف بالشروط، البلد كلها عرفت إنه انهار وعلي صوته، وقال تكتب الشقة باسمها؟ وتخليني أعتذر لها؟ أنا كريم يتعمل فيا كده من حتة عيلة؟
لكن الحاج صالح وقف له وقفة رجالة وقاله العيلة دي اللي تستهون بيها، كسبت قضيتها في المحكمة بالفيديوهات، والفضيحة هتبقى بجلاجل لو القاضي حكم بالطلاق للضرر. ده غير إن جوز أختك شيماء حالف ما يرجعها غير لما الأمور تصفى، يعني خراب بيتك هيبقى خراب لبيت أختك كمان! يا إما توافق وتنزل راسك للأصول، يا إما تنسى إن ليك عيلة تقف وراك.
تحت ضغط العيلة، وخوفه من خسارة كل شيء في المحكمة، وخوفه الأكبر من كلام الناس اللي بقى يلاحقه في كل مكان، كريم وافق.. وافق وهو مكسور الجناح، والعند اللي كان سايقه اتهد تماماً.
وجاء يوم الخميس المشهود..
صالة بيت أبويا كانت مليانة من كبار البلد ورجالة العيلتين. كنت قاعدة في الأوضة الجوانية، وسامعة كل كلمة بتتقال برة. دخل المأذون الأول، وطلقني من
بعد ما المأذون خلص ورقته، الحاج صالح نادى عليا اخرجي يا سمر يا بنتي، خدي حقك.
خرجت ووقفت بكل ثبات. كريم كان قاعد، عينه في الأرض، وشه أحمر وعروقه بارزة، مش قادر يبص في عيني من الكسرة. قام وقف قدام الرجالة كلها، وبص لي وقال بصوت فيه بحة وندم حقيقي حقك عليا يا سمر.. أنا غلطت في حقك، وسيبت الشيطان يدخل بنا، ومحمتكيش في وقت كان لازم أكون أنا ضهرك وسندك. قدام كبار البلد وعيلتك، أنا بعتذر لك، وكرامتك من كرامتي، والي اللمسة اللي تمسك هقطعها.
أبويا طلع دفتر الشروط، وكريم مضى على التنازل عن الشقة ووقع على الشروط الجديدة وهو ساكت تماماً. في اللحظة دي، حسيت إن الروح ردت فيا.. القلم اللي انضربت بيه في الفرح، اترد دلوقتي بس مش بالايد ولا بالضرب، اترد بالحق، بالأصول، وب إن الست لما ترفض الظلم، الدنيا كلها بتجبر بخاطرها.
بعد ما الرجالة مشيوا، فضلت أنا وكريم في الصالة لوحدنا. قرب مني بخطوات بطيئة، باين عليه إنه اتقدم في السن من كتر الهم اللي شافه في الكام أسبوع دول. بص لي وقال بنبرة رجاء ارتحتي يا سمر؟ خدتي حقك تالت ومتلت، وكسرتي عيني قدام البلد كلها؟
بصيت له بكل هدوء وقولت أنا مكسرتش عينك يا كريم، أنت اللي كسرت نفسك يوم ما استهونت بيا. أنا دافعت عن نفسي وعن كرامتي اللي أنت حطيتها تحت رجل أختك. الشقة والورق والاعتذار ده كله مش عشان أذلك.. ده عشان تفتكر دايماً إن سمر مش غلبانة ولا ملهاش حد، سمر وراها راجل عرف يربيها وعرف يجيب لها حقها.
سكت شوية، وبعدين قال يلا بينا نرجع بيتنا؟
قولتله أنا هقعد في بيت أبويا أسبوع كمان.. عشان أرتاح، وعشان أنت كمان تقعد مع نفسك وتفكر في العقد الجديد اللي كتبناه. إحنا هنرجع يا كريم، بس مش سمر القديمة اللي هترجع معاك. هترجع معاك الست اللي هتشيلك في عينيها طالما صاينها، بس لو فكرت في يوم تيجي عليها، هتلاقيك بتخسرها وبتخسر كل حاجة في ثانية.
هز راسه بالموافقة وهو مش قادر يتكلم، وخرج من البيت وهو عارف إن اللعبة اتغيرت، وإن المركب اللي كانت ماشية بالدادي، دلوقتي هتمشي بالعدل والأصول.
مر الأسبوع، ورجعت بيتي.. بس المرة دي دخلت وأنا رافعة راسي، الشقة شقتي بالقانون، وكريم بقى بيعمل لكل كلمة بقولها ألف حساب. شيماء أخته ا تلمت، ومبقتش تقدر حتى تجيب سيرتي بكلمة، بعد ما عرفت إن جوزها محمود رجعها بشرط إنها ملهاش دعوة بيا ولا ببيتي.
وقفت في بلكونة شقتي، وبصيت للشارع وللبلد، وأخدت نفس طويل ومليان راحة. الدنيا لفت بيا يوم الفرح وصدمتني، بس اللفة دي هي اللي صحّتني وعلمتني إن الست ملهاش غير كرامتها، طالما هي صح ومعاها الأصول، ربنا مبيسيبهاش مكسورة أبدًا.
مرت ثلاثة أشهر على تلك الليلة المشهودة التي تغيرت فيها خارطة حياتي. عادت المياه إلى مجاريها في الظاهر، لكنها لم تعد نفس المياه، ولا المجرى ظل كما كان. الشقة التي كنت أدخلها بقلب مرتجف يخشى غضب الزوج وتقلبات عائلته، أصبحت
كريم تغير تماماً؛ أصبح رجلاً آخر، هادئاً، حذراً في تعاملاته، يزن الكلمة قبل أن تنطق بها شفتاه. لم يعد ذلك الزوج الذي يتركني في مواجهة العاصفة بمفردي، بل أصبح يحرص على راحتي بشكل مبالغ فيه أحياناً، وكأنه يحاول طوال الوقت محو آثار تلك الليلة من ذاكرتي. لكن الجروح الغائرة في النفوس لا تلتئم بمجرد اعتذار أو توقيع على ورق؛ بل تحتاج إلى وقت، وإلى مواقف حقيقية تثبت أن التغيير نابع من الداخل وليس مجرد خوف من الفضيحة أو خسارة الشقة.
كانت الحياة تسير بهدوء حذر، حتى جاء يوم الجمعة، وهو اليوم الذي اعتادت فيه عائلة كريم التجمع في بيت حماتي الكبيرة. منذ عودتي، لم أطأ بيت حماتي تجنباً للقاء شيماء، ورغم أن حماتي كانت تتصل بي يومياً وتدعو لي بالصلاح وتطلب رؤيتي، إلا أنني كنت أعتذر بلطف، وكان كريم يتفهم ذلك تماماً ولا يضغط عليّ.
لكن في ذلك الصباح، رن هاتف كريم، وكان المتحدث هو عمه الحاج صالح. سمعت كريم يقول بنبرة قلقة يا عمي، سمر لسه مش مستعدة، وأنا مش عايز أضغط عليها.. حاضر.. حاضر يا عمي، هنحصلكم على هناك.
قفل كريم الخط والتفت إليّ وعلامات التردد واضحة على وجهه. اقترب مني وقال بصوت منخفض سمر.. الحاج صالح مكلمني وبيقول إن العيلة كلها متجمعة عند أمي اليوم، ومحمود جوز شيماء معاهم. الحاج صالح طالبك بالاسم، وبيقول إن قعدتنا النهاردة هي اللي هتقفل الصفحة دي تماماً قدام العيلة الكبيرة عشان القيل والقال ينتهي. لو مش عايزة تيجي، قوليلي وأنا هروح لوحدي وأعتذر لهم.
نظرت إلى كريم، رأيت في عينيه رجاءً مكتوماً. لم يكن يطلب مني التنازل، بل كان يطلب مني مساندته ليظهر أمام عائلته بأنه استعاد بيته وزوجته، وأن الأمور استقرت. فكرت قليلاً.. سمر القديمة كانت سترفض خوفاً من المشاكل، لكن سمر الجديدة تعلم أن المواجهة هي التي تثبت القوة، وأن الهروب يجعل الآخرين يظنون أنكِ ما زلتِ مكسورة.
قمت ووقفت وقلت له بابتسامة هادئة بالعكس يا كريم، إحنا هنروح. الست الطيبة حماتي ليها حق عليا إني أزورها، والحاج صالح رجل أصول ومقدرش أكسر كلمته. جهز نفسك ويلا بينا.
لمعت عين كريم بالفرحة، وشعرت لأول مرة منذ الأزمة بأنه ينظر إليّ بنظرة تقدير حقيقية، نظرة رجل يرى في زوجته سنداً وعقلاً راجحاً وليس مجرد تابعة.
وصلنا إلى بيت العيلة الكبير في وسط البلد. كانت السيارات واقفة برة، وصوت الضجة والحديث يملأ المكان. نفضت عن نفسي أي توتر، وأمسكت بإيد كريم ودخلنا.
أول ما دخلنا الصالة الكبيرة، سكتت الأصوات فجأة، والعيون كلها اتجهت نحونا. كانت حماتي قاعدة في الصدارة، وعن يمينها الحاج صالح، وعن شمالها محمود جوز شيماء، وفي ركن بعيد كانت تجلس شيماء، منكمشة على نفسها، تختبئ وراء زوجها ومبتنطقش بكلمة.
حماتي أول ما شافتني، وقفت على رجليها وفتحت دراعاتها وهي بتبكي نورتي بيتك يا سمر يا بنتي! يا ألف نهار مبروك، الرجل تدب فيها روحها لما تشوفي أولادك متجمعين حواليكي.
ذهبت إليها وقبلت رأسها وإيدها، وقولت لها البيت منور بيكي يا أمي، وأنا مجيتش غير عشان خاطرك.
الحاج صالح وقف ورحب بينا، وجلسنا في وسط المجلس. محمود، جوز شيماء، راجل موظف ومحترم ومعروف في البلد بكلمته الحق، وقف وسلم على كريم وعليا وقال بصوت جهوري يسمعه الكل نورتي يا ست سمر. أنا قولت للحاج صالح ولقرايبنا كلهم، الست سمر دي بنت أصول، واللي حصل معاها كان غلطة شنيعة وميرضيش ربنا، والنهاردة إحنا متجمعين عشان نأكد إن الكل بيحترمها ويقدرها في البيت ده.
بصيت لشيماء، كانت باصة في الأرض ووشها أحمر من الخجل والكسرة. لم أكن أشمت فيها، بل كنت أشعر بالأسف على امرأة تركت الغيرة والحقد يقودانها لخراب بيتها وكسر هيبتها قدام عيلتها وجوزها.
أثناء الجلسة، قامت الستات يجهزوا الغدا. حماتي قالت لشيماء بنبرة حاسمة قومي يا شيماء يا بنتي، ادخلي المطبخ هاتي صواني الأكل مع مرات أخوكي.
رأيت الرعب في عيون شيماء وهي بتبص لي، كانت خايفة من مواجهتي منفردين في المطبخ. قمت وقولت لحماتي خليها مرتاحة يا أمي، أنا هدخل أساعدهم.
دخلت المطبخ وبدأت أنظم الأطباق والصواني. بعد دقائق، لقيت شيماء داخلة ورايا بخطوات مترددة، قفلت الباب ووقفت ورايا وهي بتفرك في إيديها. التفت إليها ببرود وقولت عايزة حاجة يا شيماء؟
نزلت دموعها فجأة وقربت مني وقالت بصوت مخنوق ومكتوم عشان محدش برة يسمع سمر.. أنا عارفة إنك مسمحاني في الظاهر عشان خاطر الناس، بس أنا والله العظيم عايشة في جحيم. محمود جوزي من يوم الفرح وهو مبينظرش في وشي، ودايماً يعايرني ويقولي إنك أنتي بنت الأصول اللي عرفتي تحافظي على كرامتك، وأنا اللي فضحت عيلتي. قوليلي أعمل إيه عشان يسامحني بجد؟ أنا بيتي كان هيتخرب لولا إنك وافقتي على الصلح.
نظرت إليها طويلاً. رأيت فيها الانكسار الحقيقي الذي يغير النفوس. قولت لها بنبرة هادئة وصارمة في نفس الوقت يا شيماء، أنا قولتلك قبل كده إني معنديش غل من ناحيتك. القلم اللي ضربتيهولي، ربنا ردهولي أضعاف في الدنيا قبل الآخرة بالحق والأصول. مشكلتك مع محمود مش بسببي أنا، مشكلتك إن محمود شاف فيكي طبع وحش، شاف الغيرة والغل والحسد اللي كانوا ماليين قلبك من ناحيتي بدون سبب. محمود مش هيصالحك ولا هيحترمك غير لما يشوف إنك اتغيرتي بجد، إنك سيبتِ الناس في حالهم وركزتي في بيتك وعيالك.
بكت أكتر وقالت والله اتعلمت الأدب يا سمر، والله العظيم حرمت أتدخل في حياة حد.
قولت لها وأنا بطبطب على كتفها براحة طالما حرمتي، يبقى ربنا غفور رحيم. ادخلي امسحي دموعك دي، واقعدي جنب جوزك، وأنا قدام محمود والكل هتعامل معاكي بكل أدب واحترام، عشان يبان قدامه إنك بقيتي كويسة والأمور صِفيت بجد. بس افتكري دايماً يا شيماء.. بيوت الناس مش لعبة، وكرامة الست خط أحمر.
خرجنا من المطبخ، وقعدنا على طبلية الغدا الكبيرة. بدأت أتعامل مع شيماء بشكل طبيعي، أناولها الأطباق وأبتسم في وش عيالها. محمود جوزها كان بيراقب الموقف بعينه، ولمحت ابتسامة رضا على وشه. بعد الغدا، محمود
متابعة القراءة