قالوا إن ابني سافر إلى أمريكا... لكن الحقيقة كانت على بعد 3 شوارع فقط من منزلي!
كانت تقف في منتصف الفناء، شعرها مربوط بسرعة، ومجرفة قديمة صدئة مشدودة إلى صدرها.
كانت سحر واقفة أمام غرفة علي، تلك الغرفة الصغيرة التي أبقيتها مغلقة منذ رحيله، وكأن احتفاظي بقمصانه كان يعني أنني أحتفظ بحياته نفسها.
عندما رأتني، تجمدت في مكانها، واتسعت عيناها، وبدأ أحمر الشفاه على فمها يرتجف كشمعة في مجلس عزاء.
سألتها
ماذا تفعلين هنا؟
خرج صوتي منخفضًا جدًا، لدرجة أنني خفت من نفسي.
أخفت المجرفة خلف عباءتها، وكأنني عمياء، وكأن ست سنوات من الكذب لم تكفِ، بل سرقت عقلي أيضًا.
قالت
لا شيء يا أمينة، كنت أبحث عن قطعة حديد أصلح بها الغسالة.
قلت
بمجرفة؟
لم تُجب سحر.
ثم رأيت شيئًا جمّد الدم في عروقي أكثر من ورقة المصرف.
على أرض غرفة علي كانت هناك كيس أسود مفتوح، ومن داخله ظهر طرف قميص أزرق عليه بقع بنية قديمة.
القميص نفسه الذي كان يرتديه علي آخر يوم رأيته فيه.
خطوت نحوها، لكن سحر وقفت أمامي كما تقف دجاجة تدافع عن عش ليس لها.
قالت
لا تدخلي.
قلت
ابتعدي.
قالت
أنتِ لا تعرفين ماذا تفعلين.
قلت
الذي لا أعرفه هو ماذا فعلتِ أنتِ بابني.
كلمة ابني ضربتها في وجهها مثل صفعة، ولأول مرة منذ ست سنوات رأيت عينيها تنكسران.
همست
علي حي.
لكنها قالتها كما تُقال الكذبة حين لا تجد مكانًا تختبئ فيه.
رفعت ورقة المصرف المطوية، وكانت رطبة من عرق يدي.
قلت
إذن اشرحي لي لماذا يرسل لي ابني المال من شارع الزيتون يا سحر؟
نظرت إلى الورقة، وبدأ جسدها ينهار شيئًا فشيئًا، كجدار طين أصابه المطر.
سقطت المجرفة من يدها على الأرض بضربة جافة جعلت كلاب الجيران تنبح.
قالت
لم يكن ذنبي.
شعرت أن هذه الكلمات الخمس فتحت تحت قدمي حفرة أعمق من أي قبر.
قلت
أين علي؟
وضعت سحر يدها
خرجت من الغرفة رائحة قديمة.
لم تكن رائحة كلور.
ولا رائحة رطوبة.
بل رائحة سر مكبوت وأرض تم العبث بها.
دفعت سحر بقوة لم أكن أعرف أنها ما زالت في داخلي، ودخلت الغرفة.
كانت الجدران ما زالت تحمل الصور القديمة التي كان علي يعلقها وهو صغير.
صور لاعبي كرة.
تقويم قديم لشاحنات.
وصورة دينية صغيرة اسودّت أطرافها من الغبار.
لكن السرير لم يكن موجودًا.
مكانه كانت هناك ألواح مرفوعة، وفراغ مستطيل مغطى بإسمنت متكسر.
ركعت على الأرض.
مررت يدي على طرف المكان، فوجدت قطعة صغيرة من القماش الأزرق عالقة بين التراب.
لم أبكِ.
هناك أوجاع لا تخرج من العينين، بل تدخل إلى العظام وتبقى هناك تخدش بصمت.
همست سحر خلفي
أمينة... دعيني أخبرك.
التفتُّ إليها ببطء.
قلت
ستخبرينني بكل شيء. وإن نسيتِ شيئًا واحدًا، أقسم بروح زوجي أنني سأصرخ حتى يأتي كل أهل الحلة.
أغلقت سحر باب الفناء.
لم تغلقه لتسجنني.
بل حتى لا يسمع الجيران الاعتراف.
جلست على كرسي علي القديم، ذلك الكرسي الذي كان يجلس عليه كل يوم جمعة يلمّع حذاءه، وخلعت قناعها أخيرًا.
قالت
علي لم يصل إلى أمريكا أبدًا.
شعرت أن الغرفة مالت بي.
قالت
تلك الليلة كان سيغادر فعلًا، لكنه جاء قبلها ليودعني.
تذكرت تلك الليلة كما يتذكر الإنسان مرضًا طويلًا.
كان علي قد قبّل جبيني مبكرًا، وقال إنه سيذهب ليشتري خبزًا، ثم لم يعد.
تابعت سحر
قال لي إنه لا يريد السفر. قال إنه خائف. قال إنك تحتاجين ابنًا حيًا أكثر من حاجتك إلى مال يأتي من الغربة.
للحظة أردت أن أتمسك بتلك الجملة، كما يتمسك الغريق بحافة قارب.
لكن سحر أكملت، فانهارت الحافة.
قالت
أنا غضبت، لأنني كنت قد استدنت
قلت
أي رجال؟
خفضت نظرها إلى أظافرها المطلية حديثًا.
قالت
جماعة الرافدين.
عندها فهمت معنى شارع الزيتون 18.
خدمات الرافدين لم تكن شركة عادية ولا مكتب تحويلات فقط.
كانت واجهة لرجل اسمه أبو رائد الرافداني، رجل يقرض المال، ويأخذ المقابل، ويبتسم في المجالس ويداه ممتلئتان بالذنوب.
قالت سحر
كنت مدينة له بمبلغ كبير... وعلي لم يكن يعرف كل شيء.
سألتها
كل شيء ماذا؟
ضمت ذراعيها إلى بطنها، رغم أن حسين صار عمره ست سنوات وكان في تلك الساعة نائمًا عند إحدى الجارات.
قالت
حسين لم يكن قد جاء بعد.
نظرت إليها دون أن أفهم.
قالت
عندما أخبرتك أنني حامل... لم أكن متأكدة بعد.
قلت
لكن علي...
قالت
علي كان يريد الرحيل لأنه ظن أنني خنته.
بدأت الغرفة تمتلئ بكلمات جاءت متأخرة، وبضربات لا تُرى، وبحقائق لها أسنان.
اعترفت
وجد رسائل من أبو رائد في هاتفي. رسائل قديمة من قبل زواجنا، لكن علي لم يصدقني.
كنت أعرف ابني.
كان طيبًا، لكنه يحمل من طباع أبيه ذلك الكبرياء الذي لا يعرف كيف يسأل دون أن يجرح.
قالت سحر
تلك الليلة تشاجرنا هنا. جاء ليأخذ بعض ملابسه، وأنا طلبت منه ألا يرحل، ثم جاء أبو رائد خلفي.
قلت
أبو رائد دخل بيتي؟
قالت
نعم.
نهضت بسرعة حتى اصطدم الكرسي بالجدار.
قلت
وأنتِ أدخلته؟
بكت بلا صوت.
قالت
لم أكن أعرف أنه يحمل سلاحًا.
صار الهواء حولي كالحجر.
حكت سحر أن علي حاول إخراجه بالقوة، وأن أبو رائد سخر منه، وقال له إن لا رجل يصرف على امرأة مديونة دون أن يأخذ مقابله.
ضربه علي أولًا.
وقع أبو رائد قرب الخزانة.
ثم أخرج مسدسًا صغيرًا، من النوع الذي يمكن إخفاؤه بسهولة، وانطلق الصوت داخل الغرفة كأن السماء
نظرت إلى الأرض المتكسرة، وسمعت في رأسي صدى ذلك الصوت الذي لم أسمعه يومها.
قلت
حدث ذلك هنا؟
هزّت سحر رأسها وهي ترتجف.
قالت
لم ينتهِ الأمر فورًا يا أمينة، أقسم لك.
قلت
لا تقسمين لي بشيء.
قالت
علي أمسك يدي وقال لي خذيني إلى أمي.
عندها خرج من حلقي صوت لم يكن بكاءً.
كان صوت جرح حي.
قلت
ولماذا لم تأخذيه إليّ؟
قالت
لأن أبو رائد قال إننا إن خرجنا سيؤذينا جميعًا، وإن فتحتِ أنتِ فمك فلن يترك أحدًا.
حكت لي أنهم لفوا علي ببطانية، وأن أبو رائد اتصل برجلين، وأنهم عبثوا بأرض تلك الغرفة بينما كنت أنا نائمة في الغرفة الأمامية، مريضة بحمى شديدة بسبب التهاب في حلقي.
كنت أنام على بعد ست خطوات من ابني.
ست خطوات فقط.
كل حياتي كانت محصورة في تلك الخطوات الست التي لم أمشِها.
قالت سحر
عند الفجر قال لي أبو رائد ماذا سيحدث. قال إن علي سافر، وإنك يجب أن تصدقي ذلك، وإنه سيرسل كل شهر مالًا حتى لا يسأل أحد.
قلت
وأنتِ وافقتِ؟
قالت
كنت خائفة.
قلت
لا يا سحر. الخوف عشته أنا ست سنوات، ومع ذلك لم أدفن أحدًا تحت بيتي.
غطت وجهها بيديها.
بعد لحظة سألتها
حسين... هل هو ابن علي؟
تأخرت كثيرًا في الرد، وكان صمتها أقسى من أي جواب.
قالت
لا أعرف.
انحنى قلبي، لكنه لم يسقط.
لأن الأم تتعلم أن تبقى واقفة حتى عندما تُسحب الأرض من تحتها.
اقتربت من المكان وبدأت أزيح قطع الإسمنت بيدي.
حاولت سحر أن توقفني.
قالت
لا يا أمينة، أرجوك. أبو رائد سيأتي اليوم.
توقفت.
قلت
لماذا سيأتي؟
قالت
ليأخذ ما تبقى.
تجمدت في مكاني.
قلت
لهذا كنتِ تحملين المجرفة؟
هزت رأسها وهي ترتجف.
قالت
موظفة المصرف قريبة له، لكن يبدو أنها خافت وأخبرته أنك سألتِ كثيرًا.
عندها فهمت السرعة.
والكلور.
والكيس
والخوف.
أبو رائد كان سيحاول محو ابني للمرة الثانية.
لم أفكر كعجوز.
ولا كأم مكسورة.
ولا كبائعة معجنات قرب المدرسة.
فكرت كأمينة الجبوري، ابنة رجل علّمني يومًا أن الأفعى