قالوا إن ابني سافر إلى أمريكا... لكن الحقيقة كانت على بعد 3 شوارع فقط من منزلي!

لمحة نيوز


وجهها، كأنها تنتظر صفعة.
قلت
لكنك ستعيشين طويلًا بما يكفي لتدفعي لابنك بالحقيقة ما أخذته منه بالخوف.
وافقت سحر على الشهادة ضد أبو رائد.
ذكرت أسماءً، وتواريخ، وديونًا، وتهديدات، والمكان الذي تخلصوا فيه من محفظة علي.
لم تفعل ذلك شجاعة.
بل لأن حسين توقف عن مناداتها أمي ثلاثة أسابيع كاملة.
أحيانًا يأتي الحب متأخرًا.
لكنه يأتي وهو ينزف.
حاول أبو رائد استخدام نفوذه.
جاء رجل من معارفه إلى بسطة المعجنات، يلمّح لي أن أترك القضية تهدأ.
وضعت في يده قطعة معجنات ساخنة، وقلت له
إن عدت تهددني، سأكتب اسمك على لافتة أمام مركز الشرطة.
لم يعد.
بعد شهر، أُغلق مكتب خدمات الرافدين.
وعلى بابه ظهرت قطعة قماش بيضاء مكتوب عليها بالأحمر
هنا دُفنت حقيقة علي الجبوري.
لم يعرف أحد من وضعها.
أنا عرفت.
لكن الجارات يعرفن كيف يخبئن العدالة عندما يلزم الأمر.
تغير البيت بعد ذلك.
أمرت بإزالة أرضية غرفة علي كلها، وزرعت شجرة ليمون في الفناء، في المكان القريب من السر القديم.
قال الشيخ عبد الستار إن الناس لا يزرعون الأشجار في أماكن الحزن.
قلت له إن الأسوأ هو أن نتركها بلا زهور.
ساعدني حسين في وضع التراب.
كل عصر

كان يسقي شجرة الليمون، ويحكي لأبيه أخبار المدرسة، كأن الجذور هاتف يصل إليه.
يقول
اليوم تعلمت القسمة يا أبي.
اليوم تشاجرت، لكنني لم أبدأ.
اليوم جدتي أحرقت المعجنات.
كنت أسمعه من المطبخ، وأتظاهر أنني لا أبكي.
انتقلت سحر لتعيش عند أختها بينما استمرت القضية.
كانت تأتي كل سبت لترى حسين.
دائمًا في الصالة.
ودائمًا والباب مفتوح.
تأخر الطفل كثيرًا قبل أن يقترب منها.
وفي يوم سألها
هل علي أبي فعلًا؟
نظرت سحر إلى شجرة الليمون.
قالت
أبوك هو الذي انتظرك قبل أن يراك، والذي أحبك قبل أن يعرف الحقيقة كاملة، والذي رحل وهو يريد العودة إلى أمه.
لم يفهم حسين كل شيء.
لكنه فهم الأهم.
الدم مهم، نعم.
لكن هناك حبًا يصير نسبًا حتى لو لم تكتبه الأوراق.
في ذلك اليوم سمح لها أن تمسح على شعره.
لم يسامحها تمامًا.
الأطفال لا يسامحون بالكلام.
يسامحون عندما يبقون قليلًا أكثر.
بدأت المحاكمة عندما أزهرت شجرة الليمون لأول مرة.
وقفت أمام أبو رائد دون أن أخفض عيني.
كان يبدو أكبر سنًا، أضعف، بلا كبرياء، وبلا الرجال الذين كانوا يسيرون خلفه.
عندما سألني القاضي ماذا أريد، كان الجميع يتوقع أن أقول العدالة.
لكنني قلت
أريد
الحقيقة كاملة. أريد أن يتوقف ابني عن كونه مجرد إشاعة.
حكيت عن التحويلات، وموظفة المصرف، والمجرفة، والغرفة، والقميص، وتلك الخطوات الست التي فصلتني عن آخر لحظات ابني.
لم ينظر إليّ أبو رائد.
فالجبناء لا ينظرون إلا حين يحملون سلاحًا.
صدر الحكم عليه.
لم تكن السنوات بقدر ما يستحق، لأن القانون أحيانًا يقيس بملعقة صغيرة ما تحمله الأم بأطنان.
لكنه أُدين.
أما سحر، فنالت حكمًا أخف لأنها شهدت وتحدثت عن التهديدات.
لم أصفق.
لم أبتسم.
لم أشعر بالراحة.
فالعدالة لا تعيد الغائب.
هي فقط ترتب عظام العالم قليلًا.
في الليلة التي عدت فيها من المحكمة، جلست تحت شجرة الليمون، وكان حسين نائمًا على قدمي.
كان الهواء يحمل رائحة تراب مبلل وزهور جديدة.
ولأول مرة منذ ست سنوات، لم أنتظر أي تحويل.
لم أنظر إلى الهاتف.
لم أحسب كم سيرسل علي.
ولا أي رسالة ستظهر في خانة الملاحظة.
أخرجت من جيبي السبحة الصغيرة وعلقتها على غصن من الشجرة.
همست
لن أنكسر بعد اليوم يا ولدي.
تحركت شجرة الليمون رغم أن الهواء كان ساكنًا.
ربما كانت صدفة.
وربما كان علي، يستقر أخيرًا في مكان تستطيع أمه أن تجده فيه من دون أن تحفر.
منذ ذلك اليوم،
ما زلت أبيع المعجنات في الزاوية نفسها.
والناس يسألونني كيف بقيت واقفة.
أقول لهم إنني لا أقف لأنني قوية.
بل أقف لأن حسين ينظر إليّ.
هو يكبر بسرعة.
في عينيه شيء من علي.
وفي ضحكته شيء لا أعرف مصدره.
وفي داخله حزن صغير يظهر أحيانًا عندما يرى الحافلات المتجهة إلى مدن بعيدة.
عندما يسألني عن أمريكا، أقول له إن الغربة ليست دائمًا في آخر الدنيا.
أحيانًا تكون الغربة في بيتك.
وأحيانًا تكون الحدود التي يجب أن تعبرها هي باب غرفة مغلقة.
وأحيانًا لا يعود الابن بحقيبة ولا مال ولا هدايا، بل يعود كجذر يمنع أمه من الغرق.
وصل آخر تحويل بعد أسبوعين من الحكم.
لم أعرف من أرسله.
كانت الرسالة مختلفة هذه المرة.
ارتحت الآن يا أمي.
لم أصرف ذلك المال.
استخدمته لشراء لوحة حجرية بسيطة، تشبه الأحجار التي كان زوجي يعمل بها قبل أن يأخذ التعب روحه.
وضعتها تحت شجرة الليمون، وكتبت عليها اسم ابني كاملًا.
أما التاريخ، فلم أكتب يوم رحيله، لأن أحدًا لم يعرفه بدقة.
كتبت يوم وجدناه.
لأن بعض الراحلين لا يموتون حين يتوقف نفسهم.
بل يموتون عندما يتوقف الجميع عن البحث عنهم.
أما علي، ابني العنيد، ولدي صاحب القميص الأزرق،
فقد وُلد من جديد في اليوم الذي توقفت فيه أمه عن تصديق الكذبة، وبدأت تحفر نحو الحقيقة.

 

تم نسخ الرابط