قالوا إن ابني سافر إلى أمريكا... لكن الحقيقة كانت على بعد 3 شوارع فقط من منزلي!

لمحة نيوز


لا تُترك لتعود وتلدغ من جديد.
قلت
متى سيأتي؟
قالت
في الليل.
نظرت إلى النافذة، حيث كانت الشمس تميل بلون برتقالي فوق أسطح البيوت.
كانت أمامي ساعات قليلة لأخرج حقيقة ظلت ست سنوات تتنفس تحت سقف بيتي.
ذهبت إلى المطبخ.
غسلت يدي.
لبست عباءتي السوداء التي أرتديها في العزاء.
ووضعت ورقة المصرف في مكان آمن تحت ملابسي.
ثم اتصلت بأم صباح، الجارة التي ترى كل شيء ولا تسامح بسهولة.
قلت لها
أم صباح، أحتاجك أن تأتي بهاتفك مشحونًا، ومن دون أسئلة.
واتصلت بالشيخ عبد الستار.
ليس لأنني أثق بكل الشيوخ، بل لأن وجود رجل دين في أحياء مثل حيّنا يجعل حتى الجبناء يخفضون أصواتهم.
ثم ذهبت لأحضر حسين.
كان الطفل يلعب بالكرات الصغيرة قرب الرصيف، ركبته مخدوشة، وابتسامة علي مرسومة على وجهه.
عندما رآني، ركض نحوي وعانقني.
قال
جدتي، هل وصل مال أبي؟
مزقني السؤال من مكان لم يكن قد تمزق بعد.
جلست أمامه على ركبتي، ورتبت شعره.
قلت
أبوك أرسل لك شيئًا أهم من المال يا ولدي.
سأل
ماذا؟
قلت
الحقيقة.
لم يفهم، لكنه عانقني بقوة، كأن دمه فهم بدلًا منه.
تركته عند أم صباح، وقلت لها ألا تتركه مهما حدث.
في التاسعة ليلًا، كان البيت مظلمًا، لكنه لم يكن فارغًا.
الشيخ عبد الستار كان مختبئًا في المطبخ وهاتفه يسجل.
وأم صباح كانت خلف ستارة الفناء.
وأنا جلست على كرسي علي.
أما سحر فبقيت قرب الباب، شاحبة، تحمل المجرفة كأنها تحمل حكمها.
في التاسعة والنصف، سمعنا ثلاث طرقات على الباب.
لم تكن طرقات زائر.
كانت طرقات شخص يظن أنه يملك المكان.
فتحت سحر.
دخل أبو رائد الرافداني بعباءة نظيفة، وقميص مكوي، ومعه رجلان خلفه.
واحد عريض الجسد بشارب كثيف.
والآخر نحيف، على خده أثر قديم.
قال أبو رائد مبتسمًا كأنه جاء يشتري شيئًا من عندي
مساء الخير يا أم أمينة.
قلت
مساء

الخير يا أبو رائد.
نظر حوله، ثم شمّ الهواء.
قال
سمعت أنك صرتِ تسألين كثيرًا في أماكن لا ينبغي السؤال فيها.
قلت
السؤال عن الابن ليس ممنوعًا.
ضحك ضحكة خافتة.
قال
الأمهات... دائمًا يظنن أن الولادة تعطيهن حقًا حتى على الغائبين.
تراجعت سحر خطوة إلى الخلف.
نهضت من مكاني.
قلت
إذن أنت تعترف أنه غائب بطريقة لا تشبه السفر؟
تغير وجهه.
قال
لا تلعبي معي.
قلت
أنا لا ألعب. أنا أبكي منذ ست سنوات من دون قبر.
اقترب مني حتى شممت رائحة عطره الثقيل ممزوجة بالدخان.
قال
ابنك كان عنيدًا يا أمينة، والعناد أحيانًا يكلف صاحبه عمره.
شعرت أن العالم كله صمت ليسمع اعترافه.
قلت
أعدها.
قال
لماذا؟ هل ستفعلين شيئًا؟
قلت
أريد أن يسمعها الله واضحة.
رفع يده ليضربني، لكن قبل أن تلمس يده وجهي، وقفت سحر بيننا.
قالت
كفى يا أبو رائد.
دفعها إلى الجدار.
وقال
اخرسي. بسببك نحن هنا.
عندها لمح الرجل النحيف ظلًا يتحرك في المطبخ.
قال
حاج...
كل شيء حدث في لحظة.
خرج الشيخ عبد الستار وهو يرفع هاتفه.
وفتحت أم صباح باب الشارع وبدأت تصرخ بصوتها العالي الذي يعرفه كل الحي
يا ناس، تعالوا! هذا هو الذي خبّأ سر علي الجبوري!
بدأت أضواء البيوت تشتعل واحدة تلو الأخرى.
أخرج أبو رائد سلاحه.
لم أهرب.
ربما لأنني اكتشفت أنني كنت ميتة منذ ست سنوات ولم أعرف إلا الآن.
قال الشيخ
أنزل يدك.
وجّه أبو رائد السلاح نحوه، لكن سحر أمسكت المجرفة بكلتا يديها وضربت يده.
انطلقت رصاصة نحو السقف، وامتلأ المكان بالغبار والصراخ.
حاول الرجلان الإمساك بها، لكن أم صباح دفعت قدر فاصوليا ساخنًا كانت تحمله من المطبخ نحو أحدهما، فارتبك وسقط وهو يصرخ.
أما النحيف فهرب إلى الشارع، فوجد نصف الحي يصوره بالهواتف.
بقي أبو رائد على ركبتيه، يمسك يده المصابة، فأخذت السلاح بعيدًا عنه بيد
ترتجف من القهر لا من الخوف.
قلت له
أين خبأتم ما بقي من ابني؟
نظر نحوي بحقد.
وقال
تحت بيتك يا أمينة.
لم أحتج إلى أكثر.
دخل الجيران كالنمل حين يجد السكر، لكن أحدًا لم يلمس أرض الغرفة حتى وصلت الشرطة.
لم أكن أثق بهم كثيرًا، لكن الفيديو كان قد انتشر في مجموعات الحي، وحتى الذين كانوا يخفضون رؤوسهم من قبل جاءوا بوجوه مصدومة.
في منتصف الليل كُسر الإسمنت.
كنت واقفة هناك بلا رمشة.
أخرجوا أولًا البطانية القديمة.
ثم حزامًا جلديًا.
ثم مشبك الحزام الذي يحمل حرفي ع. ج، ذلك الذي أهديته لعلي عندما أتم العشرين.
عندما ظهرت أول علامة تؤكد الحقيقة، سقطت سحر مغشيًا عليها.
أما أنا فلم أسقط.
ركعت على الأرض، ووضعت جبهتي على التراب.
قلت
سامحني يا ولدي... كنت قريبة منك وبعيدة عنك في الوقت نفسه.
لم يتكلم أحد.
حتى رجال الشرطة خفضوا رؤوسهم.
مع الفجر، أخذوا أبو رائد مكبل اليدين، وهو ما زال يقول إن لديه معارف كبارًا، وإن امرأة تبيع المعجنات لن تستطيع إسقاطه.
لم يكن يعرف أن نساء الأحياء الشعبية لا يُسقطن الظالم فقط.
بل يفضحنه حتى آخر باب.
استيقظت سحر في الفناء، وكان حسين يبكي قربها.
لم يكن الطفل يفهم لماذا ينظر الجميع إلى غرفة أبيه كأنها محراب مكسور.
قال لي
جدتي... هل كان أبي هناك؟
ضممته إلى صدري.
أردت أن أكذب عليه.
أن أخترع له أمريكا أخرى.
وغربة أخرى.
وسماء أخرى تحمل المال والرسائل.
لكن الأكاذيب تطعم الوحوش.
قلت
نعم يا ولدي... كان هناك.
بكى حسين بكاءً صغيرًا مرتبكًا، بكاء طفل لا يعرف بعد حجم الخسارة.
سألني
ولماذا لم يخرج؟
انكسرت سحر عندما سمعت السؤال.
أغمضت عيني.
قلت
لأن أناسًا سيئين منعوه... لكننا وجدناه الآن.
نظر الطفل إلى أمه.
قال
هل كنتِ تعرفين؟
مدت سحر يدها نحوه، لكنه اختبأ خلف عباءتي.
وكانت تلك أقسى عقوبة
لها.
ليست السجن.
ولا صراخ الناس.
ولا الكاميرات.
بل ظهر ابنها الصغير وهو يبتعد عنها.
في الأيام التالية، امتلأ البيت برجال الأمن، والمحققين، والنساء اللواتي يقرأن الدعاء، والفضوليين الذين كانوا يقولون إنني أبالغ.
شهدت موظفة المصرف.
كان اسمها نور، واعترفت بأنها رأت حركات غريبة لأن خدمات الرافدين كانت ترسل مبالغ شهرية بالرسالة نفسها التي يمليها أبو رائد حتى تبقى الكذبة حية.
وقالت إنها خاطرت لأن أمها علمتها أن لا مال يساوي قبرًا مخفيًا.
ومن خلالها عرفنا أن أبو رائد لم يكن يرسل المال بدافع الندم.
بل بدافع السيطرة.
ما دمت أصدق أن علي في أمريكا، فالبيت سيبقى هادئًا، وسحر ستبقى تحت خوفه، وحسين سيكبر تحت عينه، ولن يسأل أحد عن تلك الليلة.
كان المال كمامة على فمي.
كل تحويل كان يقول ابقي قوية.
لكنه في الحقيقة كان يقول لا تبحثي.
جمعت كل الوصولات في علبة أحذية، وأخذتها إلى مركز الشرطة والجهات المختصة.
حاولوا إتعابي بالأوراق والأختام والانتظار.
لكنني كنت أذهب كل صباح، أحمل حقيبة المعجنات، وعباءتي السوداء، وصورة علي على صدري.
كنت أقول لهم
سأبقى هنا حتى يصبح ابني أثقل من ملفاتكم.
انتشر الخبر.
بدأت أمهات من مناطق أخرى يأتين إلى مكاني.
واحدة تبحث عن ولدها منذ عشر سنوات.
وأخرى تحمل قميصًا في كيس، ما زالت رائحته عالقة فيه.
وثالثة لا تتكلم، فقط تمسك يدي.
وفهمت أن وجعي لم يكن بيتًا واحدًا.
كان شارعًا كاملًا.
بل بلدًا كاملًا.
مليئًا بغرف مغلقة، وفي داخل كل غرفة أم ما زالت تنتظر.
كان عزاء علي يوم الأحد.
لم نستطع أن نودع جسدًا كاملًا، لكننا ودّعنا قميصه الأزرق، وحزامه، وحقيقة صار لها اسم أخيرًا.
كأن الحلة كلها مرت أمام التابوت الصغير.
بعضهم بكى من الحزن.
وبعضهم بكى من الخجل.
جاءت سحر في النهاية، ترتدي الأسود،
وجهها بلا زينة، ويداها فارغتان.
لم يطردها أحد.
وأنا أيضًا لم أطردها.
ركعت أمام التابوت، وقالت شيئًا لم يسمعه سواي
سامحني يا علي... كنت جبانة.
اقتربت منها.
قلت
نعم، كنتِ جبانة.
رفعت
 

تم نسخ الرابط