أعطتني حماتي 430 ألف ريال لأختفي من حياتهم... لكني عدت سرًا واكتشفت الكارثة!
...جسدي.
كانت الجملة غير مكتملة، لكنها لم تكن بحاجة إلى المزيد.
شعرت وكأن الدم انسحب من يديّ. انزلق الكيس الأسود من بين أصابعي، لكن مريم، خادمة المنزل، التقطته قبل أن يسقط فوق العشب المبلل.
همست وهي تنظر حولها بخوف
يا مدام، هم لا يريدونك أن تسافري فعلًا. يريدون فقط أن يبدو الأمر وكأنك سافرتِ.
نظرت مرة أخرى نحو المجلس.
كان خالد يضحك مع المرأة الحامل. وكانت حماتي ترفع كأسها. أما البالونات البيضاء عند المدخل، فبدت كأنها زينة مناسبة سعيدة، لكنها في عيني تلك اللحظة كانت تشبه شيئًا آخر تمامًا.
أي حادث؟ سألتها.
ابتلعت مريم ريقها بصعوبة.
سمعتهم يقولون إنهم سيحركون سيارتك غدًا. سيجعلون الأمر يبدو وكأنك عدتِ نادمة من المطار، وقدتِ السيارة بنفسك، ثم حدث شيء على طريق القصيم.
وضعت يدي على فمي.
ليس خوفًا.
بل اشمئزازًا.
الرجل الذي قبلني يوم زفافي كان يحتفل بطريقة تحويل موتي إلى إجراء رسمي.
سألتها بصوت مخنوق
لماذا تساعدينني؟
أنزلت مريم عينيها.
لأن أختي اختفت قبل تسع سنوات، ولم يصدقها أحد حين قالت إن زوجها كان يهددها. لن أبقى صامتة مرة أخرى.
في الداخل، فتحت أم خالد زجاجة أخرى.
وقالت
أريد كل شيء جاهزًا صباح الغد. بلاغ الهجران، وأوراق التنازل، والشهادة.
سألت المرأة الحامل
لكن شهادة الوفاة ألا تحتاج إلى إجراءات أكثر؟
ضحكت حماتي بهدوء مخيف.
كل شيء يحتاج
ضغطت على أسناني.
في السعودية، شهادة الوفاة الحقيقية لا تخرج من ملف أزرق ولا من رغبة حماة ثرية؛ فالإجراءات الرسمية تحتاج إلى بيانات وتسجيل نظامي وتوثيق عبر الجهات المختصة.
وهذا كان يعني شيئًا واحدًا.
لم يكن لديهم مال فقط.
كان لديهم متعاونون.
قلت
مريم، أحتاج أن أدخل.
شحبت ملامحها.
لا. سيرونك.
لن أدخل من الباب.
كنت أعرف منزلي أفضل منهم. أعرف الجدار المنخفض قرب غرفة الغسيل، ونافذة المكتب التي لا تُغلق جيدًا، وكاميرا الحديقة التي ظل خالد ينسى إصلاحها منذ أشهر.
وكنت أعرف الخزنة في المكتب.
وكنت أعلم أنه إذا كان ذلك الملف موجودًا، فبقية الأدلة ستكون هناك.
مشيت منحنية عبر الحديقة الجانبية. كان العشب مبللًا، ورائحة التراب بعد المطر تختلط برائحة الشواء القادمة من أحد بيوت الحي، كأي ليلة هادئة في شمال الرياض.
كانت المدينة ما زالت حية.
بينما كان زوجي يرفع كأسه احتفالًا باختفائي.
دخلت من نافذة المكتب.
كان قلبي يضرب بقوة لدرجة أنني ظننت أنهم سيسمعونه من المجلس. كانت الموسيقى تغطي خطواتي. أغنية قديمة كان خالد يشغلها دائمًا حين يريد أن يبدو رومانسيًا.
ما أقسى الأغاني حين تُسمع من الجهة الصحيحة للخيانة.
زحفت حتى وصلت إلى المكتب.
كانت الخزنة خلف لوحة قديمة أهدتها لنا والدته عندما اشترينا الفيلا. كان خالد يعتقد أنني
مسكين.
كان تاريخ زواجنا.
الرجال المتكبرون لا يغيرون الأرقام السرية لأنهم لا يتخيلون أن النساء يتذكرن.
فتحتها.
كان بداخلها جوازات سفر، وصكوك ملكية، وظرف فيه دولارات، وذاكرة USB، وملف أحمر.
فتحته بأصابع مرتجفة.
صور لي.
صور لسيارتي.
لقطات لموقعي.
تذكرة سفر مزورة إلى مدريد.
رسالة بتوقيعي المزور، أقول فيها إنني تركت زواجي لأنني أحتاج أن أبدأ من جديد.
ثم وثيقة تأمين.
تأميني أنا.
المستفيد خالد بن عبدالعزيز.
المبلغ ما يقارب ثمانية ملايين وستمئة ألف ريال سعودي.
لم أبكِ.
هناك خيانات لا تخرج الدموع.
تخرج الدقة.
أخرجت هاتفي وصورت كل شيء. ثم أخذت ذاكرة ال USB ووضعتها داخل بطانة حقيبتي.
وفي تلك اللحظة سمعت خطوات.
اختبأت خلف الأريكة.
انفتح باب المكتب.
دخل خالد مع المرأة الحامل.
كان اسمها لمى. عرفت ذلك لأنه ناداها بنبرة كانت في يومٍ من الأيام لي.
لا تتوترين يا لمى.
وماذا لو شكت نورة في شيء؟
نورة تشك في كل شيء، لكنها لا تتحرك أبدًا. هذه مشكلتها. تفكر كثيرًا.
كدت أضحك.
ثم أكمل
غدًا أمي سترسل السائق ليأخذ السيارة. صالح سيتكفل بالباقي. عندما يجدون السيارة محترقة عند المنعطف، سيظن الجميع أنها رجعت مضطربة.
وضعت لمى يدها على بطنها.
والجسد؟
صمت خالد.
توقفت عن التنفس.
قال أخيرًا
لا يجب أن يكون هناك جسد. فقط ما يكفي من الدم، وأوراقها،
تراجعت لمى عنه.
هذا لم يعد تزويرًا يا خالد.
لا تتظاهري بالبراءة. أنتِ كنتِ تريدين هذه الفيلا.
كنت أريدك أن تطلقها.
الطلاق يعطيها النصف. أما الأرملة فلا تطالب بشيء.
توقف العالم.
كلمة الأرملة بدت سخيفة.
كنت حية، مختبئة على بعد ثلاثة أمتار منه، أسمعه يتحدث عني كأنني أصبحت رمادًا.
بدأت لمى تبكي.
أنا لا أريد هذا.
أمسك خالد بذراعها.
فات الأوان على الأخلاق.
تألمت وهي تحاول سحب ذراعها.
وهنا فهمت أن الوحوش داخل ذلك البيت لم تكن كلها بالشكل نفسه.
لمى كانت تعرف.
لكنها كانت خائفة أيضًا.
عندما خرجا، انتظرت عشر ثوانٍ ثم ركضت نحو النافذة.
كانت مريم ما زالت في الخارج.
قلت لها
اتصلي بالشرطة فورًا. قولي إن هناك امرأة معرضة للقتل، وتزوير مستندات، واحتمال احتجاز أو اعتداء. أعطيهم اسمي كاملًا.
رقم الطوارئ في السعودية معروف، وهناك جهات رسمية للتبليغ، لكن تلك الليلة كنت أحتاج إلى كل شيء النجدة والشهود.
سألتني
وأنتِ؟
سأتصل بشخص لا يستطيع خالد شراءه.
اتصلت بأخي عبدالله.
لم يكن محاميًا.
كان أسوأ بالنسبة لهم.
كان يعمل في مكتب توثيق بالرياض، وكان منذ سنوات يقول لي إن زواجي تفوح منه رائحة عقد غير مراجع جيدًا.
رد عليّ بصوت نائم
نورة؟ ماذا حدث؟
قلت بسرعة
خالد زوّر توقيعي، ومعه شهادة وفاة مزورة
ساد صمت.
ثم تغير صوته بالكامل.
أرسلي موقعك. لا تغلقي الخط. سأحضر مع الأستاذ راشد