أرسلت أمي 10 كيلو لحم مدخن من نينوى... لكن حماتي جاءت بأكياس لتأخذه كله!
نظرت حماتي داخل الثلاجة.
في البداية قطّبت أنفها.
ثم مدت يدها، وسحبت كيس السوق، وأخرجت شريحة من لحم البطن الطازج، باهتة، بلا دخان، بلا ملح، بلا حكاية.
قالت باشمئزاز
وهذا شنو؟ شنو هالخرابيط؟
انحنت رشا من فوق كتفها ونظرت.
لا حيدر، هذا مو اللحم. لحم أم مريم كان مدخن، مو هيچ؟
نظر إليّ حيدر وكأنني ارتكبت جريمة.
مريم، وين اللحم؟
اتكأت على الرخامة.
قلت لك. خليته هنا.
ضغطت حماتي قطعة اللحم بأصابعها، فانزلق الدهن من يدها كأنه صابون.
لا تستغفليني. ابني قال عشرة كيلو. عشرة. لحم مدخن أصلي، من لحم القرى، من اللي أمج ترسله من نينوى.
خرجت كلمة عشرة من فمها كأنها اعتراف.
رفعت حاجبيّ.
وإنتِ شلون عرفتي إنهم عشرة كيلو؟
صمتت لثانية.
لكن رشا، التي لم تعرف يومًا متى تسكت، أجابت بدلًا عنها
لأن حيدر قال لنا. حتى اتفقنا نأخذ اثنين لخالتي أم أحمد واثنين لعمتي، والباقي نشوف شلون نوزعه. أمي وعدت جماعتها تسوي لهم سندويشات لحم مدخن يوم السبت.
أغلق حيدر عينيه.
فات الأوان.
كان هاتفي موضوعًا فوق المايكرويف، يسجل منذ لحظة دخولهن.
كانت أمي قد قالت لي
حطيه بمكان يبين الثلاجة وخليهم يحچون. الناس اللي تتعدى على غيرها تفضح نفسها بنفسها.
وها هم أمامي.
مكشوفون تمامًا، حتى لو لم يشعروا بذلك بعد.
رمت حماتي قطعة اللحم فوق الرخامة.
اسمعي يا مريم،
سألتها بهدوء
عائلة؟ وهل أنتم تشاركوني أيضًا؟ عندما أرسلت أمي جوزًا من نينوى في الشتاء، أخذتِ أربع أكياس. وعندما أرسلت جبنًا قديمًا، اختفى. وعندما أرسلت فلفلًا مجففًا، قال حيدر إنه تلف، ثم رأيته في الأكل الذي كنتِ تبيعينه للجارات.
فتحت رشا فمها.
اقترب مني حيدر.
خففي صوتك.
لم أصرخ.
وهذا أكثر ما أزعجه.
لا. اليوم لا.
أطلقت حماتي ضحكة جافة.
يا سلام. أمك عايشة بقرية. هناك هاي الأشياء ما تكلفهم شيء. خروف يتربى على بقايا الأكل وخلاص.
شعرت بشيء يصعد من معدتي.
لم يكن غضبًا.
كان قرفًا.
قلت
أمي تستيقظ قبل طلوع الشمس. تحمل الماء عندما ينقطع عن البيت. تدخّن اللحم على نار الحطب. تزرع الفاصوليا حتى لو الموسم قاسٍ. وعندما ترسل شيئًا، لا ترسل بقايا. ترسل ظهرها المتعب، ويديها، وعمرها.
ضرب حيدر الرخامة بيده.
كافي!
قفز طبق الخبز اليابس من مكانه.
أما أنا فلم أتحرك.
لا يا حيدر. نحن بدأنا للتو.
ثم شغلت تسجيل أمي.
امتلأ المطبخ بصوتها، هادئًا، متعبًا، وفيه تلك النبرة العراقية الريفية التي كان حيدر يسخر منها أمام أصدقائه.
قالت أمي
مساء الخير يا أم حيدر. هذا اللحم مو إلك. مو لرشا، ولا لخالتكم، ولا لأي أحد. هذا لبنتي. إذا جاعتوا، اشتغلوا. وإذا تحچون عن العائلة، احترموها
احمر وجه حماتي.
عجوز قليلة أدب!
أوقفت التسجيل.
وهذا أيضًا تسجل.
التفت حيدر نحو الهاتف.
تغير وجهه.
بخطوتين وصل إلى المايكرويف ومد يده.
لكنني كنت أسرع.
أخذت الهاتف ووضعته في جيب بنطالي الخلفي.
لا تفكر.
قال بصوت منخفض هذه المرة
مريم، لا تكونين سخيفة. هذا مجرد لحم.
لا. هذا آخر شيء كنت ستأخذه مني.
امتلأ الصمت بأصوات الشارع.
كان بائع الغاز ينادي من الأسفل.
وبائع الكاهي يدفع عربته قرب الزقاق.
ومن بعيد، من جهة الشارع العام، كان صوت باصات النقل العام وزامور سيارة غاضبة، من تلك الأصوات التي تبدو جزءًا من هواء بغداد.
عقدت حماتي ذراعيها.
طيب يا شاطرة. وين خبّيتيه؟
في مكان لا تدخلينه بحذائك.
أصدرت رشا صوتًا ساخرًا.
أكيد عند قريبتك الجوعانة.
فُتح باب الشقة قبل أن أجيب.
دخلت سحر من دون أن تطرق.
كانت ترتدي مريلة المطعم الشعبي، وشعرها مربوط، ونظرتها تلك التي لا تطلب إذنًا من أحد.
وخلفها دخل أبو قاسم، حارس البناية، وهو يحمل صندوقًا بلاستيكيًا.
قالت سحر
مريم، نسيتي هذا.
وضعت الصندوق على الأرض.
امتلأت الصالة بالرائحة.
دخان.
ملح.
حطب.
نينوى.
خطت حماتي خطوة إلى الأمام ككلب رأى لحمًا.
رفعت سحر يدها.
لا تحلمين يا خالة.
نظر إليّ حيدر بحيرة.
شنو هذا؟
فتحت الصندوق.
كان بداخله قطعة واحدة فقط.
قطعة واحدة.
الأصغر بينها.
كانت
قلت
هذه القطعة سأطبخها اليوم. أما القطع التسع الباقية فستبقى محفوظة. لي أنا.
ضحكت حماتي بصوت عالٍ.
قطعة واحدة؟ وكل هذا الصراخ من أجل قطعة واحدة؟
قلت
حتى أدعوكم للعشاء.
قطب حيدر حاجبيه.
شنو؟
نعم. سنتعشى جميعًا. أنت، وأمك، ورشا، وأنا. وسحر أيضًا. وأبو قاسم إذا أراد. سأطبخ فاصوليا باللحم المدخن، مثلما كانت أمي تطبخها في أيام العيد في نينوى. مع خبز حار وصلصة فلفل.
نظرت إليّ حماتي كأنها لا تفهم.
لم تكن تفهم.
فالناس الذين اعتادوا أخذ ما ليس لهم لا يعرفون الفخ عندما يُقدَّم لهم في صحن ساخن.
سأل حيدر
وبعدين؟
قلت
وبعدها ستشرح أمام الجميع لماذا قلت لأمك إنني لا أنتبه.
ابتلع ريقه.
إنتِ فهمتيني غلط.
وستشرح أيضًا لماذا حولتِ الشهر الماضي مئتين وخمسين ألف دينار إلى رشا في نفس اليوم الذي أرسلت لي فيه أمي مالًا لدورتي في التمريض.
شحبت رشا.
هذا ما له علاقة.
قالت سحر
بل له علاقة. لأن مريم تركت دورة التمريض وقالت إن المال لم يكفها. وأنت يا حيدر كنت تنشر صور حذاء جديد على إنستغرام.
نظر إليّ زوجي بكراهية.
وهنا رأيت شيئًا لم أكن أريد رؤيته من قبل.
لم يكن خجلانًا.
كان غاضبًا لأنه انكشف.
رفعت حماتي ذقنها.
ابني يساعدني لأنه ابن بار.
قلت
من تمويني. ومن المال الذي ترسله أمي. ومن الأشياء التي تدخل هذا البيت
قالت بحدة
أنتِ متزوجة. مالك ماله.
قلت
لا.
خرجت الكلمة ثابتة.
صغيرة، لكنها ثابتة.
كأن بابًا أُغلق.
اقترب حيدر مني حتى شممت