أرسلت أمي 10 كيلو لحم مدخن من نينوى... لكن حماتي جاءت بأكياس لتأخذه كله!
قميصه ملتصقًا برقبته. وجهه جامد، لكن عينيه حمراوان.
قال
مريم، نقدر نحچي باچر.
قلت
لا.
أنتِ تفعلين هذا من الغضب.
قلت
لا يا حيدر. أفعله من الذاكرة.
نظر إلى الطاولة.
كانت سحر وأبو قاسم وأنا نأكل.
أطباق بسيطة، وخبز ملفوف بمنشفة، وإبريق ماء بارد.
لا شيء فاخر.
ولا شيء مسروق.
قال
أنا أيضًا جائع.
كاد قلبي يرق له.
كاد فقط.
وضعت له ملعقة من الفاصوليا في صحن بلاستيكي.
من دون لحم.
ناولته إياه.
للطريق.
لم يأخذه.
ترك المفاتيح فوق الرخامة وخرج.
وعندما أُغلق الباب، ارتجفت ساقاي.
حضنتني سحر قبل أن أسقط.
بكيت على كتفها.
بكيت على الطفل الذي لم أعرفه.
وعلى السنوات التي خلطت فيها بين الصبر والحب.
وعلى أمي، التي اضطرت من نينوى أن تعلمني كيف أدافع
كانت أمي ما تزال على الشاشة.
لم تغلق الاتصال.
قالت بهدوء
بنتي... أكلتِ؟
مسحت وجهي.
نظرت إلى صحن الفاصوليا باللحم المدخن، وهو يتصاعد منه البخار أمامي.
قلت
هسه آكل يمّه.
قالت
كلي ويا الخبز. لا تأكلين مثل العصافير.
ضحكت وأنا أبكي.
حاضر يمّه.
في صباح اليوم التالي، استيقظت والشمس تدخل من النافذة والشقة صامتة.
لم تكن هناك أحذية حيدر مرمية.
ولا أطباق متسخة ليست لي.
ولا أصوات غريبة تقرر من سيأخذ ماذا.
فتحت الثلاجة.
كان لحم البطن المزيّف ما زال هناك، حزينًا داخل كيسه.
أخرجته وطبخته جيدًا ثم أعطيته لكلاب أبو قاسم.
ثم عبرت إلى البناية التي تسكن فيها سحر.
في المجمدة، كانت القطع التسع من اللحم
قدمت لي سحر قهوة.
سألتني
والآن ماذا ستفعلين بكل هذا؟
لمست إحدى القطع المجمدة.
كانت قاسية كالحجر.
لكن داخلها كان هناك دخان، وملح، وحطب، وفجر، وأم.
قلت
سأقسمه. قطعة كل شهر. لي أنا. حتى أتذكر من أكون كلما احتجت.
ابتسمت سحر.
والأخيرة؟
فكرت في أمي.
في يديها.
وفي صوتها وهي تقول لي ولا قطعة وحدة تطلع من إيدج.
قلت
الأخيرة سأخذها إلى نينوى.
بعد أشهر فعلت ذلك.
وصلت إلى كراج النهضة ومعي حقيبة صغيرة وحافظة طعام زرقاء. تحركت السيارة قبل الفجر، تاركة خلفها بغداد، وباعة القهوة، والشوارع الرمادية، والعمارات المتلاصقة.
وعندما صار الطريق واسعًا وجافًا، شعرت أنني أتنفس بطريقة مختلفة.
كانت أمي تنتظرني في الموقف بعباءتها
أقصر مما أتذكر.
وأقوى أيضًا.
حضنتها بقوة حتى كادت الحافظة تسقط من يدي.
سألتني
جبتي اللحم؟
قلت
آخر قطعة.
في ذلك المساء طبخناها معًا.
لم تكن هناك وليمة كبيرة.
فقط أمي، وأنا، وجارتان، وقدر فاصوليا.
في الخارج، كان الهواء يحرك تراب الحوش. ومن بعيد، كان صوت الأذان يصل هادئًا، كأن القرية كلها تعرف أن شيئًا انتهى.
تذوقت أمي الطعام وهزت رأسها.
طلع اللحم طيب.
نظرت إليها.
وأنا طلعت طيبة هم، مو هيچ؟
تركت الملعقة.
وأمسكت وجهي بيديها الخشنتين.
أنتِ طلعتي أحسن من طيبة يا بنتي. أنتِ طلعتي بنتي.
وعندها فهمت.
لم تكن عشرة كيلوغرامات من اللحم المدخن.
كانت إرثًا.
طريقة حب ملفوفة بالنايلون والدخان والجرائد.
تذكيرًا بأن ما ترسله الأم من بعيد
أحيانًا ترسل الشجاعة.
وهذه المرة، أخيرًا، لم أسمح لأحد أن يأخذها مني.