أرسلت أمي 10 كيلو لحم مدخن من نينوى... لكن حماتي جاءت بأكياس لتأخذه كله!

لمحة نيوز


رائحة القهوة القديمة في أنفاسه.
مريم، أنتِ لا تعرفين ماذا تفعلين.
أعرف.
أخرجت من جيب بنطالي ورقة مطوية.
لم تكن شكوى.
ليس بعد.
كانت قائمة.
أمي طلبت مني أن أكتبها قبل وصولهم.
قالت لي
حتى لا تنسين كم مرة سكتِ وبلعتِ القهر.
فتحتها فوق الرخامة.
جوز، جبن، لحم مجفف، فلفل ناشف، بطانيتان صوف، طقم شراشف، علبة الفيتامينات، مال السونار، مال دورة التمريض، والحلقان الفضية التي أرسلتها لي أمي من نينوى.
ضحك حيدر بتوتر.
الحلقان؟ لا تبالغين.
قلت
رهنتها في محل رهن في الكرادة. وجدت الوصل في سترتك.
التفتت حماتي إليه.
لأول مرة، ليس لتدافع عنه.
بل خوفًا من أن يكون قد أخذ منها هي أيضًا.
قالت
حيدر.
احمر وجهه.
كان مؤقتًا.
سألته
ومال السونار أيضًا كان مؤقتًا؟
لم يتكلم أحد.
صارت الشقة ضيقة جدًا.
كنت أسمع أنفاسي.
وسمعت شيئًا آخر صوت أمي في ذاكرتي، وهي ترتجف يوم فقدت طفلي.
مو ذنبج يا بنتي.
صدقتها يومها.
لكنني منذ ذلك اليوم حملت حجرًا في صدري.
في تلك اللحظة فهمت أن جزءًا من ذلك الحجر كان له اسم.
حيدر.
قلت
أنت كنت تعرف أنني أحتاج تلك الفيتامينات. كنت تعرف أن الطبيب قال لي لا أتركها. ومع ذلك تركت أمك تأخذها.
رفعت حماتي يديها.
أنا ما كنت أعرف.
قالت رشا بصوت منخفض
كنتِ تعرفين.
التفتنا جميعًا نحوها.
رمقتها حماتي بنظرة نارية.
اسكتي.
لكن رشا كانت قد بدأت تبكي.


ليس من الندم.
بل من الخوف.
قالت
أنا قلت لكِ لا تأخذين العلبة، يمّه. قلت لكِ إن مريم حامل.
صرخ حيدر
اسكتي يا رشا!
وقفت سحر بينه وبيني.
أما أبو قاسم فوضع الصندوق على الأرض وعدّل قبعته.
أستاذ، هنا ماكو أحد يرفع يده على أحد.
نظر حيدر حوله.
لم يعد يملك مطبخًا.
صار عنده شهود.
اهتز هاتفي.
كانت مكالمة فيديو من أمي.
أجبت.
ظهر وجهها على الشاشة، وخلفها مطبخها الطيني البسيط، والقدور المعلقة، والنافذة التي يدخل منها ضوء جاف. وفي الخلف كان يظهر جزء من الحوش، وحبل الغسيل، وشجرة صغيرة تتحرك مع الهواء.
سألت
الكل موجود؟
لوت حماتي فمها.
ما عندي سبب أسمع لهذه المرأة.
قالت أمي
لا يا أم حيدر. أنتِ مو مجبورة تسمعيني. لكن بنتي كانت مجبورة تسمعك سنوات. وسمعتك أكثر من اللازم.
مسح حيدر جبهته.
خالتي، لا تكبرين الموضوع.
قالت أمي
أنتم كبرتوه عندما مددتُم يدكم على أكل بنتي. وعلى مالها. وعلى وجعها.
أخذت أمي نفسًا عميقًا.
أنا ما ربيت مريم حتى عائلة جائعة تفرغ ثلاجتها وروحها.
صرخت حماتي
هي تشتمنا!
قالت أمي
لا. أنا أوصفكم.
غطت سحر فمها حتى لا تضحك.
أما أنا فلم أستطع.
ضحكت والدموع في عيني.
ليس لأن الأمر مضحك.
بل لأن شخصًا قال أخيرًا ما لم أملك الشجاعة لقوله.
أشار حيدر إلى الباب.
اطلعوا. كلكم اطلعوا من بيتي.
نظرت إليه.
بيتك؟ العقد باسمي.
تجمد في مكانه.
فتحت رشا
عينيها بدهشة.
والتفتت حماتي نحوه.
شلون باسمها؟
قلت
لأن أمي دفعت العربون. أم نسيت هذا أيضًا يا حيدر؟
ضغط زوجي على فكه.
أنا أدفع الإيجار.
كنت تدفع نصفه. عندما تريد. ومنذ أربعة أشهر أدفعه كاملًا وحدي.
أخرجت ورقة أخرى.
تحدثت مع صاحبة الشقة. العقد يتجدد يوم الاثنين. باسمي فقط.
ضحك حيدر ضحكة جافة.
هل تطردينني؟
نظرت إلى قطعة اللحم فوق الطاولة.
تخيلت أمي وهي تلفها بالجرائد، وتضغط الأطراف بأصابعها المتعبة.
تذكرت طرقات القرية، وصوت السوق الصغير، ورائحة خبز التنور، والبرد القادم من السهول، والدخان العالق بعباءتها.
ثم نظرت إلى حيدر.
نعم.
وضعت حماتي يدها على صدرها.
ما تكدرين تطردين ابني مثل الكلب!
قلت
لا. ليس مثل الكلب. الكلاب وفية.
أطلقت رشا ضحكة عصبية قصيرة.
فضربتها حماتي على ذراعها.
فقد حيدر سيطرته.
أمسك قطعة اللحم ورفعها.
كل هذا بسبب لحم؟ تريدين لحمك اللعين؟ خذيه إذن!
كان يريد رميها في سلة القمامة.
لكنه لم يلحق.
أمسكت سحر معصمه بقوة لم أكن أعرف أنها تملكها.
وأخذ أبو قاسم القطعة من يده.
صرخت أمي من الهاتف
لا تخلّون اللحم يلمس الأرض!
وفي لحظة غريبة، كأن المشهد كان سخيفًا ومقدسًا في الوقت نفسه، بقينا جميعًا ننظر إلى قطعة اللحم في يد حارس البناية.
حملها أبو قاسم باحترام.
وقال
أمي الله يرحمها كانت ترسل لنا أشياء من القرية. هذه النعمة ما
تنرمي.
خفض حيدر نظره.
ليس خجلًا.
بل هزيمة.
جمعت حماتي أكياسها الفارغة من الأرض.
يلا يا حيدر. هذه المرأة فقدت عقلها.
قلت
لا. حيدر سيبقى ليجمع أغراضه.
رفع وجهه.
لا تستطيعين إجباري.
قلت
لا. لكن أستطيع الاتصال بالشرطة إذا واصلت الصراخ ودفع الناس. وأستطيع إرسال الفيديو إلى مجموعة عائلتك، ومجموعة عملك، وإلى صاحبة المطعم الشعبي التي بدأت تبيع سندويشات بلحم ليس لها.
غطت رشا فمها.
شلون عرفتي؟
ابتسمت.
لأنك أنتِ نشرتِ الإعلان. لحم مدخن بيتي من نينوى، الطلب بالخاص. ومعه صورة الطرد الذي أرسلته أمي السنة الماضية.
جلست حماتي فجأة على كرسي.
تحولت غضبتها إلى تعب.
نظر إليّ حيدر كأنه يراني لأول مرة.
ربما فعلًا.
ربما لم يرني واقفة من قبل.
في تلك الليلة طبخت.
ليس لهم.
لي أنا.
قطعت اللحم المدخن إلى مكعبات سميكة. بدأ الدهن يلمع في المقلاة. امتلأ المطبخ بالرائحة، وتسربت إلى الصالة، وإلى الممر، ومن تحت الباب.
وضعت فاصوليا مطبوخة، وبصلًا، وفلفلًا ناشفًا، وقليلًا من الكمون.
سخنت سحر الخبز.
وجلب أبو قاسم صلصة خضراء صنعتها زوجته في البيت.
كان حيدر يجمع أغراضه في الغرفة بحركات غاضبة.
أما حماتي ورشا فخرجتا من دون كيس واحد ممتلئ.
نزلتا الدرج بنفس السرعة التي جاءتا بها، لكنهما بدتا أصغر كثيرًا.
وقبل أن تخرج، حاولت حماتي أن تجرحني للمرة الأخيرة.
قالت
ستبقين
وحدك.
حركت الفاصوليا في القدر.
الأسوأ كان أن أكون محاطة بكم.
لم تجب.
أُغلق الباب.
ولأول مرة منذ سنوات، بدا صوت الشقة ملكي.
خرج حيدر بعد ساعة ومعه حقيبتان.
كانت
 

تم نسخ الرابط